أخبارالمدن الذكية

كيف يمكن لعمود واحد أن يتسبب في انهيار مبنى كامل؟ طريقة هندسية جديدة لتعزيز السلامة

هل يمكن منع انهيار المبنى بعد فقدان أحد أعمدته؟ دراسة تقدم طريقة جديدة للتقييم

طوّر باحثون بقيادة جامعة سري البريطانية طريقة هندسية جديدة تساعد المهندسين على تقييم قدرة المباني الخرسانية على مقاومة الأضرار الإنشائية المفاجئة، بما قد يسهم في الحد من تحول فشل أحد الأعمدة الداعمة إلى انهيار متتابع يهدد المبنى بأكمله.

وتقدم الطريقة، التي تناولتها دراسة منشورة في دورية Structural Concrete، أسلوبًا مبسطًا لتقييم استجابة البلاطات الخرسانية المسلحة عند الفقدان المفاجئ لأحد الأعمدة التي تحملها، بما يساعد على تحديد متطلبات التسليح اللازمة لتعزيز قدرة المنشآت على تحمل الأضرار غير المتوقعة.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في المباني الحديثة، مثل مواقف السيارات متعددة الطوابق والمكاتب والمجمعات السكنية، التي تعتمد تصميماتها في كثير من الأحيان على بلاطات خرسانية ترتكز مباشرة على الأعمدة، بما يوفر مرونة في توزيع المساحات والاستفادة منها.

لكن هذا النوع من الإنشاءات قد يكون عرضة لما يعرف بـ«فشل القص الثاقب»، وهي حالة يتسبب فيها تركّز القوى حول العمود في اختراق البلاطة الخرسانية أو فشلها عند منطقة اتصالها به.

وعندما يفقد أحد الأعمدة قدرته على حمل الأحمال، تنتقل هذه الأحمال إلى الأعمدة والعناصر الإنشائية المجاورة، وقد يؤدي تجاوز قدرتها على التحمل إلى سلسلة من حالات الفشل تنتهي بانهيار أجزاء واسعة من المبنى أو المنشأة بأكملها، فيما يعرف بـ«الانهيار المتتابع».

انهيار مرآب في إسبانيا لاختبار المعادلات

استند الباحثون إلى انهيار مرآب سيارات في منطقة نويفا مونتانيا بمدينة سانتاندير الإسبانية عام 2020، بوصفه حالة واقعية لاختبار المعادلات الجديدة والتحقق من قدرتها على تفسير نمط الفشل الإنشائي الذي وقع في الموقع.

وجاءت الدراسة ثمرة تعاون بين جامعة سري وجامعة البوليتكنيك في مدريد وجامعة إكستريمادورا، إلى جانب شركة الهندسة المعمارية والتصميم «سكيدمور وأوينجز وميريل» (SOM).

وبالاستفادة من نماذج رياضية سابقة، طوّر الفريق مجموعة من المعادلات واختبرها بهدف تبسيط بعض الحسابات المعقدة التي كانت تتطلبها الطرق السابقة لتقييم استجابة المنشآت الخرسانية عند فقدان الأعمدة الداعمة.

وتتيح الطريقة للمهندسين تقدير مقدار التسليح الذي قد يلزم لمنع امتداد الفشل الإنشائي إلى أجزاء أخرى من المبنى.

كما تتوافق مع الجيل المقبل من المعيار الأوروبي «Eurocode 2»، المعني بتصميم المنشآت الخرسانية، وهو ما قد يسهل دمجها في ممارسات التصميم الهندسي القائمة.

وقال خوان ساجاسيتا، الأستاذ في مركز أنظمة البنية التحتية المدنية والهندسة بجامعة سري، والمؤلف المراسل للدراسة، إن المهندسين يواجهون ضغوطًا كبيرة لضمان سلامة المنشآت، موضحًا أنه لا يمكن التنبؤ بكل حادث أو واقعة قد تلحق الضرر بالمبنى، لكن يمكن تصميم المنشآت بحيث لا تتحول الأخطاء أو الأضرار المفاجئة إلى عواقب كارثية.

وأضاف أن فقدان عمود واحد لا ينبغي أن يعني بالضرورة انهيار المبنى بأكمله، مشيرًا إلى أن تبسيط اختبارات السلامة يمكن أن يساعد المهندسين على اتخاذ قرارات أكثر استنادًا إلى التقييمات الهندسية، بما يعزز حماية مستخدمي المباني.

نتائج الاختبارات تدعم دقة التقييم

منع انهيار المبنى

عند مقارنة المعادلات بنتائج تجارب سابقة وبيانات جديدة مستمدة من انهيار مرآب نويفا مونتانيا، نجح النموذج في التنبؤ بنمط الفشل الإنشائي الذي لوحظ في الموقع، والمرتبط بالفشل حول أحد الأعمدة المجاورة.

وأظهرت النتائج كذلك إمكانية تطبيق الطريقة على سيناريوهات تتضمن الفقدان المفاجئ لأكثر من عمود، وهو ما يوسع نطاق الحالات التي يمكن للمهندسين الاستعانة بها في تقييم قدرة المنشآت على مقاومة الأضرار الإنشائية.

وأجرت ماريا ليابوبولو، المؤلفة الرئيسية للدراسة، هذا البحث خلال عملها باحثةً في جامعة سري، قبل انتقالها إلى زمالة برونيل في جامعة كامبريدج.

وقالت ليابوبولو إن حوادث انهيار المنشآت تستدعي فهمًا دقيقًا لما حدث والأسباب التي أدت إليه، لاستخلاص الدروس التي يمكن الاستفادة منها في تحسين التصميم الهندسي.

وأضافت أن التقارب بين الحسابات والوقائع الفعلية في حالة مرآب نويفا مونتانيا يمثل نتيجة مشجعة، لأن اختبار النموذج الرياضي على حالة واقعية يمنح الباحثين ثقة أكبر في إمكانية الاستفادة منه عمليًا.

خطوة نحو تحسين معايير تصميم المنشآت

يمكن أن تسهم النتائج في تطوير الإرشادات المستقبلية لتصميم المنشآت، من خلال تزويد المهندسين بأداة أبسط لتقييم كيفية استجابة المباني للأضرار المفاجئة، وتحديد التدابير التي قد تقلل من احتمال امتداد حالات الفشل الموضعية إلى انهيارات أوسع نطاقًا.

ومع ذلك، فإن تطوير المعادلات واختبارها على بيانات تجريبية وحالة واقعية لا يعني ضمان منع انهيار المباني في جميع الظروف؛ إذ تظل سلامة المنشآت مرتبطة بعوامل متعددة، من بينها طبيعة التصميم، وجودة التنفيذ، والأحمال الواقعة على العناصر الإنشائية، ومدى الالتزام بمعايير السلامة المعتمدة.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى