لم يعد تغير المناخ قضية بيئية تقتصر آثارها على ارتفاع درجات الحرارة والظواهر الجوية المتطرفة؛ إذ تتزايد الأدلة على أن التحولات التي يشهدها النظام المناخي يمكن أن تؤثر أيضًا في صحة القلب والأوعية الدموية والتمثيل الغذائي، عبر مسارات تشمل الإجهاد الحراري وتلوث الهواء واضطراب النظم الغذائية والنشاط البدني واستمرارية الرعاية الصحية.
وتوضح مراجعة علمية نشرها الباحث هان ناونج تون في 23 أكتوبر 2026، بدورية EMJ Cardiology، كيف تنتقل آثار تغير المناخ من اختلال توازن الطاقة في الغلاف الجوي إلى تغيرات بيئية وفسيولوجية قد تزيد مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، وتفاقم الأوضاع الصحية لدى الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة.
وتدعو المراجعة إلى دمج المعلومات المناخية والبيئية في جهود الوقاية من أمراض القلب، مع التأكيد أن قوة الأدلة تختلف باختلاف نوع التعرض والمرض المدروس؛ فالعلاقة بين درجات الحرارة غير الملائمة والنتائج القلبية الحادة مدعومة بأدلة أوسع من الأدلة المتاحة بشأن بعض الآثار الأيضية طويلة الأجل.
من اختلال توازن الطاقة إلى المخاطر الصحية
ينشأ تغير المناخ الناتج عن الأنشطة البشرية من اضطراب توازن الطاقة في نظام الأرض. فالأرض تمتص جزءًا من الإشعاع الشمسي وتفقد الطاقة إلى الفضاء أساسًا عبر الإشعاع الحراري، بينما تعمل غازات الدفيئة، مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز، على تغيير هذا التوازن.
ومع ارتفاع تركيزات هذه الغازات نتيجة الأنشطة البشرية، يزداد التأثير الإشعاعي الذي يؤدي إلى احتجاز مزيد من الطاقة داخل النظام المناخي، وهو ما ينعكس في ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الهطول المطري وزيادة مخاطر بعض الظواهر المتطرفة وحرائق الغابات، إلى جانب تغيرات في كيمياء الغلاف الجوي وجودة الهواء.
ومن منظور الصحة العامة، لا ينبغي النظر إلى تغير المناخ باعتباره عامل تعرض منفردًا، بل باعتباره عاملًا يغير مجموعة من الظروف التي تؤثر في صحة الإنسان في الوقت نفسه، من درجات الحرارة وتلوث الهواء إلى الغذاء والنشاط البدني والظروف الاجتماعية وقدرة المؤسسات الصحية على تقديم خدماتها.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في أمراض القلب والتمثيل الغذائي، التي تتداخل عوامل خطرها، وتشمل ارتفاع ضغط الدم واضطراب مستويات الدهون والسكري والسمنة والتدخين وقلة النشاط البدني.
الحرارة الشديدة والبرودة ترتبطان بزيادة مخاطر القلب
تُعد درجات الحرارة إحدى أكثر نقاط الاتصال المباشرة بين تغير المناخ ووظائف القلب والأوعية الدموية.
فالتعرض للحرارة الشديدة، وكذلك للبرودة الشديدة، يرتبط بزيادة المخاطر الصحية مقارنة بدرجات الحرارة الأكثر ملاءمة للسكان في كل منطقة.
وقدّر تحليل عالمي شمل بيانات من 32 دولة أن درجات الحرارة غير الملائمة ارتبطت بنحو 1.8 مليون وفاة سنويًا بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية خلال الفترة من 2000 إلى 2019، بما يعادل نحو 8.9% من الوفيات القلبية الوعائية في التحليل. ورغم أن البرودة كانت مسؤولة عن النصيب الأكبر من العبء التاريخي، ارتفعت نسبة الوفيات المرتبطة بالحرارة بمرور الوقت.
وخلص بيان علمي صادر عن جمعية القلب الأمريكية عام 2026 إلى أن التعرض قصير الأجل لدرجات الحرارة غير الملائمة يمكن أن يزيد مخاطر احتشاء عضلة القلب والسكتة الدماغية وتفاقم قصور القلب واضطرابات نظم القلب والموت القلبي المفاجئ.
كما وجدت مراجعة منهجية نُشرت عام 2024، وشملت 492 دراسة رصدية، أدلة تدعم ارتباط درجات الحرارة المتطرفة بنتائج قلبية وعائية ضارة، مع اختلاف حجم المخاطر وفقًا للمنطقة الجغرافية ونوع التعرض والخصائص الصحية والاجتماعية للسكان.
