طفرة الذكاء الاصطناعي تقود نصف نمو التجارة العالمية.. لكن هل تخفي هشاشة الاقتصاد؟

منظمة التجارة العالمية ترفع توقعاتها لنمو تجارة السلع إلى 3.9% في 2026

منظمة التجارة العالمية ترفع توقعاتها لنمو تجارة السلع إلى 3.9% في 2026، بدعم من أشباه الموصلات والخوادم ومعدات مراكز البيانات، وسط تحذيرات من تفاوت مكاسب التكنولوجيا وتزايد الضغوط على قطاعات وأسواق أخرى.

تبدو أرقام التجارة العالمية في عام 2026 أفضل مما كان متوقعًا قبل أشهر، لكن وراء هذا التحسن محرك استثنائي لا تستفيد منه الاقتصادات والقطاعات جميعها بالقدر نفسه: طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.

فقد رفعت منظمة التجارة العالمية توقعاتها لنمو حجم تجارة السلع عالميًا خلال العام الجاري إلى 3.9%، مقابل 1.9% في تقديرات مارس الماضي، بعدما أسهمت المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في تعويض جانب من الآثار السلبية للصراع في الشرق الأوسط واضطرابات إمدادات الطاقة والنقل.

وتكشف بيانات المنظمة أن السلع التي تمكّن تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مثل أشباه الموصلات والخوادم، أسهمت بنحو 47% من نمو تجارة السلع العالمية بالقيمة خلال النصف الأول من 2026، فيما ارتفعت التجارة في هذه المنتجات بنسبة 67% على أساس سنوي.

لكن هذه الأرقام تطرح سؤالًا اقتصاديًا يتجاوز قوة التكنولوجيا: هل يعكس نمو التجارة انتعاشًا واسعًا في الاقتصاد الحقيقي، أم أن طفرة قطاع محدود نسبيًا ترفع المتوسطات العالمية بينما تظل قطاعات أخرى تحت ضغط التباطؤ وتكاليف الإنتاج والنقل؟

نجوزي أوكونجو إيويالا المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية

الذكاء الاصطناعي يغير خريطة التجارة العالمية

أوضحت المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية، نجوزي أوكونجو إيويلا، في مقابلة مع «الجزيرة نت» على هامش منتدى الاستثمار العالمي في الدوحة، أن الارتفاع في تجارة السلع لا ينبغي قراءته بمعزل عن طبيعة المنتجات التي تقود النمو ومدى انتشار مكاسبه بين الدول والقطاعات.

وتشمل موجة الطلب المرتبطة بالذكاء الاصطناعي المعالجات الإلكترونية وأشباه الموصلات والخوادم ومعدات الشبكات والبنية التحتية اللازمة لتشغيل مراكز البيانات الضخمة.

وتؤدي هذه الاستثمارات إلى زيادة الطلب على المنتجات الإلكترونية ومكونات الحوسبة، فضلًا عن المعدات والخدمات التي تدعم بناء وتشغيل البنية التحتية الرقمية. ويمنح ذلك الدول والشركات المتمركزة في سلاسل إنتاج هذه المكونات دفعة تجارية كبيرة.

غير أن ارتفاع صادرات هذه المنتجات لا يعني بالضرورة تحسنًا مماثلًا في المنسوجات والملابس والصناعات الخفيفة أو القطاعات كثيفة العمالة، التي تعتمد عليها أسواق العمل في عدد كبير من الاقتصادات النامية.

وهنا تكمن المفارقة: يمكن أن تتحسن مؤشرات التجارة الإجمالية بفضل طفرة تكنولوجية، في حين تظل أوضاع قطاعات واسعة أقل قوة. لذلك، فإن قراءة الأداء الاقتصادي تتطلب النظر إلى تركيب التجارة ومصادر نموها، وليس إلى النسبة الإجمالية وحدها.

وتدعم بيانات منظمة التجارة العالمية أهمية هذا التمييز؛ فالمنظمة تتوقع نمو حجم تجارة السلع 3.9% في 2026، لكنها خفضت في المقابل توقعاتها لنمو تجارة الخدمات التجارية إلى 3.3%، مقابل 4.8% في تقديرات مارس، متأثرة باضطرابات الشرق الأوسط وارتفاع تكاليف الوقود والضغوط على السفر والسياحة.

 

نمو التجارة لا يعني انتهاء المخاطر الاقتصادية

على الرغم من رفع توقعات تجارة السلع، لا تقدم هذه المؤشرات وحدها دليلًا على تعافي جميع مكونات الاقتصاد العالمي، كما لا تكفي للقول إن العالم دخل بالفعل في ركود شامل أو أن طفرة الذكاء الاصطناعي تخفي ركودًا مؤكدًا.

