تحذير أممي من النينيو: 50 مليون شخص مهددون بالجوع واضطرابات مناخية واسعة
النينيو يهدد القرن الإفريقي بالفيضانات.. وتوقعات بنزوح 874 ألف شخص في الصومال
تتزايد تداعيات ظاهرة النينيو المناخية في مناطق متفرقة من العالم، من الفيضانات التي اجتاحت الأرجنتين إلى حرائق الغابات المميتة في بيرو والجفاف الذي تشهده جويانا الفرنسية، وسط تحذيرات أممية من أن الظاهرة قد تؤدي إلى تفاقم الأزمات الإنسانية وتهديد الأمن الغذائي لملايين الأشخاص.
وحذر مسؤولون بارزون في الأمم المتحدة من احتمال أن يشهد العالم ظاهرة نينيو استثنائية خلال العام، داعين إلى اتخاذ إجراءات عاجلة ومنسقة للحد من آثارها، خصوصًا على المجتمعات الأكثر ضعفًا والمعرضة بالفعل لمخاطر إنسانية ومناخية.
وتؤدي ظاهرة النينيو إلى ارتفاع درجات حرارة سطح المياه في الأجزاء الوسطى والشرقية من المحيط الهادئ الاستوائي، ما يغير أنماط الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار في مناطق مختلفة من العالم.
وتحدث الظاهرة طبيعيًا كل عامين إلى سبعة أعوام، وتستمر عادةً ما بين تسعة أشهر و12 شهرًا. ومن المتوقع أن تسهم في ارتفاع درجات الحرارة في مناطق واسعة من الكوكب، بالتزامن مع تفاقم آثار تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية.

تحذيرات أممية من ظاهرة استثنائية
قالت سيليست ساولو، رئيسة المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة، إن ظاهرة النينيو الحالية قد تكون غير مسبوقة من حيث القوة، موضحة أنها قد تتجاوز نطاقات الرصد التي اعتمدت عليها المنظمة خلال العقود الأربعة الماضية.
وأصدرت ساولو، بالاشتراك مع توم فليتشر، مسؤول المساعدات الإنسانية في الأمم المتحدة، دعوة مشتركة لاتخاذ إجراءات استباقية عاجلة ومنسقة لحماية المجتمعات الأكثر ضعفًا، التي تواجه بالفعل ظروفًا معيشية صعبة.
وقالت ساولو إن العالم لا يستطيع منع حدوث النينيو، لكنه يستطيع تجنب كثير من أسوأ تداعياتها الإنسانية من خلال الاستعداد المبكر والاستجابة المنسقة.
من جانبه، وصف فليتشر الظاهرة بأنها «كرة هدم»، محذرًا من أنها قد تتسبب في اضطرابات واسعة بأمريكا اللاتينية وشرق وجنوب إفريقيا وآسيا ومنطقة المحيط الهادئ.
وأضاف أن عشرات الملايين من الأشخاص قد يجدون أنفسهم في حاجة إلى مساعدات إنسانية، محذرًا من احتمال تعرض 50 مليون شخص لمخاطر متزايدة تتعلق بالجوع.

فيضانات الأرجنتين تجبر السكان على مغادرة منازلهم
في الأرجنتين، تسببت الأمطار الغزيرة المرتبطة بظاهرة النينيو في فيضانات اجتاحت مناطق من شمال شرق البلاد، وأدت إلى وفاة شخصين خلال الأيام التي سبقت نشر التقرير.
وفي بلدة باسو دي لا باتريا السياحية الواقعة شمال شرق الأرجنتين، قال أحد السكان، خوان بابلو جوميز، إن المياه اندفعت إلى منزله وبلغ ارتفاعها نحو متر خلال يوم واحد، في مشهد يعكس سرعة تفاقم الفيضانات.
وفي بعض أجزاء البلدة، لم تعد تظهر فوق سطح المياه سوى أسطح المنازل.
وخلال الأسبوع السابق، اضطر أكثر من 2000 شخص إلى مغادرة منازلهم في شمال شرق الأرجنتين بسبب الأمطار الغزيرة التي رفعت مستويات أنهار بارانا وأوروجواي وإيغوازو، التي ترتبط أحواضها المائية بالأرجنتين والبرازيل وباراجواي وأوروجواي.
وربط التقرير هذه الأمطار بتأثيرات ظاهرة النينيو، التي يمكن أن تغير أنماط هطول الأمطار وتزيد احتمالات وقوع الفيضانات في بعض المناطق.

حرائق مميتة في بيرو بسبب الحرارة والجفاف
في بيرو، أسهمت درجات الحرارة المرتفعة والظروف الجافة في سرعة انتشار حرائق الغابات، التي أودت بحياة ما لا يقل عن 12 شخصًا منذ يونيو، وفقًا لما أعلنته السلطات في الأسبوع السابق لنشر التقرير.
وقال دانيال بايي، أستاذ علم الأحياء بالجامعة العلمية للجنوب في ليما، إن البلاد تشهد كتلة واسعة من الهواء الحار والجاف مرتبطة بتأثيرات النينيو، موضحًا أن ارتفاع الحرارة وجفاف الظروف الجوية يساعدان على انتشار النيران بسرعة.
وتسببت الحرائق في وقوع مئات المتضررين، وكان معظم القتلى من المزارعين الذين تعرضوا لحروق شديدة أو للاختناق أثناء محاولتهم السيطرة على النيران بأنفسهم.
وتسلط هذه الحوادث الضوء على المخاطر التي تنشأ عندما تتزامن درجات الحرارة المرتفعة مع الظروف الجافة، بما يزيد صعوبة احتواء الحرائق ويهدد حياة السكان والعاملين في المناطق المتضررة.

