تخزين الكربون تحت الأرض يسجل مستوى قياسيًا.. لكنه لا يتجاوز 5% من احتياجات المناخ
رقم قياسي في تخزين الكربون لا يخفي الفجوة المناخية.. العالم يحتاج مليار طن سنويًا بحلول 2050
سجّلت عمليات تخزين ثاني أكسيد الكربون تحت الأرض مستوى قياسيًا خلال عام 2024، بعدما بلغت الكميات المعلنة 43.6 مليون طن، بزيادة تجاوزت الضعف مقارنة بالمستويات السنوية المسجلة في عام 2016، لكن هذه القفزة لا تزال بعيدة عن حجم التخزين المطلوب لتحقيق أهداف المناخ العالمية بحلول منتصف القرن.
ويكشف التقرير السنوي لعام 2026 لسجل لندن لتخزين ثاني أكسيد الكربون في باطن الأرض، الذي أعده باحثون في إمبريال كوليدج لندن، عن اتساع نطاق هذه العمليات عالميًا، بالتزامن مع استمرار تحديات تتعلق بدقة بعض البيانات وطرق احتساب الكميات المخزنة فعليًا.
ويتتبع السجل نحو 70 مشروعًا في 17 دولة موزعة على ست قارات، فيما بلغت الكميات التراكمية المعلنة لتخزين ثاني أكسيد الكربون تحت الأرض 421.7 مليون طن منذ بدء عمليات الحقن التجارية قبل نحو ثلاثة عقود.
البرازيل والولايات المتحدة تقودان عمليات التخزين
استند الرقم القياسي المسجل في عام 2024 بصورة رئيسية إلى مساهمات البرازيل والولايات المتحدة؛ إذ أبلغ مشروع بتروبراس في حقل سانتوس البحري، ضمن طبقات ما قبل الملح، عن تخزين 14.2 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، بما يعادل نحو ثلث الإجمالي العالمي المعلن خلال العام.
وفي الولايات المتحدة، بلغ مجموع الكميات المعلنة 20.2 مليون طن عبر 23 عملية منفصلة، لتتصدر البلاد من حيث عدد المشروعات المسجلة.
أما الصين، فسجلت 1.7 مليون طن، مدفوعة بعمليات حقل شنجلي النفطي وإضافة حقل داكينغ أونان إلى السجل. وسجلت أستراليا الكمية نفسها بعد إدراج مشروع موومبا.
وانضمت نيوزيلندا وإيطاليا إلى السجل للمرة الأولى، فيما بدأ مشروع «نورثرن لايتس» في النرويج، وهو منشأة تجارية مخصصة لتخزين ثاني أكسيد الكربون، عمليات الحقن في أغسطس 2025.
وقال صامويل كريفور، مدير السجل في قسم علوم الأرض والهندسة بجامعة إمبريال كوليدج لندن، إن التقرير يُظهر تحول التخزين الجيولوجي لثاني أكسيد الكربون إلى نشاط عالمي، بعدما تضاعفت الكميات السنوية المعلنة بين عامي 2016 و2024.
وأضاف أن استمرار العمليات وانضمام دول ومشروعات جديدة يشيران إلى أن التخزين الجيولوجي أصبح تقنية قابلة للتطبيق على نطاق واسع للحد من الانبعاثات.
مراجعة البيانات تخفض إجمالي التخزين المعلن
لم يقتصر تقرير 2026 على رصد التوسع في مشروعات التخزين، بل تضمن أيضًا تعديلات مهمة على الأرقام المنشورة سابقًا، نتيجة ثلاثة تصحيحات محاسبية.
وشملت التعديلات إعادة تفسير بيانات وحدة نورث بوربانك لتوضيح كيفية التعامل مع ثاني أكسيد الكربون المعاد تدويره، وتصحيح خطأ أدى إلى احتساب بعض الكميات مرتين عند الجمع بين التقارير المقدمة على مستوى الشركات والمشروعات.
كما جرى خفض الأرقام الواردة في الجرد الوطني لمشروع «سليبنر» النرويجي، الذي بدأ تشغيله عام 1996 ويُعد أول مشروع تجاري لالتقاط الكربون وتخزينه.
وأدت التصحيحات الثلاثة مجتمعة إلى خفض إجمالي الكميات التراكمية المعلنة حتى نهاية عام 2023 من 351.4 مليون طن إلى 342 مليون طن، بانخفاض نسبته 2.7%.
كذلك، تراجعت الكمية السنوية المعلنة لعام 2023 من 45.2 مليون طن إلى 41.7 مليون طن بعد مراجعة البيانات.
وقالت شياووي جاو، المديرة التنفيذية للسجل، إن هذه التعديلات تعكس أحدث الأدلة المتاحة، وإن التقرير يوضح المواضع التي لا تزال طرق احتساب التخزين المعلن فيها غير مؤكدة.
وأضافت أن الشفافية في عرض هذه المسائل ضرورية لتعزيز ثقة صناع السياسات والمستثمرين في تقنيات التخزين الجيولوجي لثاني أكسيد الكربون.
بيانات 2025 لا تزال غير مكتملة
أظهرت البيانات المتاحة عند نشر التقرير أن 29 مشروعًا في 12 دولة أبلغت عن نتائج عام 2025، بإجمالي بلغ 36.2 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون.
