لماذا يفضل الناس حلولًا مناخية «طبيعية»؟.. دراسة تكشف مفتاح قبول تقنيات مكافحة تغير المناخ
الحل ليس في التكنولوجيا وحدها.. كيف تؤثر كلمة «طبيعي» على قبول حلول تغير المناخ؟
كشفت دراسة علمية حديثة تم نشرها في مجلة Communications Earth & Environment التابعة لمجموعة Nature يوليو 2026، وأجراها فريق من الباحثين بقيادة سارة جونزاليس-كوفين وليف فان بوفن من جامعة كولورادو بولدر، بمشاركة باحثين من مؤسسات أمريكية وكندية أخرى، أن مدى شعور الناس بأن التكنولوجيا المناخية «طبيعية» قد يكون عاملًا حاسمًا في تحديد مدى قبولهم لها، حتى عندما تكون التقنيات نفسها مختلفة من حيث المخاطر والفوائد والتعقيد.
ووجد الباحثون، أن وصف تقنيات مثل الطاقة النووية، واللحوم المزروعة في المختبر، وتقنيات إزالة ثاني أكسيد الكربون بأنها أقرب إلى الطبيعة يمكن أن يزيد دعم الجمهور لها، في مؤشر على أن طريقة تقديم حلول تغير المناخ قد تكون مؤثرة بقدر التكنولوجيا نفسها.

الطبيعية تتفوق على المخاطر والفوائد
تشير الدراسة إلى أن الناس لا يقيمون تقنيات المناخ اعتمادًا على المعلومات العلمية المتعلقة بمخاطرها وفوائدها فقط، وإنما يتأثرون أيضًا بمدى اعتبارهم هذه التقنيات طبيعية.
وأظهرت النتائج، أن المشاركين الذين رأوا تقنيات إزالة الكربون والطاقة منخفضة الانبعاثات على أنها أكثر طبيعية كانوا أكثر ميلًا إلى دعمها، كما اعتبروها أقل خطورة وأقل إثارة للخوف وأكثر فائدة.
وتكتسب النتيجة أهمية خاصة لأن التأثير لم يختفِ حتى بعد أخذ عوامل أخرى في الاعتبار، مثل المخاطر المتصورة والفوائد ومدى معرفة الأشخاص بالتكنولوجيا.
وبعبارة أخرى، فإن المشكلة في بعض الحالات قد لا تكون في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في الصورة الذهنية التي تتكون لدى الجمهور عنها.
لماذا تبدو كلمة «طبيعي» أكثر إقناعًا؟
يرتبط تفضيل ما هو طبيعي بظاهرة معروفة في علم النفس والسلوك البشري، فالناس يميلون في كثير من الأحيان إلى الاعتقاد بأن الأشياء الطبيعية أكثر أمانًا أو صحة أو فائدة من المنتجات أو العمليات التي يرون أنها اصطناعية، حتى عندما لا تكون هناك فروق فعلية تبرر هذا الاعتقاد.
وتشير الدراسة إلى أن مفهوم «الطبيعي» ليس له تعريف واحد صارم في أذهان الناس، لكنه يرتبط عادة بأشياء يرون أنها تتطلب تدخلًا بشريًا أقل، أو مستمدة من البيئة الطبيعية، أو مألوفة ثقافيًا.
وهذا الانحياز النفسي يمكن أن يؤثر في مجموعة واسعة من القرارات، من الغذاء والصحة إلى التكنولوجيا والبيئة.

الطاقة النووية واللحوم المزروعة في مواجهة الطبيعية
تظهر المشكلة بوضوح عند النظر إلى بعض حلول تغير المناخ التي تتمتع بإمكانات كبيرة لخفض الانبعاثات، لكنها تواجه تحفظات من جانب الجمهور.
فالطاقة النووية، على سبيل المثال، يمكن أن تؤدي دورًا في إنتاج الكهرباء منخفضة الانبعاثات، لكنها غالبًا ما ترتبط في أذهان بعض الناس بصورة التكنولوجيا المعقدة أو الخطرة.
وينطبق الأمر أيضًا على اللحوم المزروعة في المختبر، التي يمكن أن تقدم بديلًا لإنتاج اللحوم التقليدية، لكنها تبدو لدى كثيرين أكثر اصطناعية وأبعد عن الطبيعة.
أما تقنيات إزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، مثل الالتقاط المباشر من الهواء، فتواجه تحديًا مشابهًا؛ فهي تعتمد على عمليات هندسية متقدمة لإزالة الغاز المسؤول عن الاحتباس الحراري من الهواء.
وتشير الدراسة إلى أن مجرد النظر إلى هذه التقنيات باعتبارها «طبيعية» أو «غير طبيعية» يمكن أن يغير مستوى الدعم لها.
تجربة شملت 10 تقنيات مناخية
لاختبار هذه الفكرة بصورة مباشرة، أجرى الباحثون دراسة على عينة من 1000 بالغ أمريكي، وطلبوا من المشاركين تقييم 10 تقنيات مختلفة تستهدف خفض انبعاثات الكربون أو إزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي.
وشملت التقنيات الست الخاصة بإزالة ثاني أكسيد الكربون، إلى جانب أربع تقنيات للطاقة منخفضة الكربون.
وتراوحت الحلول بين التشجير والتقاط ثاني أكسيد الكربون مباشرة من الهواء والطاقة النووية وطاقة الرياح والطاقة الشمسية.
وسُئل المشاركون عن مدى دعمهم لاستخدام أموال الضرائب لتطبيق هذه التقنيات على نطاق واسع.
وأظهرت النتائج، أن الأشخاص الذين اعتبروا التكنولوجيا أكثر «طبيعية» كانوا أكثر استعدادًا لدعم استخدامها.
واللافت، أن تأثير هذا العامل استمر حتى بعد احتساب تصورات المشاركين بشأن المخاطر والفوائد والخوف ومدى معرفتهم بالتكنولوجيا.
عامل يجمع بين الاتجاهات السياسية
في كثير من القضايا المرتبطة بتغير المناخ، تنقسم الآراء بشدة على أساس الانتماء السياسي.
لكن الدراسة قدمت نتيجة مختلفة؛ إذ لم يتغير تأثير «الطبيعية» باختلاف الأيديولوجية السياسية للفرد.
وهذا يعني أن الميل إلى تفضيل ما يبدو طبيعيًا يمكن أن يكون عاملًا نفسيًا مشتركًا بين مجموعات سياسية مختلفة.
وتشير النتائج إلى أن هذا العامل قد يمثل نقطة نادرة من التقارب في قضية غالبًا ما تتسم بالاستقطاب الحاد.
كما كان تأثير تصور التكنولوجيا على أنها طبيعية أكبر لدى الأشخاص الذين لديهم نفور أكبر من فكرة «التدخل في الطبيعة» أو العبث بها.
تجربة ثانية: تغيير الكلمات يغير الموقف
لم يكتف الباحثون بقياس العلاقة بين الشعور بالطبيعية ودعم التكنولوجيا، بل اختبروا أيضًا ما إذا كان تغيير طريقة وصف التكنولوجيا يمكن أن يؤدي بالفعل إلى زيادة التأييد لها.
وفي تجربة ثانية، قدم الباحثون للمشاركين أوصافًا مختلفة للتقنيات نفسها، فعلى سبيل المثال، جرى وصف تقنية الالتقاط المباشر لثاني أكسيد الكربون من الهواء باعتبارها تقنية تحاكي العمليات الطبيعية لإزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، على غرار الطريقة التي تمتص بها النباتات الكربون من الهواء عبر أوراقها.
وبمجرد تغيير طريقة تقديم التقنية وربطها بعملية موجودة في الطبيعة، ارتفع مستوى الدعم لها.
وتشير هذه النتيجة إلى أن التواصل العلمي والمناخي قد لا يحتاج دائمًا إلى إضافة معلومات تقنية أكثر، وإنما قد يستفيد أحيانًا من إعادة صياغة المعلومات الموجودة بالفعل بطريقة تساعد الجمهور على ربط التكنولوجيا بمفاهيم مألوفة وطبيعية.
الطبيعة ليست دائمًا معيارًا للسلامة
لكن الباحثين يحذرون من تحويل «الطبيعي» إلى مرادف تلقائي لـ«الآمن» أو الأفضل.
فالتاريخ يقدم أمثلة كثيرة على استخدام صورة الطبيعة للترويج لمنتجات لا يعني أصلها أو طريقة تسويقها أنها أكثر أمانًا أو استدامة.
كما يمكن للانحياز نفسه أن يؤدي إلى نتائج عكسية في مجال المناخ؛ فقد يجعل الجمهور يرفض تقنيات يمكن أن تقدم فوائد حقيقية فقط لأنها تبدو اصطناعية أو شديدة التدخل في العمليات الطبيعية.