جفاف جويانا الفرنسية يعطل حركة الأنهار
وفي جويانا الفرنسية، وهي إقليم فرنسي يقع في أمريكا الجنوبية، تعاني المنطقة نقصًا ملحوظًا في الأمطار منذ عدة أشهر، ما أدى إلى انخفاض مستويات المياه في المجاري والأنهار.
وتسببت هذه الظروف في تراجع حركة النقل النهري تدريجيًا، ما زاد صعوبة وصول الإمدادات إلى بعض المناطق المعزولة التي لا ترتبط بشبكة طرق.
واستجابة لذلك، أنشأت السلطات جسرًا جويًا لتوفير الإمدادات لنحو 40 ألف شخص يعيشون في بلديات معزولة، بهدف ضمان وصول السلع الأساسية بأسعار معقولة، واستمرار خدمات التعليم العام، والحفاظ على كفاءة أنظمة إنتاج مياه الشرب، بما في ذلك المناطق الساحلية.
وتكشف هذه التطورات عن الأبعاد الخدمية والاقتصادية للجفاف، إذ لا يقتصر تأثيره على تراجع الموارد المائية، بل يمتد إلى النقل وإمدادات السلع والخدمات الأساسية.

النينيو بالأرقام.. مخاطر النزوح والجوع وارتفاع الحرارة
تشير التقديرات التي أوردها التقرير إلى أن نحو 874 ألف شخص في الصومال قد يضطرون إلى مغادرة منازلهم خلال الأشهر الثلاثة التالية، بسبب مخاطر الفيضانات المتوقعة.
وحذرت المنظمة الدولية للهجرة من أن موسم الأمطار في الصومال قد يشهد هطول كميات أعلى من المعدلات الطبيعية، مع اشتداد ظاهرة النينيو، ما يزيد احتمالات الفيضانات والنزوح.
لكن الاستعداد لهذه المخاطر يواجه تحديات تمويلية؛ إذ لم تتمكن المنظمة من تأمين سوى نحو 14.4% من إجمالي التمويل المطلوب، البالغ 16.6 مليون دولار، للاستعداد للاستجابة للفيضانات.
وفي كولومبيا، سجلت درجات الحرارة الشهرية مستويات قياسية لمدة أربعة أشهر متتالية، وفق تحليل لوكالة فرانس برس استند إلى بيانات خدمة كوبرنيكوس الأوروبية لتغير المناخ.
وبلغت درجات الحرارة في البلاد نحو 1.5 درجة مئوية فوق المعدلات المعتادة خلال أشهر يوليو وأغسطس وسبتمبر، بحسب التقرير.
وتعكس هذه المؤشرات اتساع نطاق التأثيرات المناخية التي تتزامن مع ظاهرة النينيو، وإن كان تحديد مسؤوليتها المباشرة عن كل حدث مناخي يتطلب تحليلًا علميًا يأخذ في الحسبان عوامل أخرى.

هل تتسبب ظاهرة النينيو وحدها في الظواهر المناخية المتطرفة؟
مع تزايد تواتر الظواهر الجوية المتطرفة، يواجه العلماء صعوبة في إسناد كل حدث بعينه إلى ظاهرة النينيو بصورة قاطعة، نظرًا إلى تعدد العوامل المؤثرة في أنماط الطقس.
وضربت ميشيل لوري، الباحثة في الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي، مثالًا لتوضيح العلاقة بين النينيو والظواهر الجوية، إذ شبّهت النينيو بطريق سريع تتحرك عليه مركبات تمثل الظواهر الجوية المختلفة.
وأوضحت أن وجود الطريق لا يسمح بالتنبؤ الدقيق بسرعة كل مركبة أو المسار الذي ستسلكه، كما قد تتغير حركة المركبات بصورة مفاجئة، وبالمثل، لا تحدد ظاهرة النينيو وحدها الخصائص الدقيقة لكل حدث جوي، إذ تتداخل معها عوامل مناخية وأرصادية أخرى.
وأضافت أن النينيو يمكن أن يزيد أو يقلل احتمالات حدوث أنماط معينة من الطقس خلال موسم محدد، لكن لا يمكن إرجاع ظاهرة مناخية كاملة أو حدث متطرف بعينه إليها وحدها.
من جانبه، أكد دافيد فاراندا، مدير الأبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، أن الإسناد المباشر لحدث معين إلى النينيو ليس دقيقًا، لأن تأثيرات الظاهرة تختلف باختلاف المناطق والفصول، كما تتأثر بالتقلبات الطبيعية للمناخ وعوامل الأرصاد الجوية الأخرى.
وتؤكد هذه التوضيحات أهمية التمييز بين تأثير النينيو في زيادة احتمالات بعض الظواهر الجوية وبين إثبات أنها السبب الوحيد وراء وقوع حدث بعينه، خصوصًا مع تداخل آثارها مع الاحترار العالمي والتغيرات المناخية الأخرى.