وتفسر مجموعة من الآليات الفسيولوجية هذه العلاقة. فعند التعرض للحرارة، تتوسع الأوعية الدموية الموجودة قرب سطح الجلد ويزداد التعرق لمساعدة الجسم على التخلص من الحرارة.
لكن هذه الاستجابات قد تؤدي إلى فقدان السوائل وانخفاض حجم الدم المتداول وتسارع ضربات القلب، ما يزيد العبء الواقع على الجهاز القلبي الوعائي.
وقد يترافق ذلك مع الجفاف واضطراب توازن الأملاح والمعادن وتنشيط الجهاز العصبي اللاإرادي والهرمونات المنظمة للاستجابة للإجهاد، فضلًا عن الالتهاب واضطراب وظيفة البطانة الداخلية للأوعية الدموية وزيادة احتياج عضلة القلب إلى الأكسجين.
وتجعل هذه التغيرات الأشخاص المصابين بأمراض الشرايين التاجية أو قصور القلب أو ارتفاع ضغط الدم أو أمراض الكلى والسكري أكثر عرضة للمضاعفات، خاصة عندما تتراجع قدرة الجسم على تنظيم حرارته أو تعويض السوائل المفقودة.
تلوث الهواء وحرائق الغابات يضيفان أعباء جديدة
لا تتوقف المخاطر عند درجات الحرارة؛ فتغير المناخ يتفاعل مع جودة الهواء من خلال عمليات متعددة، تشمل التفاعلات الكيميائية في الغلاف الجوي وتكوين الأوزون عند ارتفاع الحرارة ونشاط حرائق الغابات والجفاف والظروف الجوية التي تؤثر في تركيز الملوثات وانتشارها.
ويمكن للجسيمات الدقيقة وغيرها من ملوثات الهواء أن تحفز الإجهاد التأكسدي والالتهاب الجهازي، وتؤثر في وظيفة الأوعية الدموية وتنظيم ضربات القلب وتخثر الدم، كما تتداخل بعض هذه العمليات مع المسارات البيولوجية المرتبطة بتصلب الشرايين وأمراض القلب.
وتوضح حرائق الغابات هذا التداخل؛ إذ يمكن للظروف المناخية التي تساعد على انتشار الحرائق أن تعرض أشخاصًا لتلوث الدخان والجسيمات الدقيقة حتى في مناطق بعيدة عن النيران نفسها.
ومع ذلك، تشير المراجعة إلى ضرورة التمييز بين قوة الأدلة المتعلقة بمختلف المخاطر؛ فالأدلة على الأضرار القلبية المرتبطة بالحرارة أو التلوث التقليدي للجسيمات الدقيقة أكثر اتساقًا من بعض الأدلة المتعلقة بالتأثيرات القلبية الخاصة بدخان حرائق الغابات.
ويبرز خطر إضافي عندما يتزامن التعرض للحرارة مع ارتفاع مستويات الجسيمات الدقيقة أو الأوزون. ففي هذه الحالات، قد تكون المخاطر أكبر من تلك المتوقعة عند التعرض لكل عامل على حدة.
وأظهرت دراسة أُجريت في كاليفورنيا، باستخدام تصميم بحثي يقارن التعرضات السابقة بالأحداث الصحية لدى الأشخاص أنفسهم، ارتباط التعرض المتزامن لدرجات الحرارة القصوى وارتفاع تركيز الجسيمات الدقيقة بزيادة كبيرة في الوفيات مقارنة بالتعرض لأحد العاملين وحده.
كما ربطت دراسة أمريكية واسعة النطاق بين التعرض المشترك لدرجات الحرارة المرتفعة وتركيزات الأوزون الأعلى وزيادة مخاطر احتشاء عضلة القلب الحاد لدى البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و64 عامًا.
وتدعم هذه النتائج الحاجة إلى تطوير نماذج لتقييم المخاطر تأخذ في الاعتبار تداخل التعرضات البيئية، بدلًا من دراسة الحرارة أو التلوث أو الضوضاء أو العوامل الكيميائية كلًا على حدة، مع مراعاة طبيعة البيئة العمرانية والهشاشة الاجتماعية للسكان.
التأثيرات الأيضية قد تكون أقل وضوحًا
تمثل الآثار المحتملة لتغير المناخ على الصحة الأيضية مجالًا مهمًا آخر، إذ تتداخل أمراض السكري والسمنة وارتفاع ضغط الدم واضطراب الدهون وأمراض الكلى والقلب ضمن منظومة مترابطة من عوامل الخطر.
وقد تؤثر الظروف البيئية في بعض هذه العوامل عبر مسارات فسيولوجية وسلوكية وغذائية واجتماعية واقتصادية.
ويكتسب الإجهاد الحراري أهمية خاصة لدى المصابين بالسكري والأمراض المزمنة، لأن اضطراب تنظيم الحرارة والجفاف ومشكلات الأوعية الدموية والأمراض المصاحبة في القلب والكلى قد تقلل قدرة الجسم على تحمل الحرارة.
ووجدت مراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشرا عام 2025، وركزا على البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، ارتباطات إيجابية بين التعرض للحرارة البيئية ومعدلات الإصابة بالأمراض أو الوفاة المرتبطة بأمراض القلب والأوعية الدموية والأمراض التنفسية المزمنة والسكري. لكن الباحثين أشاروا إلى وجود تفاوت كبير بين الدراسات وقيود في الأدلة المتاحة.
ويمكن أن يؤثر تغير المناخ أيضًا في الصحة الأيضية بطرق غير مباشرة، فقد تحد الحرارة الشديدة من فرص ممارسة الأنشطة البدنية بأمان في الهواء الطلق، بينما يؤثر تصميم المدن في التعرض للحرارة والتلوث وإمكانية الوصول إلى المساحات الخضراء والغذاء الصحي.
كما قد تؤدي الظواهر الجوية المتطرفة إلى اضطراب سلاسل الإمداد الغذائي وزيادة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، أو تعطل الحصول على الأدوية واستمرار علاج الأمراض المزمنة.
لكن هذه العلاقات لا تعني أن تغير المناخ ثبت أنه يسبب السكري أو السمنة بصورة مباشرة، فالأدلة على آثاره السببية طويلة الأجل في الإصابة بالسمنة أو مقاومة الإنسولين أو السكري من النوع الثاني لا تزال أقل نضجًا من الأدلة التي تربط درجات الحرارة المتطرفة بالمضاعفات القلبية الحادة.
والأدق هو النظر إلى تغير المناخ باعتباره عاملًا قد يعدل مجموعة من محددات المخاطر الأيضية، تشمل الإجهاد الحراري والتلوث والنشاط البدني والنظام الغذائي والنوم والضغوط الاجتماعية واستمرارية الرعاية الصحية، بما قد يزيد هشاشة بعض الفئات أمام الأمراض المزمنة.
المخاطر المناخية تكشف فجوات العدالة الصحية
لا تتوزع المخاطر المناخية بالتساوي بين السكان. فالأشخاص الأكبر سنًا والمصابون بأمراض القلب والأوعية الدموية والعاملون في الأماكن المفتوحة وسكان المجتمعات محدودة الموارد، وكذلك من لا تتوافر لهم وسائل موثوقة للتبريد، يواجهون مخاطر أكبر عند التعرض لدرجات الحرارة غير الملائمة.
وتؤثر عوامل مثل جودة المسكن وطبيعة العمل وتصميم الحي السكني وإمكانية الوصول إلى أجهزة التبريد والخدمات الصحية في النتائج المترتبة على التعرض المناخي نفسه، وبذلك لا تتحدد المخاطر بمدى شدة الظاهرة الجوية وحدها، بل أيضًا بمدى قدرة الأفراد والمجتمعات على التكيف معها.
وتكشف الأبحاث كذلك تفاوتًا جغرافيًا في قاعدة الأدلة العلمية. فالمراجعة المنهجية المنشورة عام 2024، التي شملت 492 دراسة رصدية، تضمنت دراسات من 30 دولة مرتفعة الدخل و17 دولة متوسطة الدخل، مقابل دولة واحدة منخفضة الدخل فقط.
ويؤدي هذا التفاوت إلى فجوة علمية وأخلاقية، لأن تقديرات المخاطر المستخلصة من مجتمعات تتوافر فيها أجهزة التكييف وشبكات الكهرباء المستقرة وخدمات الطوارئ والبنية الصحية القوية لا يمكن تعميمها تلقائيًا على مجتمعات تفتقر إلى هذه الموارد.
وتزداد أهمية سد هذه الفجوة في البلدان النامية، ومنها دول في أفريقيا جنوب الصحراء، حيث لا تزال البيانات المتعلقة بتداخل الحرارة والتلوث والأمراض المزمنة محدودة.
فالهشاشة المناخية تتشكل من تفاعل التعرض البيئي مع قابلية الإصابة بالمرض والقدرة على التكيف، وليس من الخطر المناخي وحده.
من علم المناخ إلى الوقاية من أمراض القلب
تدعو المراجعة إلى التعامل مع تغير المناخ باعتباره عاملًا ينبغي أخذه في الاعتبار عند تطوير استراتيجيات الوقاية من أمراض القلب، وليس قضية تقتصر على السياسات البيئية.
وقد تساعد أنظمة الإنذار المبكر بموجات الحر، ومراقبة جودة الهواء، والتنبؤ بدخان حرائق الغابات، ورسم خرائط المناطق الحضرية الأكثر تعرضًا للحرارة، وتقييم التعرض البيئي للأفراد، في تحسين حماية الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات.
لكن الأدلة المستقبلية لا تزال مطلوبة لتحديد مدى قدرة التدخلات السريرية التي تعتمد على المعلومات المناخية في خفض معدلات الإصابة بالأحداث القلبية. ومن المهم التمييز بين التكيف مع آثار تغير المناخ والتخفيف من أسبابه.
يشمل التكيف تحسين أنظمة التحذير من الحرارة، وتوسيع إمكانية الوصول إلى التبريد، وتطوير مساكن ومرافق صحية أكثر قدرة على تحمل الظروف المناخية، ووضع خطط لضمان استمرار علاج الأمراض المزمنة أثناء الكوارث والاضطرابات الجوية.
أما التخفيف فيركز على معالجة الأسباب الجذرية لتغير المناخ، من خلال خفض انبعاثات غازات الدفيئة والحد من الأنشطة المسببة للاحتباس الحراري.
وتوجد فرص لتحقيق فوائد صحية متزامنة في المسارين. فالتوسع في الطاقة النظيفة يمكن أن يقلل تلوث الهواء الناتج عن احتراق الوقود، وتشجيع المشي وركوب الدراجات قد يخفض الانبعاثات ويزيد النشاط البدني، فيما يمكن للبنية التحتية الخضراء المصممة جيدًا أن تساعد في تخفيف حرارة المدن وتوفير بيئات أكثر ملاءمة للصحة.
وأشارت مراجعة منهجية لاستراتيجيات التخفيف من تغير المناخ إلى أن الطاقة المتجددة والنقل النشط والمساحات الخضراء والتغيرات الغذائية من بين التدخلات التي قد تحقق فوائد مشتركة لصحة القلب والأوعية الدموية.
الحاجة إلى ربط العلوم المناخية بالطب
تؤكد المراجعة أن جزيئًا من ثاني أكسيد الكربون لا يؤدي مباشرة إلى حدوث نوبة قلبية بالمعنى الطبي المباشر؛ بل إن تغيير توازن الطاقة على مستوى الكوكب يبدل الظروف البيئية، التي تتفاعل بدورها مع وظائف الأوعية الدموية وتنظيم الجهاز العصبي والالتهاب وتخثر الدم والتمثيل الغذائي والسلوك وأنظمة الرعاية الصحية.
وقد تنشأ أيضًا حلقات تغذية راجعة بين المناخ والصحة، إذ يمكن أن تؤدي المخاطر البيئية إلى زيادة الطلب على الرعاية الصحية واستهلاك الموارد المرتبطة بها، بما قد يسهم بدوره في الانبعاثات إذا لم تُدار هذه الأنظمة بصورة مستدامة.
وتتطلب المرحلة المقبلة، وفقًا للمراجعة، تعاونًا بين علوم المناخ وعلوم التعرض البيئي وفسيولوجيا القلب والطب الأيضي وعلم الأوبئة والبحوث التطبيقية، للانتقال من توثيق الارتباطات إلى التنبؤ بالمخاطر وتحديد الفئات الأكثر هشاشة واختبار التدخلات الوقائية.
فالهدف ليس استبدال عوامل الخطر المعروفة، مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري والتدخين، بتفسير مناخي للأمراض، وإنما توسيع إطار الوقاية ليأخذ في الاعتبار البيئة المتغيرة التي تنشأ فيها هذه الأمراض وتتفاقم آثارها.
وتخلص المراجعة إلى أن تغير المناخ أصبح عاملًا متزايد الأهمية في تحديد مخاطر صحة القلب والتمثيل الغذائي، وأن مواجهة هذه المخاطر تتطلب الجمع بين خفض الانبعاثات والتكيف الصحي وتحسين جودة الهواء وتعزيز قدرة الأنظمة الطبية على حماية المرضى، مع توسيع قاعدة الأدلة في البلدان والفئات السكانية الأقل تمثيلًا في الدراسات.