فالركود الاقتصادي يُقيّم عبر مجموعة أوسع من المؤشرات، تشمل الناتج المحلي الإجمالي والإنتاج والتوظيف والدخل والإنفاق، إلى جانب اتجاهات الاستثمار والتجارة.

وتتوقع منظمة التجارة العالمية نمو الاقتصاد العالمي بنحو 2.6% في 2026 و2.9% في 2027، وفق تقديراتها المنشورة في أكتوبر. وفي الوقت نفسه، تحذر من أن الصراع في الشرق الأوسط وارتفاع تكاليف الطاقة واضطرابات النقل قد تواصل الضغط على النشاط الاقتصادي والتجارة.

وعليه، فإن الزاوية الأكثر دقة ليست أن الذكاء الاصطناعي يخفي ركودًا عالميًا ثبت وقوعه، بل أن الاعتماد المتزايد على قطاع تكنولوجي سريع النمو قد يجعل أرقام التجارة أقل تعبيرًا عن الفوارق بين القطاعات والدول.

تركّز مكاسب الذكاء الاصطناعي يثير مخاوف بشأن عدالة النمو

تركّز مكاسب الذكاء الاصطناعي يثير مخاوف بشأن عدالة النمو

لا تتوزع عوائد التحول الرقمي بالتساوي؛ فالدول التي تمتلك شركات متقدمة في تصميم الرقائق وتصنيعها، أو مراكز بيانات واسعة، أو قدرات تمويلية وتقنية كبيرة، تكون في موقع أفضل للاستفادة من الطلب المتزايد.

وتشير المقابلة المنشورة في «الجزيرة نت» إلى تركّز كبير في صادرات وواردات السلع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وإلى هيمنة عدد محدود من الجهات المصدرة على جانب كبير من التدفقات التجارية في هذا المجال.

وتعني هذه الصورة أن بعض الاقتصادات قد تجني حصة أكبر من مكاسب الطفرة، بينما تواجه دول أخرى صعوبة في دخول سلاسل القيمة بسبب نقص البنية التحتية الرقمية والتمويل والمهارات المتخصصة.

ولا تتوقف المسألة عند التجارة وحدها؛ إذ إن توجيه الاستثمارات إلى البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد يزيد المنافسة على رأس المال والطاقة والأراضي والمياه والموارد اللازمة لتشغيل مراكز البيانات، ما يجعل تحديد أولويات الاستثمار قضية اقتصادية وتنموية في آن واحد.

ومع ذلك، لا يعني نمو الاستثمار في الذكاء الاصطناعي بالضرورة أنه يسحب الأموال من القطاعات الأخرى في كل الحالات؛ فإثبات هذا الأثر يحتاج إلى بيانات توضح مصادر التمويل وتوزيع الاستثمارات والعائد المتوقع في كل قطاع.

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي زيادة التجارة العالمية 40%؟

تطرح منظمة التجارة العالمية احتمال أن تسهم تقنيات الذكاء الاصطناعي في زيادة حجم التجارة الدولية على المدى الطويل، عبر خفض تكاليف المعاملات وتحسين الإنتاجية وتسهيل الخدمات اللوجستية والتواصل بين الشركات.

وتتطلب الاستفادة من هذه الإمكانات توافر بنية رقمية موثوقة، وقدرة على الوصول إلى التقنيات، وكوادر مدربة، وقواعد واضحة للتجارة الرقمية وتدفق البيانات.

لكن المكاسب المتوقعة ليست تلقائية؛ إذ يمكن أن تتسع الفجوة بين الدول التي تطور التقنيات وتمتلك البنية التحتية اللازمة لها، والدول التي تظل مستهلكة للتكنولوجيا من دون المشاركة الفعلية في إنتاجها.

ومن ثم، فإن التحدي أمام الاقتصادات النامية لا يقتصر على شراء أدوات الذكاء الاصطناعي، بل يشمل تطوير القدرات الصناعية والتكنولوجية، وتحسين التعليم والتدريب، وجذب استثمارات قادرة على خلق وظائف ونقل المعرفة وربط الشركات المحلية بسلاسل القيمة العالمية.

اضطرابات البحر الأحمر ومضيق هرمز ترفع تكلفة التجارة

تأتي الطفرة التكنولوجية في وقت تواجه فيه التجارة العالمية ضغوطًا من التوترات الجيوسياسية واضطراب الممرات البحرية الحيوية، خصوصًا في الشرق الأوسط.

