تلوث الأوزون يصل إلى مستويات خطرة عالميًا.. والقاهرة ضمن المدن الأعلى تلوثًا في أفريقيا
الأوزون الأرضي يهدد مليارات البشر في 2026.. 40% من سكان العالم يتعرضون لأعلى فئاته
خطر خفي في الهواء.. الأوزون الأرضي يضر الرئتين ويهدد صحة مليارات البشر
تقرير «كوبرنيكوس» يكشف تعرض نحو 40% من سكان العالم لمستويات شديدة الارتفاع من الأوزون الضار.. وآسيا الأكثر تضررًا مع تفاقم موجات الحر وحرائق الغابات
لم يعد تلوث الهواء مقتصرًا على الدخان والجسيمات الدقيقة التي يمكن رؤيتها أو الشعور بآثارها، فهناك ملوث خفي يتشكل في الهواء بفعل الحرارة وأشعة الشمس، ويهدد صحة مليارات البشر حول العالم، هو الأوزون الأرضي، الذي تختلف آثاره تمامًا عن الأوزون الموجود في طبقات الجو العليا، والمسؤول عن حماية الأرض من الأشعة فوق البنفسجية.
وكشف تحليل عالمي جديد صادر عن خدمة «كوبرنيكوس» لمراقبة الغلاف الجوي، التابعة للمركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى، أن نحو 40% من سكان العالم تعرضوا خلال عام 2026 لمستويات مرتفعة للغاية من الأوزون القريب من سطح الأرض، بينما لم تتجاوز نسبة السكان الذين تعرضوا لمستويات مصنفة على أنها «جيدة» 5% فقط.
وأظهر التقرير أن آسيا كانت المنطقة الأكثر تضررًا، إذ تعرض نحو 60% من سكانها لمستويات شديدة الارتفاع من الأوزون، فيما واجه نحو 90% من سكان القارة مستويات سيئة أو أسوأ من جودة الهواء المرتبطة بهذا الملوث.
ولم تقتصر المناطق الأكثر تعرضًا على آسيا، إذ رصد التقرير مدنًا سجلت بعض أعلى مستويات التعرض على مستوى قاراتها، من بينها دلهي في آسيا، والقاهرة في أفريقيا، وميلانو في أوروبا، ومكسيكو سيتي في أمريكا الشمالية، وريو دي جانيرو في أمريكا الجنوبية.

تلوث الهواء يظل أزمة عالمية
جاءت النتائج ضمن تقرير «Atmosphere Watch 2026»، الذي أصدرته خدمة «كوبرنيكوس» لمراقبة الغلاف الجوي في 30 سبتمبر 2026، ويتناول تأثير الأوزون الأرضي ودخان حرائق الغابات والغبار الصحراوي في جودة الهواء وصحة الإنسان والأنظمة البيئية.
وتتبع خدمة «كوبرنيكوس» المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى، وتعمل نيابة عن المفوضية الأوروبية، وتستخدم بيانات الأقمار الصناعية ومحطات الرصد الأرضية إلى جانب النماذج الحاسوبية لمتابعة مكونات الغلاف الجوي وتحليل انتقال الملوثات بين الدول والقارات.
وقال لورانس رويل، مدير الخدمة، في تصريحات نقلها التقرير، إن أكثر ما لفت الانتباه عند تجميع البيانات اليومية الضخمة هو استمرار تعرض أكثر من نصف سكان العالم لمستويات غير صحية من تلوث الهواء، رغم اختلاف مصادر التلوث وتوزيعها الجغرافي.
ويركز التقرير على الفترة من الأول من يناير حتى 15 سبتمبر 2026، ولذلك تعكس نتائجه صورة التعرض خلال الجزء الأكبر من العام، وليس حصيلة نهائية لكل أيام 2026.

كيف يتشكل الأوزون الضار قرب سطح الأرض؟
على عكس بعض ملوثات الهواء الأخرى، لا ينبعث الأوزون الأرضي مباشرة من عوادم السيارات أو مداخن المصانع، بل يتكون نتيجة تفاعلات كيميائية تحدث في الغلاف الجوي عندما تتفاعل أكاسيد النيتروجين والمركبات العضوية المتطايرة في وجود أشعة الشمس.
وتنتج أكاسيد النيتروجين بصورة أساسية عن احتراق الوقود في وسائل النقل والمنشآت الصناعية ومحطات الطاقة، بينما تأتي المركبات العضوية المتطايرة من مصادر متعددة، تشمل الأنشطة الصناعية ومذيبات الاستخدام المنزلي وبعض الانبعاثات الطبيعية الصادرة عن النباتات، فضلًا عن حرائق الغابات.
وتؤدي درجات الحرارة المرتفعة وشدة الإشعاع الشمسي إلى تسريع هذه التفاعلات الكيميائية، ما يجعل فصل الصيف وموجات الحر من الفترات الأكثر ملاءمة لتراكم الأوزون الأرضي، خصوصًا عندما تكون الرياح ضعيفة والظروف الجوية مستقرة.
وتكمن خطورة هذا الملوث في قدرته على الانتقال لمسافات طويلة؛ إذ يمكن أن يبقى في طبقات الجو القريبة من سطح الأرض عدة أيام، بينما يستمر وجوده لفترات أطول في المستويات الأعلى من الغلاف الجوي، ما يسمح بانتقاله عبر الحدود والدول والمحيطات.
وأشار التقرير إلى أن انتقال الأوزون من مناطق بعيدة قد يضيف إلى التلوث الناتج عن المصادر المحلية، وهو ما ظهر خلال موجة الحر التي شهدتها مدينة بيرجامو الإيطالية في 28 يوليو، عندما كان للأوزون القادم من مناطق أخرى في نصف الكرة الشمالي تأثير يعادل تأثير المصادر البشرية مجتمعة داخل أوروبا، وفق تقديرات «كوبرنيكوس».

معيار منظمة الصحة العالمية لقياس التعرض
اعتمد تحليل «كوبرنيكوس» على قياس متوسط أعلى تركيز يومي للأوزون خلال فترة ثماني ساعات، ثم حساب متوسط التعرض خلال الأشهر الستة المتتالية التي تسجل أعلى مستويات التركيز خلال العام، وهو مقياس يُستخدم لتقييم التعرض طويل الأجل خلال موسم ذروة الأوزون.
وتوصي إرشادات منظمة الصحة العالمية لعام 2021 بألا يتجاوز متوسط تركيز الأوزون خلال موسم الذروة 60 ميكروجرامًا لكل متر مكعب، كما تحدد مستوى إرشاديًا للتعرض قصير الأجل يبلغ 100 ميكروجرام لكل متر مكعب لمتوسط التركيز اليومي الأقصى خلال ثماني ساعات.
ويستخدم تقرير «كوبرنيكوس» تصنيفات خاصة لجودة الهواء، ويضع التركيزات التي تتجاوز 110 ميكروجرامات لكل متر مكعب ضمن فئة التلوث «السيئ للغاية». ومن المهم التمييز بين هذا التصنيف وبين إرشادات منظمة الصحة العالمية؛ فلكل منهما طريقة عرض ومستوى مرجعي مختلف.

آسيا الأكثر تعرضًا.. والقاهرة ضمن المدن الأعلى تلوثًا
أظهرت بيانات التقرير أن آسيا كانت القارة الأكثر تعرضًا للأوزون الأرضي خلال 2026، إذ واجه نحو 60% من سكانها مستويات شديدة الارتفاع، بينما تعرض نحو 90% لمستويات سيئة أو شديدة السوء.
وترتبط هذه المستويات بكثافة السكان والأنشطة الصناعية وحركة النقل، إلى جانب الانبعاثات التي تمثل المواد الأولية اللازمة لتكوين الأوزون، فضلًا عن ارتفاع درجات الحرارة والظروف الجوية التي تساعد على تراكمه.
وجاءت القاهرة ضمن المدن التي سجلت بعض أعلى مستويات التعرض للأوزون على مستوى قارة أفريقيا، وهو مؤشر يستدعي الاهتمام بمراقبة هذا الملوث، وعدم قصر تقييم جودة الهواء على الجسيمات العالقة وحدها.
وفي أوروبا، ورغم التراجع المستمر في انبعاثات عدد من ملوثات الهواء بفضل التشريعات البيئية والتطور التكنولوجي وتحسين الممارسات الصناعية، ظل الأوزون من أبرز التحديات التي لم تحقق القارة تقدمًا مماثلًا في السيطرة عليها.
وأوضح التقرير أن نحو نصف سكان أوروبا تعرضوا لمستويات سيئة أو سيئة للغاية أو شديدة السوء من الأوزون خلال الفترة التي شملها التحليل، مع مساهمة موجات الحر المتكررة خلال الصيف في زيادة تركيزاته.
أما في أمريكا الشمالية، فقد تعرض أكثر من ثلثي السكان لمستويات سيئة من الأوزون أو أسوأ، خصوصًا في المناطق الحضرية الكبرى وعلى السواحل الشرقية والغربية للولايات المتحدة.
وأشار التقرير إلى أن مستويات الأوزون في أمريكا الشمالية ظلت مرتفعة نسبيًا رغم عقود من خفض الانبعاثات، نتيجة مجموعة من العوامل، بينها انتقال الأوزون من مناطق أخرى، وتأثيرات تغير المناخ، والانبعاثات المرتبطة بحرائق الغابات.
وفي المقابل، سجلت أوقيانوسيا أقل مستويات التعرض، إذ تمتع سكانها بمستويات جيدة أو مقبولة، كما تمتع نحو 81% من سكان أمريكا الجنوبية و56% من سكان أفريقيا بمستويات جيدة أو مقبولة من الأوزون.

حرائق الغابات تنقل التلوث عبر الحدود
لم تقتصر أزمة جودة الهواء خلال 2026 على الأوزون، بل ساهمت حرائق الغابات وموجات الدخان والغبار الصحراوي في زيادة الضغوط البيئية والصحية، مع انتقال الملوثات لمسافات بعيدة عن مواقع اشتعال الحرائق.
وفي فرنسا، اندلعت حرائق في منطقتي جيروند ولاند خلال يوليو، وأتت على مساحة قاربت 50 ألف هكتار، ما أدى إلى إجلاء نحو 40 ألف شخص، بينما امتد الدخان إلى مناطق بعيدة وأثر في جودة الهواء.
وشهدت إسبانيا حرائق واسعة بالقرب من أفيلا ومدريد، طالت مساحات مماثلة تقريبًا، وتسببت في إجلاء نحو 56 ألف شخص.
وفي أغسطس، اندلع حريق في منطقة «هاي فينز» ببلجيكا، ووصف بأنه الأكبر في البلاد منذ قرن، وانتقل الدخان الناتج عنه عبر ألمانيا وصولًا إلى بولندا.
كما امتد دخان حرائق الغابات في الأقاليم الشمالية الغربية وأونتاريو بكندا خلال يوليو إلى مناطق في شمال الولايات المتحدة، ما دفع مدنًا من شيكاغو إلى فيلادلفيا إلى إصدار تحذيرات بشأن جودة الهواء.
وفي إندونيسيا، ساهمت حرائق الأراضي الخثية في جزيرة بورنيو في ارتفاع مستويات الجسيمات الدقيقة إلى عدة مئات من الميكروجرامات لكل متر مكعب، بالتزامن مع تطور ظروف مناخية مرتبطة بظاهرة النينيو.
وعلى جانب آخر، انتقلت سحب الغبار الصحراوي من الصحراء الكبرى عبر المحيط الأطلسي باتجاه منطقة الكاريبي، بينما سجلت جزر الكناري أعلى مستويات التنبيه المرتبطة بالغبار بين المدن الأوروبية التي رصدها التقرير.
وتوضح هذه الأحداث أن تلوث الهواء لم يعد مشكلة محلية تقتصر على المدن أو الدول التي تنتج الانبعاثات، بل أصبح ظاهرة عابرة للحدود تتأثر بالطقس والمناخ والحرائق ومصادر الانبعاثات الطبيعية والبشرية.

كيف تحمي نفسك في الأيام التي يرتفع فيها الأوزون؟
توصي منظمة الصحة العالمية باتخاذ احتياطات إضافية خلال فترات ارتفاع تركيز الأوزون، خصوصًا في الأيام الحارة والمشمسة، عندما تزداد فرص تكونه وتراكمه قرب سطح الأرض.
ونقل التقرير عن لورانس رويل أن من أهم الإجراءات التي توصي بها المنظمة تقليل ممارسة الأنشطة البدنية الشاقة أو الممتدة في الهواء الطلق، خاصة خلال ساعات بعد الظهر، وهي الفترة التي قد تشهد ارتفاعًا في مستويات الأوزون.
وتشمل الفئات التي تحتاج إلى احتياطات إضافية الأطفال وكبار السن والأشخاص الذين يعانون أمراضًا تنفسية أو أمراضًا في القلب والأوعية الدموية.
ومن الإجراءات المهمة متابعة نشرات توقعات جودة الهواء، وتأجيل التمارين الرياضية والأنشطة الخارجية المجهدة إلى الفترات التي تكون فيها مستويات التلوث أقل، والالتزام بالإرشادات الصحية المحلية خلال نوبات التلوث.
وأكد مدير خدمة «كوبرنيكوس» أن الحلول الأساسية للحد من تلوث الهواء معروفة، وأن التجربة الأوروبية أظهرت أن التشريعات وخفض الانبعاثات وتحسين الممارسات الصناعية ووسائل النقل يمكن أن تحقق تقدمًا ملموسًا، لكن الأوزون يظل تحديًا معقدًا بسبب ارتباط تكوينه بدرجات الحرارة وأشعة الشمس وانتقال الملوثات عبر مسافات بعيدة.

كيف رصد التقرير مستويات التلوث؟
لم تعتمد نتائج «كوبرنيكوس» على وجود محطة قياس مباشرة أمام كل منزل أو في كل منطقة، بل استندت إلى تقديرات نماذج علمية تجمع بين بيانات الأقمار الصناعية وقياسات محطات الرصد الأرضية، إلى جانب نماذج تتبع حركة وتركيب أكثر من 50 مادة كيميائية في الغلاف الجوي.
وجرى ربط هذه البيانات بخرائط توزيع السكان لتقدير عدد الأشخاص المعرضين لمستويات التلوث المختلفة في المناطق الجغرافية حول العالم.
وتساعد هذه المنهجية على توفير صورة أوسع للمناطق التي تفتقر إلى محطات رصد كافية، لكنها تظل تقديرات نمذجة وليست قياسات مباشرة في كل موقع سكني، وهو فارق مهم عند تفسير النتائج.
كما أن التقرير لا يقدم حصيلة للوفيات التي تسبب فيها الأوزون خلال عام 2026، لكنه يضع هذه النتائج في سياق أزمة تلوث الهواء العالمية؛ إذ تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن تلوث الهواء الخارجي يتسبب في أكثر من 4 ملايين وفاة مبكرة سنويًا.
ولا تزال بعض الأسئلة العلمية مفتوحة، من بينها حجم مساهمة حرائق الغابات الأوروبية في زيادة مستويات الأوزون خلال الصيف، وهو موضوع تقول خدمة «كوبرنيكوس» إنها تواصل دراسته.
ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتزايد مخاطر الحرائق في عدد من المناطق، تبرز الحاجة إلى تطوير شبكات رصد الأوزون الأرضي، وتحسين أنظمة الإنذار المبكر، وخفض انبعاثات أكاسيد النيتروجين والمركبات العضوية المتطايرة، باعتبارها خطوات أساسية لحماية صحة الإنسان وتحسين جودة الهواء.