وهنا تكمن المفارقة: الطبيعة قد تكون مصدر إلهام للحلول المناخية، لكنها ليست اختبارًا علميًا كافيًا للحكم على جودة الحل أو سلامته.
بين الإقناع والغسل الأخضر
يحذر هذا الاستنتاج أيضًا من خطر استخدام اللغة الطبيعية بصورة مضللة، فإعادة وصف التكنولوجيا باعتبارها «طبيعية» لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لإخفاء المخاطر أو المبالغة في فوائد تقنية معينة.
والباحثون لا يدعون إلى ممارسة ما يعرف بـ«الغسل الأخضر»، وإنما يرون أن التواصل المناخي يمكن أن يسلط الضوء على العلاقات الحقيقية الموجودة بالفعل بين التكنولوجيا والعمليات الطبيعية.
ومن الأمثلة على ذلك تصميم شفرات توربينات الرياح المستوحاة من زعانف الحيتان الحدباء.
فهنا لا يجري اختراع علاقة تسويقية بين التكنولوجيا والطبيعة، وإنما يتم إبراز حقيقة علمية تتمثل في استفادة التصميم الهندسي من خصائص موجودة في العالم الطبيعي.

الطبيعة مصدر للإلهام وليس معيارًا وحيدًا
تكشف الدراسة، أن المعركة من أجل كسب دعم الجمهور لحلول تغير المناخ لا تدور في المختبرات ومراكز الأبحاث فقط.
فحتى التكنولوجيا التي يمكن أن تكون فعالة في خفض الانبعاثات قد تواجه عقبة اجتماعية إذا شعر الناس بأنها غريبة أو مصطنعة أو تتعارض مع مفهومهم عن الطبيعة.
وفي المقابل، يمكن أن يساعد تقديم التكنولوجيا من خلال أمثلة طبيعية حقيقية في جعلها أكثر قبولًا.
لكن هذا لا يعني أن الحل المناخي الأفضل هو بالضرورة الأكثر «طبيعية»، وإنما يعني أن الطريقة التي يفكر بها الناس في الطبيعة يمكن أن تؤثر بقوة في استعدادهم لقبول التكنولوجيا.
وتشير النتائج إلى أن مطوري تقنيات الاستدامة والمستثمرين وصناع السياسات والمتخصصين في الاتصال العلمي قد يحتاجون إلى أخذ العامل النفسي في الاعتبار عند تصميم التقنيات أو تمويلها أو شرحها للجمهور.

أزمة المناخ ليست تقنية فقط
تكشف الدراسة عن جانب غالبًا ما يختفي خلف النقاشات المتعلقة بالطاقة والانبعاثات والتكنولوجيا: المشكلة المناخية ليست تقنية بحتة، وإنما اجتماعية ونفسية أيضًا.
فالعالم يمتلك بالفعل مجموعة واسعة من الحلول التي يمكن أن تساعد في خفض الانبعاثات أو إزالة الكربون، لكن انتشارها يعتمد على عوامل تتجاوز الكفاءة التقنية والتكلفة.
وتشير النتائج إلى أن فهم الطريقة التي ينظر بها الجمهور إلى التكنولوجيا يمكن أن يساعد في إزالة جزء من هذا الحاجز.
وقد يكون أحد المفاتيح هو التوقف عن تقديم الحلول المناخية باعتبارها صراعًا بين «الطبيعة» و«التكنولوجيا»، والتركيز بدلًا من ذلك على الكيفية التي يمكن بها للهندسة والابتكار أن يستفيدا من الطبيعة ويعملا معها بدلًا من تصويرهما كبديل عنها.
وفي النهاية، توضح الدراسة أن كسب المعركة ضد تغير المناخ قد يتطلب أكثر من تطوير تقنيات فعالة؛ إذ يحتاج العالم أيضًا إلى معرفة كيف يجعل الناس مستعدين لاستخدام هذه التقنيات.
والدراسة المنشورة في Communications Earth & Environment تقدم دليلًا على أن كلمة واحدة مثل «طبيعي» قد تؤثر في هذا القبول، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن بناء الثقة يجب أن يعتمد على التواصل الصادق والشفاف، وليس على إعادة تسمية التقنيات لإخفاء طبيعتها الحقيقية.