لكن التقرير شدد على أن هذا الرقم لا يمثل الحصيلة النهائية للعام، لأن عددًا كبيرًا من المشروعات لم يقدم بياناته بعد.
وكان مشروع بتروبراس في البرازيل قد أعلن بالفعل تخزين 19.6 مليون طن خلال عام 2025، مقارنة بـ14.2 مليون طن طوال عام 2024، ما يشير إلى ارتفاع ملحوظ في الكمية المسجلة لهذا المشروع.
وفي المقابل، لم تقدم عدة مشروعات أمريكية كبيرة كانت قد أبلغت عن بيانات عام 2024 تقاريرها الخاصة بعام 2025 حتى موعد إعداد التقرير.
وبناءً على ذلك، يُرجح أن يتجاوز الإجمالي السنوي النهائي لعام 2025 الرقم المعلن حاليًا، إلا أن تقدير حجمه بدقة يتطلب اكتمال البيانات من المشروعات المعنية.
كيف تُحتسب كميات الكربون المخزنة؟
رغم التوسع المسجل، يثير التقرير تساؤلات بشأن طبيعة الكميات التي يجري احتسابها بوصفها تخزينًا جيولوجيًا لثاني أكسيد الكربون، ومدى اتساق أساليب الإبلاغ عنها بين الدول والمشروعات.
فوفقًا للسجل، تندرج نسبة 82.3% من إجمالي الكميات التراكمية المعلنة ضمن فئة «التخزين الجيولوجي المصحوب باستخلاص النفط»، وهي تقنية يُحقن فيها ثاني أكسيد الكربون داخل الحقول النفطية للمساعدة على استخراج كميات إضافية من النفط.
وضمن هذه الفئة، سُجل نحو 112.5 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون تحت بند «الحقن» فقط، من دون أن تعكس البيانات بالضرورة بصورة كاملة مصير الغاز بعد دخوله المكمن الجيولوجي.
وتتمثل إحدى المشكلات في احتمال عودة جزء من ثاني أكسيد الكربون إلى السطح خلال العمليات، ثم إعادة حقنه مرة أخرى، وإذا لم تُحتسب هذه الدورة بصورة دقيقة، فقد تصبح الكميات المحقونة مختلفة عن الكميات التي بقيت مخزنة فعليًا.
وتخضع المشروعات الأمريكية لمتطلبات محاسبية ورقابية صارمة تفرضها وكالة حماية البيئة الأمريكية، لكن الأسس المستخدمة للإبلاغ عن الكميات ليست موحدة بالدرجة نفسها في جميع الدول.
وأوضح معدّو التقرير أنهم يسعون إلى احتساب صافي الكميات المخزنة بعد خصم الفاقد، مع مراعاة ثاني أكسيد الكربون المعاد تدويره أو حقنه مجددًا، لكنهم أقروا باستمرار بعض أوجه عدم اليقين في المشروعات التي لا توضح أسس احتساب بياناتها بصورة كافية.
ولا تعني هذه التحفظات أن جميع الكميات المعلنة غير دقيقة، لكنها تشير إلى أن مقارنة النتائج العالمية تتطلب تعريفات واضحة ومنهجيات متسقة تميز بين الكربون الذي جرى ضخه في باطن الأرض والكربون الذي ظل مخزنًا بالفعل.
العالم يحتاج إلى مليار طن سنويًا بحلول 2050
تبدو الفجوة بين مستويات التخزين الحالية والاحتياجات المناخية المستقبلية أكبر من أن تعالجها معدلات النمو المسجلة وحدها.
وقال كريفور إن تحقيق هدف الحد من الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية، المنصوص عليه في اتفاق باريس للمناخ، يتطلب رفع القدرة على تخزين ثاني أكسيد الكربون جيولوجيًا إلى مليار طن سنويًا على الأقل بحلول عام 2050، وفقًا للتوقعات المشار إليها في التقرير.
كما أشار تقرير فجوة الانبعاثات لعام 2026 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن سيناريو الاحترار الأقل الممكن يتطلب إزالة نحو 320 جيجا طن من ثاني أكسيد الكربون وتخزينها بصورة دائمة على امتداد هذا القرن.
وبالمقارنة مع هذه الاحتياجات، فإن الكمية المعلنة لعام 2024، والبالغة 43.6 مليون طن، تعادل أقل من 5% من مستوى التخزين السنوي البالغ مليار طن، الذي يُتوقع أن يكون ضروريًا بحلول منتصف القرن.
وتعكس هذه الأرقام تحديين متزامنين: توسيع نطاق البنية التحتية القادرة على التقاط الكربون وتخزينه، وتحسين دقة البيانات التي تحدد حجم التخزين الفعلي واستمراريته.
وبينما يحقق التخزين الجيولوجي تقدمًا ملموسًا بوصفه إحدى الأدوات المتاحة للحد من الانبعاثات، فإن الأرقام الحالية تؤكد أن الوصول إلى المستويات المطلوبة مناخيًا سيحتاج إلى توسع كبير في المشروعات، إلى جانب معايير محاسبية أكثر اتساقًا وشفافية.
التقرير السنوي لعام 2026 لسجل لندن لتخزين ثاني أكسيد الكربون في باطن الأرض، الصادر عن باحثين في إمبريال كوليدج لندن.





