د.رفعت جبر: بدلًا من المبيدات.. هل يصبح الليزر والذكاء الاصطناعي سلاح الزراعة ضد الآفات؟
عضو المجلس الأعلى للثقافة _ رئيس قسم التقنية الحيوية بكلية علوم القاهرة
تعيد التكنولوجيا اليوم صياغة الزراعة الذكية من جذورها، متجاوزةً حقبة المبيدات الكيميائية الملوثة لتدخل عصر الحماية الضوئية الفائقة.
في هذا التحول الناشئ، تحولت الحقول إلى مسارح عمليات تُدار بفيزياء الليزر وشاشات الرادار بدلًا من استخدام رشاشات المبيدات الكيميائية التقليدية.
وفي قلب هذا التحول، تقود بكين منظومة “فوتون ماتريكس” التي تعيد صياغة مفهوم الزراعة الذكية لحماية الغذاء والبيئة.
تشريح التكنولوجيا: منظومة فوتون ماتريكس
تعتمد هذه التقنية على تحويل أفكار “الدفاع الجوي العسكري” إلى أداة زراعية مدنية شديدة الفعالية، وتتكامل عبر المحاور التالية:
- الرصد والتمييز الخاطف: يمسح الرادار المليمتري الحقل لحظيًا، وتتولى خوارزميات الرؤية الحاسوبية تحليل شكل الحشرة ونمط طيرانها خلال 3 مللي ثانية فقط، للتمييز بين الآفات الضارة والحشرات النافعة كالنحل.
- الاستهداف الميداني الدقيق: يطلق النظام شعاع ليزر متناهي الدقة يقتنص 30 حشرة في الثانية الواحدة، مما يقضي على الآفات فورًا دون إلحاق أي ضرر حراري بالنباتات.
- بروتوكول الأمان الذكي: يتوقف النظام آليًا وفوريًا عن إطلاق الأشعة بمجرد رصد حركة أي جسم كبير (كالإنسان أو المواشي والحيوانات الأليفة) — وفق ما يؤكده مصممو المنظومة — لضمان السلامة الميدانية المطلقة.
- الحماية البيئية والصحية: يلغي النظام الحاجة للمبيدات التقليدية، مما يحمي التربة والمياه الجوفية ويقضي نهائيًا على ظاهرة الترسبات الكيميائية السامة في سلاسل الإمداد الغذائي.
هل الفكرة ابتكار صيني خالص؟
تاريخيًا، لم تكن الصين المبتكر الأول لمفهوم مكافحة الآفات بالليزر؛ إذ سبقتها الولايات المتحدة الأمريكية عبر مشروع Photonic Fence الذي أطلقته شركة Intellectual Ventures عام 2010 لمكافحة بعوض الملاريا، إلى جانب أبحاث وتقنيات أوروبية لمكافحة الأعشاب الضارة (Laser Weeding).
لكن الواقع العلمي يؤكد أن التميّز الصيني الحقيقي يكمن في الدمج الصناعي والتطبيقي؛ حيث نجحت بكين في جمع الرادارات المليلمترية فائقة السرعة مع الذكاء الاصطناعي وتحويل التكنولوجيا من تجارب معملية مكلفة إلى منظومة “دفاع جوي زراعي” مدمجة، منخفضة التكلفة وقابلة للنشر الموسع في الحقول، مما يشكل تهديدًا مباشرًا لهيمنة صناعة المبيدات التقليدية.
تضع هذه المنظومة الزراعة العالمية على أعتاب مرحلة جديدة تُحرس فيها المحاصيل بأشعة الضوء بدلًا من براميل المبيدات الكيميائية.
وفي القريب العاجل، لن تكتفي هذه الأنظمة بإبادة الحشرات الضارة، بل ستتحول إلى حراس رقميين يرصدون صحة المحاصيل وجودة التربة لحظة بلحظة، ليصبح الغذاء الخالي تمامًا من المبيدات حقًا طبيعيًا ومعيارًا عالميًا تكفله فيزياء الضوء والذكاء الاصطناعي.





