حقول الأعشاب البحرية.. خزائن كربون عملاقة تكشفها دراسة عالمية جديدة
الأعشاب البحرية تخزن 44 مليون طن من الكربون الحي.. اكتشاف يغيّر معادلة المناخ
تبيّن أن مروج الأعشاب البحرية، وهي الغابات المغمورة التي تثبّت السواحل وتحتضن تنوعًا واسعًا من الكائنات البحرية، تُعد أيضًا خزائن كربون حية ذات أهمية عالمية.
وللمرة الأولى، نجح العلماء في حساب كمية الكربون المخزّن في الأنسجة الحية لهذه النباتات، وكانت النتائج لافتة؛ إذ يصل المخزون العالمي إلى نحو 44 مليون طن من الكربون في الأوراق والجذور والريزومات.
وتغطي الدراسة الجديدة نطاقًا واسعًا من المروج الممتدة من البحر المتوسط إلى شمال المحيط الهادئ والمحيط الأطلسي المعتدل، لتقدم رؤية عالمية دقيقة حول الكربون المحتجز في الكتلة الحيوية الحية بدلًا من التركيز التقليدي على الكربون المدفون في التربة.
وقد نُشرت الدراسة في دورية Nature Communications.

قياس الكربون في الأعشاب البحرية
قاد البحث إنريك غوميس، الباحث في مرحلة الدكتوراه في مركز الدراسات المتقدمة في بلانس التابع للمجلس الوطني للبحوث في إسبانيا، ويركز عمله على كربون الأعشاب البحرية واستعادة البيئات الطبيعية.
تحتجز الأعشاب البحرية نوعين من الكربون: أحدهما في الأجزاء الحية فوق قاع البحر وتحته، والآخر يُدفن في التربة البحرية وقد يبقى مستقرًا لقرون. وقد ركز فريق البحث على الكربون الحي فقط، ثم قارن هذا المخزون بمعدل نمو الكتلة الحيوية سنويًا، المعروف باسم الإنتاجية الأولية الصافية.
وتشير البيانات إلى أن كل فدان من المروج يحتوي في المتوسط على نحو 0.69 طن من الكربون الحي، بينما تثبت النباتات ما يقرب من 3 أطنان سنويًا من الكربون في أنسجتها قبل انتقاله أو تحلله.

اختلاف الأنواع واختلاف التخزين
تختلف قدرة المروج على التخزين وفق الأنواع المسيطرة؛ فبعضها يعتمد على نباتات كبيرة وبطيئة النمو تعيش عقودًا، مما يجعلها أكثر قدرة على الاحتفاظ بالكربون في بنيتها، خصوصًا في الأجزاء الموجودة تحت سطح التربة.
وفي المقابل، تنتشر الأنواع سريعة النمو بسرعة أكبر، لكنها تتعرض لدورة حياة أسرع، مما يزيد من قدرتها على التقاط الكربون سنويًا رغم انخفاض استقراره طويل المدى.
وتوضح الدراسة أن المروج في البحر المتوسط تحتفظ بالكربون لفترات أطول، بينما تُظهر المروج في شمال المحيط الهادئ والمحيط الأطلسي المعتدل معدلات أسرع لالتقاط الكربون.
وعلى الرغم من اختلاف المسارات، إلا أن كلا النمطين يؤديان دورًا مناخيًا مهمًا، إما عبر التخزين طويل الأجل أو عبر سرعة الامتصاص.

أهمية القياس الدقيق للمخزون الحيوي
تعترف البرامج المناخية الدولية بالدور الذي تؤديه النظم الساحلية في احتجاز الانبعاثات، وقد أصدر الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ إرشادات واضحة تشمل الكتلة الحيوية للأعشاب البحرية عند توافر البيانات.
وتتحرك أسواق الكربون في الاتجاه نفسه؛ إذ وضعت “فيرا” منهجية خاصة للمستنقعات المدّية ومشروعات الأعشاب البحرية، تتيح منح أرصدة كربونية معتمدة عند قياس المخزون وتحقيق الاستدامة.
ويعد توفر قاعدة بيانات عالمية موحدة خطوة مهمة، إذ تمكّن الدول والمشروعات من بناء قوائم جرد دقيقة وبرامج لاستعادة المروج.

قياس المروج حول العالم
تمتد الأعشاب البحرية على مساحة تتراوح بين 62 ألفًا و103 آلاف ميل مربع، وهو نطاق واسع يعكس فجوات في الخرائط وشح البيانات في بعض المناطق.
وجمعت الدراسة بيانات من 66 دولة عبر جميع المناطق البيئية الكبرى، لتكشف اختلافات واضحة ترتبط بالأنواع وظروف الموقع.
ويؤكد الباحثون أن الفدان الواحد قد يؤدي أدوارًا مختلفة تمامًا تبعًا للأنواع التي تشكله وخصائص المنطقة التي يوجد فيها، مما يتطلب إدراج هذه الفروق في خطط الإدارة البيئية.
تكلفة خسارة المروج
تعاني المروج البحرية من تراجع متزايد بفعل التنمية الساحلية والتلوث وارتفاع درجات الحرارة. ويؤدي هذا التراجع إلى فقدان المخزون الحي، إضافة إلى تحلل الكربون المخزن في التربة عند اختفاء جذور النباتات.
وتقدّر الدراسة أن فقدان الكتلة الحيوية للمروج يطلق ما بين 170 ألفًا و282 ألف طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنويًا. ويؤكد الباحثون أن حماية المروج القائمة أقل تكلفة وأكثر فاعلية من محاولة استعادتها بعد تدهورها.

حماية المروج لحماية المناخ
تقدم النتائج أساسًا عمليًا للدول لتحديد المناطق الأكثر أهمية للحفاظ على المروج، مما يسهم في خفض الانبعاثات ودعم مصايد الأسماك والحفاظ على صفاء المياه.
ويقول جوميس: “إن الحفاظ على المروج لا يحمي التنوع البيولوجي فحسب، بل يمنع الانبعاثات ويساهم في التقاط الكربون طبيعيًا”.
ويضيف أوسكار سيرانو، منسق الدراسة: “للمرة الأولى نمتلك ميزانًا عالميًا شاملًا للكربون الأزرق في مروج الأعشاب البحرية”، مشيرًا إلى أن هذا الميزان يربط العلم بالسياسات بطريقة دقيقة وواضحة.





