توقف تيار محيطي حاسم يهدد بإطلاق كربون محبوس منذ آلاف السنين
توقف تيار المحيط الأطلسي يهدد بإطلاق كربون محبوس منذ آلاف السنين وزيادة احترار الأرض
كشفت دراسة جديدة أن توقفًا كاملًا لتيار محيطي حيوي في المحيط الأطلسي يمكن أن يؤدي إلى تغيرات بعيدة المدى في المحيط الجنوبي، تدفع مياهًا عميقة غنية بالكربون إلى سطح المحيط قبالة القارة القطبية الجنوبية، ما قد يؤدي إلى إطلاق جزء من هذا الكربون إلى الغلاف الجوي وزيادة احترار الأرض.
وبحسب الدراسة، فإن توقف دوران الانقلاب الزوالي الأطلسي (AMOC) يمكن أن يؤدي، في السيناريو النموذجي الذي اختبره الباحثون، إلى إضافة نحو 0.2 درجة مئوية إلى متوسط الاحترار العالمي.
وتناولت الدراسة، التي قادها دا نيان وفريقه في معهد بوتسدام لأبحاث تأثير المناخ (PIK)، سيناريو افتراضيًا لانهيار كامل للدوران المحيطي، ونُشرت في مجلة Communications Earth & Environment.

ما هو تيار AMOC ولماذا يمثل نقطة تحول مناخية مهمة؟
يُعد دوران الانقلاب الزوالي الأطلسي أحد الأنظمة الرئيسية التي تنقل الحرارة في المحيطات.
فهو يدفع المياه السطحية الدافئة والمالحة من المناطق المدارية باتجاه شمال الأطلسي، حيث تبرد المياه قرب جرينلاند وتصبح أكثر كثافة، فتهبط إلى الأعماق وتتحرك جنوبًا على طول قاع المحيط.
ويلعب هذا الدوران دورًا مهمًا في توزيع الحرارة على كوكب الأرض، كما يساهم في جعل فصول الشتاء في أجزاء من غرب أوروبا أكثر اعتدالًا مقارنة بمناطق أخرى تقع على خطوط العرض نفسها، مثل أجزاء من كندا.
وتشير بعض إعادة بناء البيانات المناخية السابقة إلى أن الدورة بلغت أحد أضعف مستوياتها خلال نحو ألف عام، لكن القياسات المباشرة للدوران لا تمتد إلا إلى عام 2004، ما يجعل تحديد الاتجاه طويل المدى للتيار أكثر تعقيدًا.
ويعود مفهوم إمكانية وصول AMOC إلى نقطة تحول أو انهيار إلى عام 1961، عندما استخدم عالم المحيطات هنري ستومل نموذجًا مبسطًا للأطلسي لإظهار إمكانية وجود الدورة في حالتين مستقرتين.
ماذا يحدث إذا توقف التيار؟
ركزت دراسات عديدة سابقة على تأثير انهيار AMOC في ظروف مناخية قريبة من عصر ما قبل الصناعة، لكن فريق نيان أراد معرفة ما يمكن أن يحدث لدورة الكربون إذا وقع الانهيار في عالم أكثر دفئًا بالفعل.
ولهذا الغرض، استخدم الباحثون نموذج CLIMBER-X، وهو نموذج سريع لنظام الأرض طوّره معهد بوتسدام لأبحاث تأثير المناخ.
ويضم النموذج تمثيلًا ثلاثي الأبعاد للمحيطات، والجليد البحري، والكيمياء الحيوية للمحيطات، إضافة إلى الغطاء النباتي على اليابسة وقدرته على تخزين الكربون وإطلاقه.
وتسمح سرعة النموذج بمحاكاة فترات زمنية تمتد إلى آلاف السنين، وهو أمر يصعب تنفيذه باستخدام النماذج المناخية الأكثر تفصيلًا.

وأجرى الفريق تجارب امتدت إلى 17 ألف عام، بدأت كل منها بفترة استقرار للنظام المناخي استمرت 10 آلاف عام، مع تثبيت تركيز ثاني أكسيد الكربون عند مستويات تراوحت بين 280 جزءًا في المليون، وهو مستوى قريب من عصر ما قبل الصناعة، و600 جزء في المليون.
بعد ذلك، أضاف الباحثون كميات من المياه العذبة إلى شمال الأطلسي بين خطي عرض 50 و70 درجة شمالًا لمدة ألف عام، لمحاكاة الظروف التي يمكن أن تضعف الدورة المحيطية.
واستخدمت التجارب معدلات بلغت 0.1 أو 0.2 سفيردروب، علمًا بأن السفيردروب يعادل مليون متر مكعب من المياه في الثانية.
ثم ترك الباحثون النموذج يعمل لمدة 5 آلاف سنة إضافية بعد توقف إضافة المياه العذبة، لمعرفة ما إذا كانت الدورة ستتعافى.
عند مستويات كربون أعلى.. قد لا يعود التيار
أظهرت التجارب أن AMOC انهار عند مستوى 280 جزءًا في المليون، لكنه استعاد نشاطه بعد انتهاء المؤثر الذي أدى إلى انهياره.
لكن عند مستويات بلغت 350 جزءًا في المليون أو أكثر، لم يستعد التيار نشاطه في التجارب.
ويحمل الغلاف الجوي حاليًا نحو 430 جزءًا في المليون من ثاني أكسيد الكربون.
وقال الباحث الرئيسي دا نيان إن النموذج أظهر أنه بعد توقف الدورة، فإنها لا تتعافى على المدى الطويل في السيناريوهات التي اختبرها الفريق.
وفي المقابل، أظهر النموذج أن ارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكربون يمكن أن يقوي الدورة في حالة التوازن ويجعل كسرها أكثر صعوبة.
وعند تركيزات بلغت 550 و600 جزء في المليون، لم تكن دفعة المياه العذبة البالغة 0.1 سفيردروب كافية لإحداث الانهيار، ولذلك استخدم الباحثون 0.2 سفيردروب في التحليل الرئيسي.
المفاجأة: انهيار التيار قد يطلق كربونًا من أعماق المحيط
تكمن إحدى أهم نتائج الدراسة في تأثير انهيار AMOC على دورة الكربون.
فعندما ثبت الباحثون ثاني أكسيد الكربون ولم يسمحوا لدورة الكربون بالتفاعل، أدى انهيار التيار إلى تبريد عالمي يتراوح بين 0.2 و0.3 درجة مئوية.
ويرجع ذلك إلى وصول كمية أقل من الحرارة إلى شمال الأطلسي، واتساع مساحة الجليد البحري، وزيادة انعكاس أشعة الشمس إلى الفضاء.
لكن الصورة تغيرت عندما سمح الباحثون لدورة الكربون بالعمل.
فقد أدى توقف AMOC إلى تعميق الطبقة المختلطة من مياه المحيط بين خطي عرض 70 و80 درجة جنوبًا، بالتزامن مع توقف حركة الهبوط في الأطلسي.
وأدى ذلك إلى اضطراب المياه العميقة التي ظلت معزولة عن السطح لقرون، ودفع مياه غنية بالكربون إلى أعلى المحيط الجنوبي.
وقال الباحث المشارك في الدراسة ماتيو فيليت إن زيادة الخلط في المحيط تؤدي إلى جلب المياه العميقة الغنية بالكربون إلى السطح.
وعندما تصل هذه المياه إلى السطح، يمكن أن ينتقل جزء من الكربون الذي كانت تخزنه أعماق المحيط إلى الغلاف الجوي.

النباتات والتربة تمتص جزءًا من الكربون
لم ينتقل كل الكربون المنطلق من المحيط إلى الغلاف الجوي.
فالنباتات والتربة على اليابسة امتصت جزءًا منه، وهو ما خفف من التأثير على درجات الحرارة.
وأظهرت التجارب أن الاحترار الإضافي تراوح بين 0.41 و0.51 درجة مئوية في حال عدم وجود قدرة لليابسة على امتصاص الكربون.
أما عندما أُخذ امتصاص النباتات والتربة للكربون في الاعتبار، فتراجع الاحترار الإضافي إلى ما بين 0.17 و0.27 درجة مئوية.
ولهذا جرى تقريب النتيجة في البيان الصحفي للدراسة إلى نحو 0.2 درجة مئوية.
كما أظهرت النتائج أن كمية الكربون المنبعثة تختلف بحسب الحالة المناخية التي يبدأ منها السيناريو، إذ يمكن للمحيط الأكثر دفئًا أن يحتوي على كميات أكبر من الكربون.
القطب الشمالي يبرد وأنتاركتيكا تسخن
يخفي المتوسط العالمي تغيرات أكثر حدة في بعض المناطق.
ففي جميع التجارب، انخفضت درجات الحرارة في منطقة القطب الشمالي الواقعة بين خطي عرض 60 و90 درجة شمالًا بنحو 7 درجات مئوية بعد انهيار AMOC.
وفي المقابل، ارتفعت درجات الحرارة في منطقة القارة القطبية الجنوبية بين خطي عرض 60 و90 درجة جنوبًا بنحو 6 درجات مئوية.
ويرتبط جزء من هذا الاحترار بتغير حركة المياه العميقة وتزايد الحمل الحراري في المحيط الجنوبي، وهو ما ساهم أيضًا في بقاء مناطق واسعة من المحيط خالية من الجليد البحري.
وفي تجربة بدأت عند تركيز 450 جزءًا في المليون من ثاني أكسيد الكربون، بما يعادل نحو 2.1 درجة مئوية من الاحترار الأساسي مقارنة بعصر ما قبل الصناعة، أدى انهيار AMOC إلى وصول بعض المناطق جنوب خط عرض 60 درجة جنوبًا إلى أكثر من 10 درجات مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة.
سجل المناخ القديم يقدم دليلًا مشابهًا
يرى الباحثون أن هناك سابقة مناخية جزئية لهذا النمط في سجل المناخ القديم.
فخلال أحداث هاينريش في العصر الجليدي الأخير، أدت عمليات تفريغ هائلة للجبال الجليدية القادمة من أمريكا الشمالية إلى اضطراب دوران المحيط الأطلسي.
وبعد ذلك، ارتفعت درجات الحرارة في القارة القطبية الجنوبية وتركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي بفارق زمني امتد إلى عدة قرون.
ويقول الباحثون إن النموذج تمكن من إعادة إنتاج هذا النمط، ويرون أن الآلية نفسها يمكن أن تظهر في سيناريوهات المناخ الأكثر دفئًا التي اختبروها.
وقال يوهان روكستروم، مدير معهد بوتسدام وأحد المشاركين في الدراسة، إن المحيط كان أحد أهم الحلفاء في مواجهة تغير المناخ، بعدما امتص نحو ربع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن الأنشطة البشرية.

هل يعني ذلك أن انهيار AMOC وشيك؟
لا، وهذه نقطة مهمة في قراءة نتائج الدراسة، فالبحث لا يتنبأ بموعد انهيار AMOC، ولا يؤكد أن انهياره سيحدث بالفعل.
الدراسة تحاول الإجابة عن سؤال مختلف: ماذا يمكن أن يحدث لدورة الكربون والمناخ إذا انهار التيار بالفعل؟
كما أن النموذج المستخدم لا يتضمن الصفائح الجليدية، وبالتالي لا يحاكي ذوبان الجليد في القارة القطبية الجنوبية وتأثير المياه الذائبة في المحيط الجنوبي.
وتعد هذه إحدى أهم الفجوات التي أشار إليها الباحثون، خصوصًا في ضوء دراسات أخرى تشير إلى أن ذوبان الجليد في غرب أنتاركتيكا يمكن أن يؤثر في قدرة AMOC على مقاومة الاضطرابات.
كذلك، تفترض التجارب مناخًا مستقرًا نسبيًا مع تثبيت تركيز ثاني أكسيد الكربون في كل تجربة، بينما يستمر تركيز الغازات الدفيئة في العالم الحقيقي في التغير مع الزمن.
العلماء يختلفون حول قابلية انهيار AMOC
ولا يوجد إجماع علمي على أن AMOC سيتوقف حتمًا.
فقد خلص فريق من جامعة ولاية أوريغون في دراسة أخرى إلى أن ارتفاع درجات الحرارة قد يجعل الدورة أكثر استقرارًا في بعض الظروف، وأن الانهيار الكامل قد لا يحدث.
كما خلص باحثون في جامعة أوتريخت إلى أن معدل ارتفاع درجات الحرارة قد يكون مهمًا بقدر أهمية مستوى الحرارة النهائي في تحديد استقرار الدورة.
وتوصلت دراسة قادها باحثون من هاواي إلى أن تباطؤ الدورة قد يرتبط بتغيرات في الملوحة تتجاوز ما ظهر في سجل الرصد الحديث.
وبالتالي، فإن دراسة معهد بوتسدام لا تجيب عن سؤال متى سينهار AMOC أو ما إذا كان سينهار أصلًا، وإنما تستكشف تداعيات محتملة على دورة الكربون والمناخ في حالة حدوث الانهيار.
والرسالة الأهم التي تطرحها الدراسة هي أن تأثير اضطراب نظام محيطي ضخم قد لا يبقى محصورًا في المنطقة التي يحدث فيها، بل يمكن أن تنتقل آثاره عبر المحيطات وتعيد تشكيل حركة الكربون والحرارة على مستوى الكوكب.





