أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

التوترات السياسية حول جرينلاند تعرقل أبحاثًا حاسمة لفهم تغيّر المناخ

العلم يدفع الثمن.. طموحات ترامب تجمّد تعاونًا علميًا دوليًا حول ذوبان الجليد

أصبحت جرينلاند، الجزيرة القطبية الشاسعة ذات الأهمية البيئية الفائقة، في قلب عاصفة جيوسياسية تهدد بتقويض أحد أهم مسارات البحث العلمي المتعلق بتغيّر المناخ على مستوى العالم.

فالتوترات السياسية الناتجة عن تصريحات ومواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن السيطرة على جرينلاند ألقت بظلالها الثقيلة على التعاون العلمي بين الولايات المتحدة وباحثين ومؤسسات علمية جرينلاندية، ما أدى إلى إيقاف أو تجميد عدد من المشروعات البحثية الحيوية.

هذه التطورات لا تمس العلاقات الأكاديمية فحسب، بل تضرب في الصميم الجهود الدولية الرامية إلى فهم تسارع ذوبان الجليد القطبي، وارتفاع منسوب البحار، واضطراب التيارات المحيطية الكبرى التي تلعب دورًا محوريًا في تنظيم مناخ الأرض.

أبحاث معلّقة وتعاون علمي مجمّد

جرينلاند

أكد عدد من العلماء الأميركيين، أن برامج بحثية مشتركة مع نظرائهم في جرينلاند توقفت بالفعل، إما بقرار مباشر أو باتفاق متبادل، احترامًا لحساسية الوضع السياسي المتصاعد.

وقال روس فيرجينيا، أستاذ الدراسات البيئية المتفرغ في كلية دارتموث، إن برنامجًا مناخيًا طويل الأمد كان يشرف عليه بالتعاون مع علماء جرينلانديين جرى تعليقه مؤقتًا، في انتظار بلورة رؤية جديدة لـ«دبلوماسية علمية» تضمن استقلال البحث العلمي عن الصراعات السياسية.

وأشار فيرجينيا إلى أن القلق الأكبر يتركز على مستقبل برامج التعليم والتدريب الموجهة للباحثين الشباب، والتي تُعد ركيزة أساسية لضمان استمرارية المعرفة العلمية في منطقة القطب الشمالي.

من جانبه، قال عالم أميركي آخر، طلب عدم الكشف عن هويته خشية الإضرار بعلاقاته البحثية، إن بعض الشراكات البحثية كانت قد بدأت بالتعثر حتى قبل تصاعد الحديث العلني عن ضم جرينلاند، مؤكدًا أنه قرر تعليق أعماله الميدانية احترامًا لمشاعر المجتمع العلمي والسكان المحليين في الجزيرة.

السكان المحليين في جرينلاند

جرينلاند.. بؤرة ساخنة في نظام مناخي هش

تُعد جرينلاند واحدة من أسرع مناطق العالم تأثرًا بالاحتباس الحراري. ويحتوي غطاؤها الجليدي الضخم على كميات من المياه العذبة تكفي لرفع مستوى سطح البحر عالميًا بنحو 7 أمتار (23 قدمًا) في حال ذوبانه الكامل، ما يجعل أي تغير في استقراره قضية وجودية للدول الساحلية حول العالم.

ويركز العلماء بشكل خاص على دراسة العلاقة بين ذوبان الجليد في جرينلاند والدورة الانقلابية الأطلسية (AMOC)، وهي منظومة معقدة من التيارات البحرية التي تنقل الحرارة والمياه الباردة عبر المحيط الأطلسي، وتؤثر بشكل مباشر في أنماط الطقس في أوروبا وأميركا الشمالية وأفريقيا.

وتشير أبحاث متزايدة إلى أن هذه الدورة قد تكون في حالة ضعف تدريجي، وهو ما قد يؤدي إلى اضطرابات مناخية حادة، تشمل موجات برد أو حرارة غير مسبوقة، وتغيرات في أنماط الأمطار والجفاف.

تمويل أميركي تحت المجهر

التمويل الأميركي للبحث العلمي في جرينلاند

يعتمد جزء كبير من البحث العلمي في جرينلاند على التمويل الأميركي، خصوصًا من خلال المؤسسة الوطنية للعلوم (NSF)، التي تدعم تشغيل محطة «سَميت» البحثية الواقعة في قلب الغطاء الجليدي، والتي تعمل على مدار العام وتستضيف فرقًا بحثية دولية.

ووفقًا لمتحدث باسم المؤسسة، يجري حاليًا تمويل 19 مشروعًا نشطًا في جرينلاند، تشمل 43 منحة بحثية، بإجمالي تمويل يصل إلى 26 مليون دولار.

غير أن علماء جرينلانديين أشاروا إلى تزايد الحذر في قبول التمويل الأميركي أو الانخراط في شراكات جديدة، خشية تفسير ذلك سياسيًا في ظل التوتر القائم.

وقال أحد الباحثين العاملين في مؤسسة حكومية جرينلاندية إن التعاون مع الولايات المتحدة بات يُنظر إليه بحساسية شديدة، مضيفًا أن القلق لا يتعلق بالعلم ذاته، بل بالرسائل السياسية غير المقصودة التي قد يبعث بها هذا التعاون.

مخاوف من ضياع بيانات لا تُقدّر بثمن

تحذّر عالمة المحيطات في جامعة هارفارد، فياما سترانيو، من أن الضرر الأكبر قد يقع على المشروعات المستقبلية التي لم تبدأ بعد.
فالتردد في إطلاق مبادرات جديدة، خاصة تلك الممولة فيدراليًا من الولايات المتحدة، قد يؤدي إلى فجوات معرفية خطيرة في فهم تطور النظام المناخي القطبي.

وأكدت سترانيو، التي عملت في جرينلاند قرابة عقدين، أن هناك مخاوف حقيقية لدى الباحثين المحليين من استخدام البحث العلمي كأداة نفوذ سياسي، وهو ما يهدد الثقة التي بُنيت عبر سنوات طويلة من التعاون الدولي.

الجيوسياسة تضرب العلم مرة أخرى

جرينلاند

يأتي هذا التراجع في التعاون العلمي بعد سنوات قليلة فقط من انتكاسة أخرى تعرض لها البحث المناخي في القطب الشمالي، إثر الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، حين علّقت دول الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو أغلب أشكال التعاون العلمي مع روسيا، ما أدى إلى انقطاع تدفق بيانات مناخية حيوية من أكبر دولة قطبية في العالم.

ويحذر خبراء من أن تسييس العلم في مناطق شديدة الحساسية مثل القطب الشمالي قد يؤدي إلى فقدان فرص لا يمكن تعويضها، في وقت يضيق فيه هامش المناورة أمام البشرية لمواجهة تسارع تغيّر المناخ.

العلم بين الدعم العسكري والحدود الأخلاقية

تعتمد كثير من الأبحاث المناخية في جرينلاند على بنية تحتية لوجستية يوفرها الجيش الأميركي، سواء عبر النقل الجوي أو استخدام قواعد عسكرية مثل قاعدة بيتوفيك الفضائية، غير أن بعض العلماء أبدوا استعدادهم للتخلي عن هذا الدعم إذا استمرت السياسات الأميركية في اتخاذ مسار تصعيدي تجاه الجزيرة.

وقالت أستاذة علوم المناخ داربي أكسفورد إن توسيع الوجود العسكري الأميركي قد يخلق تسهيلات بحثية إضافية، لكنه في الوقت نفسه يطرح إشكاليات أخلاقية عميقة.

وأضافت: «إذا استمرت الولايات المتحدة في نهج عدائي تجاه جرينلاند، فلن يكون من الصواب الاستفادة من هذا الوجود، وأتمنى أن يشاركني كثير من زملائي هذا الموقف».

جرينلاند
جرينلاند

مستقبل غامض لعلم المناخ في القطب الشمالي

في ظل هذه المعطيات، يواجه علم المناخ في جرينلاند مفترق طرق حاسمًا.

فإما أن تنجح الأطراف الدولية في عزل البحث العلمي عن الصراعات السياسية، أو يستمر التآكل التدريجي للتعاون، بما يحمله ذلك من مخاطر جسيمة على فهمنا لمستقبل كوكب الأرض.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading