أخبارالمدن الذكيةالاقتصاد الأخضر

4.3 تريليون دولار سنويًا.. ما الذي يمنع المدن من الحصول على التمويل المناخي؟

فجوة تمويلية بـ4.3 تريليون دولار سنويًا.. كيف تستطيع المدن توسيع حلول مواجهة تغير المناخ؟

تمثل المدن إحدى أكثر ساحات العمل المناخي كفاءة من حيث التكلفة والعائد، إذ توفر حلولًا مثبتة لمواجهة تغير المناخ، بداية من ممرات التشجير والمساحات الخضراء التي تخفض درجات الحرارة، وصولًا إلى النقل الكهربائي والمباني الموفرة للطاقة والبنية التحتية القادرة على مواجهة الفيضانات.

لكن على الرغم من الجدوى الاقتصادية والبيئية لهذه المشروعات، لا تزال المدن تواجه فجوة ضخمة في التمويل المناخي، تُقدر بنحو 4.3 تريليون دولار سنويًا لتمويل جهود خفض الانبعاثات حتى عام 2030، في حين لم يتجاوز متوسط التمويل المناخي الحضري نحو 831 مليار دولار سنويًا خلال عامي 2021 و2022.

ويرى مارفن ريس، عمدة مدينة بريستول البريطانية، وروبرت موجا، مؤسس معهد إيجارابيه، في تحليل نشره المنتدى الاقتصادي العالمي في 21 أكتوبر 2026، أن المشكلة لا تتعلق فقط بنقص الأموال، وإنما أيضًا بعدم قدرة كثير من المدن على تحويل القيمة الاقتصادية التي تحققها استثماراتها المناخية إلى عوائد مالية مباشرة يمكن استخدامها لسداد التمويل وجذب المستثمرين.

ممرات خضراء تخفض درجات الحرارة وتقلل الأمراض التنفسية

تقدم مدينة ميديلين الكولومبية نموذجًا عمليًا على العوائد المتعددة للاستثمار في الحلول القائمة على الطبيعة، إذ بدأت عام 2016 زراعة الأشجار والشجيرات على امتداد 30 ممرًا أخضر بمحاذاة الطرق ومجاري المياه السابقة.

وبلغت تكلفة إنشاء هذه الشبكة نحو 16 مليون دولار، بما يعادل 6.50 دولار للفرد، بينما وصلت تكلفة صيانتها السنوية إلى نحو 625 ألف دولار.

وبحلول عام 2019، انخفض متوسط درجات حرارة الهواء في المواقع التي شهدت زراعة الأشجار من 31.6 درجة مئوية إلى 27.1 درجة، كما تراجعت درجات حرارة الأسطح من 40.5 درجة إلى 30.2 درجة مئوية.

ولم تقتصر النتائج على خفض الحرارة، إذ تراجعت معدلات الإصابة الحادة بالعدوى التنفسية من 160 إلى 95 حالة لكل ألف نسمة، بما يعكس التأثيرات الصحية الإيجابية للتوسع في المساحات الخضراء داخل المدن.

وتوضح هذه التجربة أن الاستثمارات المناخية الحضرية يمكن أن تحقق مكاسب بيئية وصحية واقتصادية متعددة، بتكاليف أقل نسبيًا مقارنة بحجم المنافع الناتجة عنها.

تستطيع المدن توسيع حلول مواجهة تغير المناخ

المدن.. مركز رئيسي للنشاط الاقتصادي والانبعاثات

تكتسب المدن أهمية متزايدة في مواجهة تغير المناخ، رغم أنها تشغل نحو 3% فقط من مساحة اليابسة، إذ يعيش بها أكثر من نصف سكان العالم، ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى 70% بحلول عام 2050.

وتنتج المدن أكثر من 80% من الناتج الاقتصادي العالمي، كما تسهم بأكثر من 70% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

ومن بين أكثر من 12 ألف مدينة يزيد عدد سكان كل منها على 50 ألف نسمة، يقل عدد سكان 96% منها عن مليون نسمة، وهو ما يجعل غالبية المدن في حاجة إلى آليات تمويل مرنة تتناسب مع أحجام مشروعاتها وقدراتها المالية، خصوصًا أن كثيرًا منها يواجه صعوبة في جذب الاستثمارات المؤسسية الكبرى.

وتشير تقديرات تحالف التحولات الحضرية إلى أن التدابير المناخية في المدن يمكن أن تسهم في خفض الانبعاثات بنسبة تصل إلى 90% بحلول عام 2050، مع تحقيق قيمة اقتصادية صافية حالية تقترب من 24 تريليون دولار.

ووفق هذه التقديرات، يمكن لاستثمارات سنوية بقيمة 1.8 تريليون دولار أن تحقق عوائد سنوية تبلغ 2.8 تريليون دولار بحلول عام 2030.

كما يمكن لبعض الاستثمارات، مثل تحسين كفاءة الإضاءة والتحول إلى وسائل النقل الكهربائية، أن تسترد تكلفتها خلال خمس سنوات، في حين تحقق مشروعات التنمية العمرانية الأكثر كثافة وأنظمة التدفئة والتبريد عالية الكفاءة وفورات على مدى فترات أطول.

ولا تقتصر الجدوى الاقتصادية على خفض الانبعاثات، إذ تحقق مشروعات التكيف مع تغير المناخ عوائد مهمة أيضًا؛ حيث تقدر اللجنة العالمية للتكيف أن نسبة المنافع إلى التكاليف تتراوح بين ضعفين وعشرة أضعاف.

ووجدت دراسة للبنك الدولي، أن جعل البنية التحتية أكثر قدرة على تحمل آثار تغير المناخ لا يزيد تكلفتها سوى بنحو 3%، لكنه يحقق منافع تصل إلى 4 دولارات مقابل كل دولار إضافي يتم استثماره.

كوبنهاجن وفريتاون.. نماذج ناجحة للاستثمار المناخي

تقدم مدينة كوبنهاجن الدنماركية نموذجًا للاستثمار في البنية التحتية الخضراء للحد من مخاطر الفيضانات، بعدما تسببت أمطار غزيرة عام 2011 في أضرار تجاوزت 910 ملايين دولار.

وعلى إثر ذلك، طورت المدينة برنامجًا يضم 300 مشروع للبنية التحتية الخضراء وأنظمة تصريف المياه، وكان من المتوقع أن يحقق منافع صافية بقيمة 5 مليارات كرونة دنماركية، أي ما يعادل نحو 767 مليون دولار.

كما تفوقت الخطة على خيار التوسع التقليدي في شبكات الصرف الصحي بفارق يصل إلى 9 مليارات كرونة دنماركية من حيث المنافع الاقتصادية.

وفي سيراليون، أطلقت مدينة فريتاون برنامجًا للتوسع في زراعة الأشجار منذ عام 2018، نجح في زراعة أكثر من مليون شجرة.

ويعتمد البرنامج على نموذج رقمي لمتابعة نمو الأشجار ومكافأة السكان مقابل الحفاظ عليها، بما يضمن استمرارها ويعزز مشاركة المجتمعات المحلية.

ويوجه البرنامج 80% من موارده إلى المجتمعات المحلية، كما أسهم في توفير أكثر من ألف فرصة عمل، ليقدم نموذجًا يجمع بين التكيف المناخي والتنمية الاقتصادية المحلية.

ورغم انتشار آلاف المبادرات المناخية في المدن حول العالم، لا تزال التدفقات المالية أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية.

صناديق الاستثمار المناخي العالمية

فجوة تمويل المناخ تتجاوز 4.3 تريليون دولار سنويًا

تحتاج المدن إلى تمويل يقدر بنحو 4.3 تريليون دولار سنويًا لمشروعات خفض الانبعاثات حتى عام 2030، ومن المتوقع أن ترتفع الاحتياجات إلى أكثر من 6 تريليونات دولار سنويًا بعد ذلك.

لكن متوسط التمويل المناخي الحضري الفعلي لم يتجاوز نحو 831 مليار دولار سنويًا خلال عامي 2021 و2022، أي أقل من خُمس الاحتياجات المقدرة.

وتبدو الفجوة أكثر اتساعًا في مشروعات التكيف مع تغير المناخ، إذ لم يتجاوز التمويل الموجه إليها نحو 10 مليارات دولار سنويًا، من بينها 6 مليارات دولار للاقتصادات الناشئة والنامية، مقابل احتياجات سنوية تقدر بنحو 147 مليار دولار.

وعلى نطاق التمويل المناخي الحضري، لم تتجاوز التدفقات الدولية من الاقتصادات المتقدمة إلى الاقتصادات النامية نحو 12 مليار دولار، أي أقل من 2% من إجمالي التمويل العالمي.

4 عقبات تعطل وصول التمويل المناخي إلى المدن

على الرغم من امتلاك صناديق التقاعد وشركات التأمين والمؤسسات الاستثمارية الكبرى موارد مالية ضخمة طويلة الأجل، لا تزال أربعة عوائق رئيسية تحول دون توجيه جانب أكبر من هذه الأموال إلى المشروعات المناخية الحضرية.

أولًا: محدودية حجم المشروعات

تواجه مشروعات مثل تطوير المدارس وتحسين كفاءة الطاقة في المباني وإنشاء مستودعات الحافلات صعوبة في جذب المستثمرين المؤسسيين، بسبب صغر حجم الصفقات مقارنة بالحد الأدنى الذي تستهدفه هذه المؤسسات.

كما تفتقر كثير من المدن إلى جهات وسيطة قادرة على تجميع المشروعات الصغيرة في محافظ استثمارية أكبر وأكثر جاذبية.

ثانيًا: ضعف إعداد المشروعات

تصل بعض المقترحات الاستثمارية إلى الجهات الممولة قبل استكمال دراسات الجدوى، أو تحديد مصادر الإيرادات بصورة واضحة، أو توزيع المخاطر بين الأطراف المعنية، وهو ما يقلل فرص حصولها على التمويل.

ثالثًا: القيود التنظيمية والتشريعية

تتطلب عمليات الاقتراض البلدي في كثير من الدول موافقات من الحكومات المركزية، كما تحدد سقوف الديون وضعف الاستقلال المالي والضريبي قدرة المدن على توفير التمويل اللازم لمشروعاتها.

رابعًا: نقص القدرات الفنية والمالية

تحتاج أدوات التمويل المتقدمة، مثل السندات الخضراء، إلى خبرات مالية وقانونية وهندسية متخصصة، وهي قدرات لا تتوافر بالقدر الكافي لدى العديد من المدن الصغيرة.

عوائد طويلة الأجل تجعل البنية التحتية الحضرية جاذبة للمستثمرين

يمكن لمشروعات البنية التحتية الحضرية المصممة بصورة جيدة أن توفر تدفقات مالية مستقرة على المدى الطويل، وهو ما يجعلها مناسبة لاستثمارات صناديق التقاعد وشركات التأمين والمؤسسات الاستثمارية الكبرى.

وتشير بيانات عوائد الاستثمار في البنية التحتية غير المدرجة بالبورصة إلى تحقيق عوائد دخل سنوية تتراوح بين 4% و5% بعد خصم التكاليف، إلى جانب توفير فرص لتنويع المحافظ الاستثمارية.

كما تحقق المباني الخضراء مزايا اقتصادية في أسواق العقارات، إذ تشير بيانات شركة «جيه إل إل» إلى أن المكاتب الحاصلة على شهادات الاستدامة تسجل علاوات إيجارية تتراوح بين 7.1% و11.6%.

وتشير تقديرات مؤسسة «يو بي إس» إلى أن علاوات أسعار العقارات الخضراء تصل إلى 28% في نيويورك و19% في لندن.

وفي المقابل، أوصت المؤسسة بخفض تقديرات العوائد السنوية المتوقعة للمباني غير الموفرة للطاقة بنحو نقطة إلى 3 نقاط مئوية حتى عام 2030، لمراعاة تكاليف تحديثها وتحسين كفاءتها.

وتؤكد تجارب التمويل الفعلية قدرة المشروعات الحضرية الخضراء على جذب المستثمرين، إذ اجتذب أول إصدار للسندات الخضراء في كيب تاون بجنوب أفريقيا عروضًا بقيمة 4.3 مليار راند، مقابل إصدار بقيمة مليار راند فقط.

وفي مدينة بريستول البريطانية، تلقت مبادرة «سيتي ليب» أكثر من 180 طلب إبداء اهتمام، وتستهدف حشد استثمارات بقيمة مليار جنيه إسترليني في مشروعات الطاقة النظيفة، كما حصلت على جائزة دولية للشراكة بين القطاعين العام والخاص عام 2024.

أما العاصمة الكولومبية بوجوتا، فقد جمعت 600 مليون دولار من خلال أول إصدار دولي لسنداتها الخضراء، مع وصول الطلب إلى نحو 3.1 تريليون بيزو كولومبي، وجاء 93% من الطلبات من مستثمرين دوليين.

وشاركت مؤسسة التمويل الدولية وبنك التنمية لأمريكا اللاتينية والكاريبي كمستثمرين رئيسيين، لدعم مشروعات مترو الأنفاق والتلفريك وغيرها من مشروعات النقل النظيف.

الهيدروجين الأخضر يدخل سباق النقل الثقيل

كيف يمكن سد فجوة التمويل وتوسيع المشروعات المناخية؟

يتطلب توسيع نطاق التمويل المناخي الحضري تعاونًا بين الحكومات الوطنية وبنوك التنمية والمؤسسات المالية والمبتكرين في القطاع الخاص، مع التركيز على إزالة العقبات التي تحول دون تحويل المشروعات القائمة إلى فرص استثمارية قابلة للتمويل.

ومن بين المبادرات التي تستهدف دعم هذا التوجه صندوق فجوة تمويل المناخ الحضري، الذي يديره البنك الدولي وبنك الاستثمار الأوروبي، ووافق على تقديم الدعم لأكثر من 390 مدينة، ويستهدف المساهمة في حشد استثمارات مناخية حضرية بقيمة 4 مليارات يورو.

كما عملت منشأة تمويل المدن التابعة لمبادرة «سي 40» مع 30 مدينة على تطوير 38 مشروعًا، من المتوقع أن تسهم في حشد تمويل يصل إلى 1.25 مليار دولار.

ويرى الكاتبان أن الحكومات الوطنية يمكن أن تلعب دورًا أكبر من خلال منح المدن ذات الجدارة الائتمانية مرونة أوسع في الاقتراض، ومساعدتها على الاستفادة من الزيادة في قيمة الأراضي الناتجة عن الاستثمارات العامة في البنية التحتية.

كما تستطيع بنوك التنمية تقليل المخاطر أمام المستثمرين من خلال تقديم الضمانات وتوفير رأس المال المخصص لتحمل الخسائر الأولية، إلى جانب توحيد العقود والإجراءات لتقليل تكاليف المعاملات وتجميع المشروعات المتشابهة.

وتبرز أهمية الوساطة المالية والتكنولوجية أيضًا، إذ يمكن للمنصات الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن تساعد المدن على توحيد معايير المشروعات وربطها بالمستثمرين المهتمين بتمويل محافظ من الاستثمارات المناخية.

وفي هذا السياق، طور الكاتبان منصة «CivicNetZero» المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، بهدف مساعدة المدن على توحيد بيانات المشروعات وربطها بالمستثمرين، بما يقلل تكاليف المعاملات التي تحول دون تمويل مشروعات قابلة للتنفيذ.

لكن هذه الأدوات لا تستطيع معالجة ضعف الجدارة الائتمانية أو غياب الجدوى الاقتصادية للمشروعات، وإنما تساعد على تقليل العقبات الإجرائية وتسهيل وصول التمويل إلى الفرص الاستثمارية المتاحة.

وتخلص الرؤية إلى أن المدن، رغم كونها من أكبر مصادر الانبعاثات، تمثل في الوقت نفسه إحدى أهم الفرص لخفضها على نطاق واسع، وأن التحدي الأساسي لم يعد يقتصر على ابتكار حلول مناخية جديدة، بل يتمثل في تحويل الحلول المثبتة بالفعل إلى مشروعات استثمارية قابلة للتمويل والتوسع.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى