لم تعد مخاطر تغير المناخ تقتصر على الأضرار البيئية أو الخسائر الناجمة عن الظواهر الجوية المتطرفة، بل أصبحت تطرح أسئلة قانونية ومالية متزايدة حول مسؤولية مجالس إدارة الشركات والأمناء المشرفين على صناديق التقاعد عن التعامل مع التداعيات المحتملة لهذه المخاطر.
وتتمحور القضية حول مفهوم «الواجب الائتماني»، الذي يلزم المسؤولين عن إدارة الشركات أو الأموال بالتصرف وفق واجباتهم تجاه الشركة أو المستفيدين من الأموال التي يديرونها.
لكن تطبيق هذه الالتزامات على تغير المناخ يثير نقاشًا متصاعدًا، لأن مخاطره قد تتراكم على مدى سنوات طويلة، وتمتد عبر قطاعات اقتصادية متعددة، وتتداخل مع خلافات سياسية حول سياسات الاستدامة والتمويل الأخضر.
وتستضيف كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، في 25 نوفمبر 2026، نقاشًا قانونيًا بعنوان «الواجبات الائتمانية وتغير المناخ: ما الذي يدين به المديرون والأمناء؟»، بمشاركة خبراء في قانون الشركات والحوكمة والاستثمار المستدام وإدارة صناديق التقاعد.
ويبحث الحدث كيف تطورت الالتزامات القانونية للمسؤولين عن الشركات والأموال الاستثمارية، وما إذا كانت هذه الالتزامات تستدعي اتخاذ إجراءات أكثر وضوحًا لمواجهة المخاطر المناخية ذات التأثير الواسع في الاقتصاد والأسواق المالية.
ما المقصود بالواجب الائتماني؟
يشير الواجب الائتماني إلى الالتزامات التي يتحملها شخص أو جهة تتولى إدارة شركة أو أموال أو مصالح تعود إلى طرف آخر.
ويقتضي هذا الواجب، بحسب طبيعة العلاقة والإطار القانوني المنظم لها، اتخاذ القرارات وفق المصلحة التي يُفترض أن المسؤول مكلف بحمايتها.
وفي السياق البريطاني الذي يركز عليه النقاش، يتعين على مديري الشركات التصرف بالطريقة التي يرون أنها الأرجح لتعزيز نجاح الشركة، بينما يتعين على أمناء صناديق التقاعد العمل بما يخدم مصالح المستفيدين من الصناديق.
لكن السؤال المعقد هو كيفية تطبيق هذه الالتزامات على مخاطر مناخية طويلة الأجل، قد لا تظهر آثارها المالية بالكامل في القوائم الحالية، لكنها يمكن أن تؤثر في قيمة الأصول وتكاليف التشغيل وسلاسل الإمداد والتأمين والقدرة التنافسية للشركات مستقبلًا.
ولا يعني ذلك أن القانون يفرض بالضرورة تبني استراتيجية مناخية واحدة على جميع الشركات أو المستثمرين؛ إذ يعتمد الأمر على طبيعة الواجب القانوني، والظروف الخاصة بكل جهة، والأدلة المتاحة، وكيفية تأثير المخاطر في مصالح الشركة أو المستفيدين.
المخاطر المناخية تدخل صميم قرارات الشركات
تتزايد أهمية المخاطر المناخية بالنسبة إلى الشركات مع احتمال تعرض الأصول والبنية التحتية وسلاسل التوريد لتأثيرات مادية، مثل الفيضانات وموجات الحر والجفاف، إلى جانب المخاطر المرتبطة بالتحول نحو اقتصاد منخفض الكربون.
وقد تنشأ هذه المخاطر الانتقالية من تغير السياسات التنظيمية، أو تطور التكنولوجيا، أو تحولات الطلب في الأسواق، أو ارتفاع تكاليف الانبعاثات والتمويل، أو تراجع قيمة بعض الأصول مع تغير أنماط الاستثمار والاستهلاك.
وبالنسبة إلى مجالس الإدارة، لا يقتصر التحدي على إعلان أهداف للاستدامة أو نشر تقارير بيئية، بل يشمل تقييم كيفية تأثير المخاطر المناخية في استراتيجية الشركة وقرارات تخصيص رأس المال والاستثمارات طويلة الأجل.
أما أمناء صناديق التقاعد، فيواجهون تحديًا مرتبطًا بآفاق الاستثمار الممتدة زمنيًا، إذ يمكن أن تتأثر قيمة المحافظ الاستثمارية بمخاطر مناخية تتراكم على مدى سنوات، في وقت يتعين عليهم فيه مراعاة مصالح المستفيدين والتزامات الصندوق المالية.
ومن هنا يبرز الجدل حول ما إذا كان تجاهل مخاطر مناخية جوهرية، عند توافر معلومات موثوقة بشأنها، يمكن أن يتعارض مع واجبات المديرين أو الأمناء.
وتظل الإجابة مرتبطة بالقانون المطبق والظروف الواقعية، وليست حكمًا عامًا بأن كل قرار لا ينسجم مع أهداف المناخ يمثل مخالفة قانونية.
التزامات قانونية في مواجهة خلافات سياسية
تضيف التحولات السياسية، خصوصًا الاعتراضات المتزايدة في الولايات المتحدة على بعض ممارسات التمويل المستدام، مستوى آخر من التعقيد أمام الشركات والمستثمرين.
فبينما يطالب اتجاه بدمج المخاطر البيئية والاجتماعية في القرارات المالية طويلة الأجل، تحذر اتجاهات أخرى من استخدام أموال المستثمرين لتحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية لا تتفق مع المصالح التي تفرضها الالتزامات القانونية.
ويضع هذا الخلاف مجالس الإدارة وأمناء الصناديق أمام ضرورة التمييز بين تبني أهداف بيئية بوصفها غايات مستقلة، وتقييم المخاطر المناخية باعتبارها عوامل قد تؤثر في القيمة الاقتصادية للأصول واستدامة العوائد والقدرة على الوفاء بالالتزامات المالية.
وتزداد أهمية هذا التمييز عندما تتعارض التوقعات التنظيمية أو مطالب أصحاب المصلحة مع الضغوط التجارية والسياسية.
ففي هذه الحالات، تصبح جودة التحليل والتوثيق والحوكمة ووضوح الأساس الذي تستند إليه القرارات عناصر مهمة في تقييم مدى التزام المسؤولين بواجباتهم.
نقاش قانوني حول تطور الواجبات الائتمانية
يقدم ديفيد روش، الشريك في مكتب «فريشفيلدز» والمتخصص في قوانين الخدمات المالية وتنظيمها، الحجج الرئيسية لمقال قانوني مرتقب نشره في دورية Law Quarterly Review، بعنوان «الواجبات الائتمانية في طور التحول: تحرك المديرين وأمناء صناديق التقاعد تجاه التهديدات المناخية النظامية في مواجهة معضلة المشاعات».
ويطرح المقال، بحسب وصف الحدث، حجة مفادها أن تطور الواجبات الائتمانية يدفع نحو اتخاذ إجراءات بشأن المخاطر المناخية النظامية، بما قد تكون له تداعيات مهمة على الطريقة التي تتعامل بها مجالس الإدارة وأمناء صناديق التقاعد مع هذه المخاطر.
ويستجيب لهذه الأطروحة ديفيد كيرشو، أستاذ القانون في كلية لندن للاقتصاد والعميد السابق لكلية القانون بها بين عامي 2021 و2025، من منظور قانون الشركات والحوكمة المؤسسية، لاختبار مدى اتساقها مع المبادئ القانونية القائمة.
كما تعرض جو مايرسون، وهي أمينة مهنية لصناديق التقاعد وزميلة أولى زائرة في معهد غرانثام لأبحاث تغير المناخ والبيئة بالكلية، كيفية التقاء الحجج القانونية بالضغوط التجارية والتوقعات التنظيمية ومطالب أصحاب المصلحة في الممارسة العملية.
ويرأس النقاش توم جوسلينج، أستاذ الممارسة ومدير مبادرة التمويل المستدام في مجموعة الأسواق المالية بالكلية، الذي عمل لأكثر من 20 عامًا مستشارًا لمجالس الإدارة، وشغل سابقًا منصب شريك أول في شركة «برايس ووترهاوس كوبرز».
لماذا تتجاوز القضية حدود الامتثال البيئي؟
تعكس هذه المناقشات تحولًا في النظر إلى تغير المناخ داخل المؤسسات المالية والشركات؛ إذ لم يعد التعامل معه محصورًا في المسؤولية الاجتماعية أو المبادرات الطوعية، بل أصبح مرتبطًا بأسئلة عن إدارة المخاطر، ومصالح المستثمرين، وجودة القرارات، وحدود السلطة التقديرية للمسؤولين.
وفي هذا الإطار، يكتسب الإفصاح عن المخاطر المناخية وتحليل السيناريوهات المستقبلية وتقييم أثر التحولات التنظيمية والتكنولوجية أهمية في مساعدة مجالس الإدارة والمستثمرين على اتخاذ قرارات أكثر استنارة.
لكن تحويل هذه الممارسات إلى التزامات قانونية محددة يظل خاضعًا لاختلاف التشريعات والأنظمة القضائية.
فالمبادئ التي تنظم واجبات مديري الشركات وأمناء صناديق التقاعد في المملكة المتحدة لا تنطبق تلقائيًا بالطريقة نفسها في الولايات المتحدة أو غيرهما من الدول.
وتنظم المرصد الرقابي للاستدامة، التابع للمدرسة العالمية للاستدامة في كلية لندن للاقتصاد، هذا الحدث في إطار عمله على دراسة كيفية عمل القواعد التنظيمية للاستدامة، وأوجه القصور فيها، وسبل تطويرها، من خلال جمع الأكاديميين والممارسين وصناع السياسات.
ومن المتوقع أن يهم النقاش المحامين والمستثمرين ومديري الشركات وأمناء صناديق التقاعد والجهات التنظيمية وصناع السياسات، إضافة إلى الباحثين والطلاب المتخصصين في قانون الشركات والتنظيم المالي والاستدامة.
وفي المحصلة، يتمثل التحدي في تحديد كيفية ترجمة المخاطر المناخية طويلة الأجل إلى قرارات مالية وقانونية قابلة للتبرير، دون افتراض أن كل جهة مطالبة باتباع النهج نفسه.
فمع تزايد تأثير تغير المناخ في الاقتصاد والأسواق، تتعاظم أهمية فهم ما تفرضه الواجبات الائتمانية فعلًا، وكيف يمكن للمؤسسات حماية مصالح الشركات والمستفيدين في بيئة تتغير مخاطرها بمرور الوقت.
