من الأقمار الاصطناعية إلى الذكاء الاصطناعي ورصد الأرض.. فرص اقتصادية جديدة أمام الدول النامية دون الحاجة إلى امتلاك صواريخ أو بناء برامج فضائية ضخمة
لم يعد الفضاء مجرد ساحة للتنافس العلمي واستعراض القدرات التكنولوجية بين القوى الكبرى، بل يتحول بوتيرة متسارعة إلى بنية تحتية اقتصادية تؤثر في قطاعات حيوية، من الزراعة والنقل والاتصالات إلى الخدمات المالية ومواجهة تغير المناخ. ومع توقعات بارتفاع قيمة اقتصاد الفضاء من نحو 680 مليار دولار حاليًا إلى 1.8 تريليون دولار بحلول عام 2035، يتزايد السؤال حول قدرة الدول النامية على اقتناص نصيبها من هذا السوق الصاعد.
هذه القضية تصدرت جلسة الاستثمار في الفضاء، التي عقدت ضمن منتدى الاستثمار العالمي التاسع في العاصمة القطرية الدوحة، بمشاركة مسؤولين أمميين وصناع سياسات ومستثمرين ورواد أعمال وباحثين، ناقشوا كيفية توسيع مشاركة الاقتصادات الناشئة في سلاسل القيمة العالمية لقطاع الفضاء، وتحويل التكنولوجيا الفضائية إلى استثمارات وفرص عمل وأدوات للتنمية المستدامة.
وكانت لافتة قبل بدء الجلسة فقرة موسيقية استخدمت أداة تجمع بين خشب الخيزران وقطعة من نيزك سقط على الأرض، في مشهد رمزي جمع بين عناصر من الطبيعة الأرضية والفضاء، قبل الانتقال إلى مناقشة الإمكانات الاقتصادية والتكنولوجية لهذا القطاع.
اقتصاد الفضاء.. بنية تحتية تتجاوز حدود الكوكب
أكد إدريس الحداني، نائب مدير مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي، أن الاعتماد على تقنيات الفضاء أصبح قاسمًا مشتركًا بين الدول، بصرف النظر عن اختلاف أحجام اقتصاداتها أو قدراتها التكنولوجية.
وأوضح أن تعطّل الخدمات الفضائية يمكن أن ينعكس على شبكات النقل العالمية والاتصالات والتنبؤ بالطقس والأنظمة المالية والمصرفية، وهو ما يعكس تحول الفضاء إلى بنية تحتية يعتمد عليها الاقتصاد الحديث، وليس مجرد مجال للبحث العلمي أو الاستكشاف.
وأشار الحداني إلى أن الاستثمار في هذا القطاع يقوم على ثلاثة عناصر أساسية: اغتنام الفرص لبناء شركات وقدرات محلية، وتوفير بيئة تنظيمية ومؤسسية واضحة تمنح المستثمرين القدرة على التنبؤ، إلى جانب مراعاة الاستدامة البيئية والمدارية في ظل المخاطر التقنية والتجارية والمالية المرتبطة بالأنشطة الفضائية.
والرسالة الأهم للدول النامية، بحسب المسؤول الأممي، أنها ليست مضطرة إلى امتلاك برامج لإطلاق الصواريخ أو تصنيع الأقمار الاصطناعية كاملة حتى تستفيد من اقتصاد الفضاء؛ إذ يمكنها الدخول من بوابات أقل تكلفة، مثل تطوير البرمجيات والتطبيقات الفضائية وتحليل بيانات رصد الأرض، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تحويل المعلومات إلى خدمات اقتصادية.
جنوب أفريقيا.. فرصة في المكونات الدقيقة وسلاسل التوريد
قدمت نومفونيكو ماجاجا، المديرة الرئيسة لشؤون الفضاء في وزارة التجارة والصناعة بجنوب أفريقيا، نموذجًا لكيفية مشاركة الاقتصادات الناشئة في سلاسل التوريد العالمية، من خلال تصنيع مكونات دقيقة تدخل في الصناعات الفضائية، مثل الحساسات وكاميرات الأقمار الاصطناعية والإلكترونيات المستخدمة في أنظمة الطيران والفضاء.
وتكتسب هذه الأنشطة أهمية لأنها تتيح للدول بناء قاعدة صناعية متخصصة دون تحمل التكلفة الضخمة اللازمة لتطوير منظومة فضائية متكاملة، كما تفتح المجال أمام الشركات المحلية للتعامل مع الأسواق الدولية والمشاركة في سلاسل إنتاج عالية القيمة.
ولفتت ماجاجا أيضًا إلى الموقع الجغرافي لجنوب القارة الأفريقية، الذي يمنحها فرصًا لاستضافة محطات أرضية لرصد الأقمار الاصطناعية وتتبعها.
وتوضح هذه التجربة أن المنافسة في اقتصاد الفضاء لا تقتصر على الدول التي تمتلك قدرات الإطلاق والتصنيع الكامل، بل تشمل أيضًا الدول التي تستطيع تقديم مكونات متخصصة أو خدمات تقنية يحتاج إليها القطاع العالمي.
أفريقيا وبيانات الأقمار الاصطناعية.. سوق للزراعة والمناخ والتنمية
في مجال الخدمات الفضائية، استعرض حسن الحوسني، المدير التنفيذي للحلول الذكية في شركة «سبيس 42» الإماراتية، نموذجًا يجمع بيانات الأقمار الاصطناعية الرادارية مع تقنيات الذكاء الاصطناعي الجغرافي المكاني، بما يسمح بتحويل الصور والبيانات إلى معلومات قابلة للاستخدام في التخطيط وإدارة الموارد.