فقد دفعت المخاطر الأمنية بعض خطوط الشحن إلى تغيير مساراتها، بينما زادت الضغوط على تكاليف النقل والتأمين والوقود، وظهرت تحديات إضافية أمام الموانئ والممرات البديلة.

وتوضح منظمة التجارة العالمية أن سلاسل الإمداد أظهرت قدرة على التكيف خلال النصف الأول من 2026، إذ ساعدت زيادة الإمدادات من مصادر بديلة وإعادة توجيه بعض التدفقات التجارية على الحد من آثار الاضطرابات. ومع ذلك، تظل تكاليف الطاقة والنقل من المخاطر التي قد تؤثر في أداء التجارة خلال الفترة المقبلة.

وتبقى الحلول الالتفافية، مثل تغيير مسارات السفن أو الاعتماد على موانئ بديلة، مكلفة ولا يمكنها دائمًا تعويض كفاءة الطرق المعتادة. كما أن استمرار هذه الأوضاع قد يضغط على هوامش أرباح الشركات ويرفع تكلفة السلع النهائية على المستهلكين.

المضائق البحرية.. سلاح جيوسياسي يهدد التجارة العالمية

لذلك، يتطلب تعزيز مرونة التجارة الاستثمار في الموانئ والطرق والسكك الحديدية ومرافق التخزين والخدمات اللوجستية، إلى جانب تنويع مصادر الإمداد وتطوير خطط للتعامل مع الأزمات.

ما الذي تحتاج إليه الدول النامية؟

تكشف التحولات الحالية أن المشاركة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى ما هو أكثر من استيراد الأجهزة أو تشغيل التطبيقات. فالدول التي تريد الاستفادة من هذه الطفرة تحتاج إلى سياسات تربط التحول الرقمي بالإنتاج والصادرات والتوظيف والتنمية المستدامة.

وتشمل الأولويات:

ولا تعني هذه الأولويات إبطاء الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، بل توسيع نطاق الاستفادة منه، بحيث يتحول من محرك لنمو صادرات عدد محدود من المنتجات إلى أداة لرفع إنتاجية قطاعات متعددة.

إصلاح قواعد التجارة ضرورة موازية للتطور التكنولوجي

ترى إيويلا أن استمرار فاعلية النظام التجاري متعدد الأطراف يتطلب تحديث القواعد التي تحكم التجارة الدولية، بما يتناسب مع التحولات الرقمية وتغير أنماط الإنتاج والاستثمار.

ووفق تقرير منظمة التجارة العالمية لعام 2026، لا تزال نحو 72% من تجارة السلع العالمية تجري وفق مبدأ الدولة الأولى بالرعاية، وهو أحد المبادئ الأساسية للنظام التجاري متعدد الأطراف.

لكن الحفاظ على نظام تجاري قادر على استيعاب التحولات الجديدة يتطلب التعامل مع قضايا التجارة الرقمية وتدفق البيانات والتفاوت في القدرات التقنية، إلى جانب تقليل الحواجز غير الضرورية وتطوير آليات التعاون بين الدول.

ويكتسب ذلك أهمية خاصة للدول النامية التي تحتاج إلى النفاذ إلى الأسواق والتكنولوجيا والاستثمار، من دون أن تتحول الفجوة الرقمية إلى عائق إضافي أمام قدرتها على التصدير والمنافسة.

إصلاح قواعد التجارة ضرورة موازية للتطور التكنولوجي

السؤال ليس كم تنمو التجارة، بل من يستفيد من نموها

تؤكد أحدث تقديرات منظمة التجارة العالمية أن الطلب على السلع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أصبح محركًا رئيسيًا للتجارة العالمية في 2026، وساعد في رفع توقعات نمو تجارة السلع رغم الاضطرابات الجيوسياسية.

لكن هذا النمو لا يضمن وحده تحسن الأوضاع في جميع القطاعات أو توزيع المكاسب بالتساوي بين الاقتصادات. فالأرقام الإجمالية قد تخفي اختلافات واسعة في الأداء، كما أن استمرار اضطرابات الطاقة والنقل قد يضغط على قطاعات لا تستفيد مباشرة من طفرة التكنولوجيا.

والتحدي الحقيقي أمام صناع السياسات هو تحويل النمو المدفوع بالذكاء الاصطناعي إلى مكاسب أوسع تشمل الإنتاجية وفرص العمل والصادرات والاستدامة، مع تقليل مخاطر التركّز الاقتصادي والتكنولوجي.

فنجاح الاقتصاد العالمي لا يُقاس فقط بارتفاع حجم التجارة، بل أيضًا بقدرة الدول والقطاعات المختلفة على المشاركة في هذا النمو والاستفادة منه.

↑
Exit mobile version