جفاف التربة يهزم تأثير الاحترار على انبعاثات النيتروجين في الغابات
الاحترار العالمي يبدّل كيمياء الغابات بطريقة غير متوقعة
التربة في الغابات لا تتوقف عن “التواصل”؛ ليس بالكلمات، بل عبر تبادلات كيميائية هادئة بين الميكروبات وجذور النباتات والهواء المحيط بها.
لسنوات طويلة، افترض العلماء أن ارتفاع درجات الحرارة الناتج عن التغير المناخي سيؤدي إلى تسريع هذا النشاط تحت الأرض، ما يعني إطلاق كميات أكبر من غازات النيتروجين إلى الغلاف الجوي.
لكن أبحاثًا ميدانية طويلة الأمد تكشف اليوم صورة مختلفة تمامًا.
فالحرارة وحدها لا تتحكم في هذه التفاعلات، بل يلعب نقص المياه، ودورات التجمد والذوبان الموسمية، وتغير تركيبة المجتمعات الميكروبية أدوارًا أكبر مما كان متوقعًا.
وتوضح تجربة علمية امتدت لعدة سنوات مدى غرابة سلوك تربة الغابات عندما تُدرَس في بيئاتها الطبيعية بدلًا من المختبرات.
ونُشرت الدراسة في دورية وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم (PNAS).
نيتروجين الغابات في عالم يزداد حرارة
كانت التوقعات السابقة تشير إلى أن ارتفاع درجات الحرارة سيؤدي إلى تسريع فقدان غازات النيتروجين من تربة الغابات، ما يحرم الأشجار من عناصر غذائية أساسية لنموها، وفي الوقت نفسه يزيد من تلوث الغلاف الجوي.
غير أن دراسة حديثة صادرة عن جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد (UCR)، ركزت على غابة معتدلة في شمال شرق الصين، واعتمدت على أكثر من 200 ألف قياس ميداني، جاءت بنتائج معاكسة تمامًا لهذه الفرضيات.
إذ أظهرت النتائج أن انبعاثات أكسيد النيتريك وأكسيد النيتروز انخفضت مع بدء عملية الاحترار الاصطناعي للتربة.
وقال بيت هوماك، الأستاذ المشارك في علوم البيئة بجامعة كاليفورنيا: “هذه النتائج تقلب افتراضاتنا السابقة رأسًا على عقب، وتبرز الأهمية الكبرى للملاحظات الميدانية طويلة الأمد”.
كما دعمت دراسات معملية موازية هذا الاستنتاج، إذ توقعت حساسية عالية لإنتاج غازات النيتروجين تجاه الحرارة، إلا أن الواقع الميداني لم يتوافق مع تلك التوقعات.
الاحترار يقلل رطوبة التربة
استُخدمت سخانات تعمل بالأشعة تحت الحمراء لرفع حرارة التربة بنحو درجتين مئويتين، وهو ما يحاكي ظروف منتصف القرن الحالي. ومع ارتفاع الحرارة، انخفضت نسبة الرطوبة في الطبقات السطحية من التربة.
وكان هذا الانخفاض في الرطوبة كافيًا لقمع التحولات الكيميائية الخاصة بالنيتروجين التي تقودها الكائنات الدقيقة.
وبحسب الدراسة، أدى فقدان الرطوبة إلى تقييد عمليتي التمعدن والنترتة، ما قلل من إمدادات الأمونيوم اللازمة لنشاط البكتيريا، وبالتالي انخفض إنتاج أكسيد النيتريك وأكسيد النيتروز.
كما أدّى الجفاف إلى تغيير الديناميكيات الموسمية، حيث تسبّب ذوبان الجليد المبكر في تقليل دورات التجمد والذوبان التي كانت تُحفّز عادة تدفقات نيتروجينية قوية.
ونتج عن ذلك تراجع كبير في انبعاثات أكسيد النيتروز خلال أواخر الشتاء وبداية الربيع.
وهكذا أصبح توفر المياه العامل المسيطر على سلوك النيتروجين أكثر من تأثير الحرارة وحدها.

أنماط إقليمية لافتة
كشفت تجارب إضافية أُجريت في غابات أخرى عن أنماط متشابهة. ففي المناطق التي يقل فيها معدل هطول الأمطار السنوي عن متر واحد تقريبًا، أدى الاحترار إلى زيادة جفاف التربة، مصحوبًا بانخفاض انبعاثات أكسيد النيتروز.
أما في المناطق الأكثر رطوبة، فقد ارتفعت الانبعاثات مع الاحترار، بما يتوافق مع التوقعات المخبرية القديمة.
وهو ما يوضح بجلاء مدى حساسية سلوك النيتروجين لاختلاف الأنظمة المائية إقليميًا.
كما أظهرت التحليلات الوراثية تغيرًا في المجتمعات الميكروبية، إذ زادت أعداد الكائنات المؤكسدة للأمونيا من فصيلة العتائق، في حين انخفضت أعداد البكتيريا المؤكسدة للأمونيا، ومع ذلك، ظل إجمالي انبعاث غازات النيتروجين منخفضًا في البيئات الجافة.
تأثير كبير على صحة الغابات
تحدث انخفاضات في رطوبة التربة مماثلة لما رُصد في هذه الدراسة بالفعل في كثير من المناطق المعتدلة حول العالم.
وتشير النتائج إلى أن حتى التغيرات الطفيفة في الرطوبة يمكن أن تُحدث اضطرابات كبيرة في نشاط الإنزيمات وانتشار المواد الكيميائية وتوفر الأكسجين، وهو ما يعيد تشكيل إنتاج غازات النيتروجين بالكامل.
وتنعكس هذه التأثيرات على قدرة الغابات على امتصاص الكربون، نظرًا لاعتمادها على دورة غذائية مستقرة.
وقال كاي هوانج، الباحث الرئيسي في الدراسة: “قلقنا الأساسي يتمحور حول تأثير الاحترار على دورة النيتروجين، وما إذا كانت الغابات ستحتفظ بقدرتها على امتصاص الكربون مع استمرار ارتفاع حرارة الأرض”.
ورغم انخفاض الفقد الجوي للنيتروجين في التربة الدافئة والجافة، فإن رصد نمو الأشجار لم يُظهر تسارعًا واضحًا، إذ يحد الجفاف من قدرة النباتات على امتصاص العناصر الغذائية.
وأضاف هوانج: “قد لا نفقد النيتروجين في الغلاف الجوي، لكن إذا لم تتمكن الأشجار من استخدامه بسبب الجفاف، فالمشكلة لا تزال قائمة”.
دقة أكبر لتوقعات المناخ
تعزز هذه النتائج التوجّه العلمي المتزايد نحو ضرورة إدراج استجابة رطوبة التربة بشكل صريح في نماذج التغير المناخي.
فجفاف التربة لا يؤثر فقط على دورة النيتروجين، بل يمتد أثره إلى تخزين الكربون وتوازن الطاقة والارتدادات المناخية المحلية والإقليمية.
وتفترض كثير من النماذج المناخية زيادة النشاط الميكروبي مع ارتفاع الحرارة، إلا أن هذه الدراسة تظهر أن نقص المياه قادر على تعطيل تلك الاستجابات الحرارية المتوقعة.
وقال هوماك: “مع استمرار الاحترار العالمي، تساعدنا هذه الدراسات طويلة الأمد على تحسين نماذجنا المناخية وفهم كيفية تصرف الغابات في عالم يتغير بسرعة”.
وتؤكد النتائج أن التفاعلات المعقدة بين الحرارة والرطوبة وكيمياء التربة والحياة الميكروبية تجعل النظم البيئية الطبيعية بعيدة عن السلوك الخطي البسيط.