وتحدث الحوسني عن مبادرة «خريطة أفريقيا»، التي تقودها شركته بالتعاون مع مايكروسوفت وشركة «إيز» الألمانية، بهدف خدمة الدول الأفريقية البالغ عددها 54 دولة، والتي يقدر عدد سكانها بنحو 1.4 مليار نسمة.
وبحسب الأرقام التي عرضها الحوسني خلال الجلسة، ينمو سوق بيانات رصد الأرض بنحو 8% سنويًا، في حين يقترب نمو تحليلات الذكاء الاصطناعي المرتبطة بالبيانات الفضائية من 20%.
وتكتسب هذه التطبيقات أهمية خاصة للدول التي تواجه تحديات متداخلة في الأمن الغذائي وإدارة المياه والتوسع العمراني والتكيف مع تغير المناخ؛ إذ يمكن لبيانات الأقمار الاصطناعية أن تدعم مراقبة المحاصيل، ورصد تغير استخدامات الأراضي، وتقدير آثار الجفاف والفيضانات، وتحسين التخطيط للبنية التحتية.
لكن تحويل هذه الإمكانات إلى مكاسب فعلية يتطلب أكثر من إتاحة التكنولوجيا؛ إذ شدد الحوسني على أهمية وجود طلب حكومي واضح وممتد لعدة سنوات، بما يمنح شركات القطاع الخاص رؤية استثمارية مستقرة ويشجعها على توطين القدرات وتوسيع الخدمات.
اختناق في منصات الإطلاق يهدد نمو القطاع
على الرغم من توسع الاستثمارات الفضائية، لا تزال البنية التحتية اللازمة لإرسال المركبات إلى المدار تمثل تحديًا أمام الشركات.
وقال شاجو ستيفان، المدير التنفيذي لشركة «إي إي دي آي إتش» الهندية المتخصصة في روبوتات الفضاء وأنظمة توجيه الصواريخ، إن نحو 160 شركة تعمل على تطوير مركبات إطلاق فضائية، في وقت لا تتوافر فيه منصات إطلاق كافية لاستيعاب احتياجات السوق، وفقًا لما عرضه خلال الجلسة.
ودعا ستيفان الحكومات، خصوصًا في الدول القريبة من خط الاستواء، إلى دراسة الاستثمار في منصات إطلاق جديدة لتخفيف الاختناق التجاري الذي يواجه القطاع.
وتعكس هذه الدعوة جانبًا آخر من الفرص الاستثمارية؛ فالدخول إلى اقتصاد الفضاء لا يقتصر على صناعة الأقمار الاصطناعية أو تطوير التطبيقات، بل يشمل أيضًا البنية التحتية الأرضية والخدمات اللوجستية والتشغيلية التي تحتاج إليها الشركات.
ومع ذلك، فإن إنشاء منصات إطلاق يتطلب استثمارات رأسمالية كبيرة، وقدرات فنية وتنظيمية متقدمة، وتقييمًا دقيقًا للطلب المتوقع والمخاطر البيئية والأمنية؛ لذلك لا يمثل بالضرورة الخيار الأنسب لكل دولة نامية.
أكثر من 60% من النمو يأتي من الاقتصاد الحقيقي
من جانبها، أشارت إيفجينيا دروزهاشتشيك، نائبة مدير إدارة التعاون متعدد الأطراف بوزارة التنمية الاقتصادية الروسية، إلى أن أكثر من 60% من نمو اقتصاد الفضاء يأتي من قطاعات إنتاجية حقيقية، مثل الخدمات اللوجستية والزراعة.
واستعرضت أشكالًا مختلفة للتعاون الدولي، تشمل تقديم البيانات الفضائية بوصفها خدمة، وتوفير البنية التحتية، ونقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر.
وتبرز هذه الرؤية أهمية ربط الاستثمارات الفضائية باحتياجات الاقتصاد الفعلي، بدلًا من التعامل معها باعتبارها مشروعات تكنولوجية منفصلة عن بقية القطاعات.
فالقيمة الاقتصادية لا تتحقق بمجرد امتلاك القمر الاصطناعي أو جمع البيانات، وإنما من قدرة الشركات والمؤسسات على استخدام تلك البيانات لتحسين الإنتاجية، وخفض المخاطر، ورفع كفاءة الخدمات، وتطوير منتجات يمكن تسويقها محليًا ودوليًا.
من مشروع حكومي إلى أصل استثماري
عرض الخبير الاقتصادي في معهد أبحاث التمويل الرقمي بالصين، جيانغ تشو، ثمانية تحولات قال إنها أعادت تشكيل الاستثمار في الفضاء، من بينها انتقاله من مشروعات هندسية تقودها الحكومات إلى مجال يمكن أن يولد تدفقات مالية مستمرة، واتساع دور القطاع الخاص، وتغير دورات الاستثمار مع تطور التكنولوجيا والخدمات.
ودعا تشو صناديق الثروة السيادية الخليجية إلى توظيف قدراتها المالية في بناء تحالفات استراتيجية مع شركات التكنولوجيا الفضائية، وتطوير خدمات موجهة إلى قطاعات مثل الطيران والاتصالات.
ويعني هذا التحول أن اقتصاد الفضاء بات يفتح المجال أمام أنواع متعددة من المستثمرين، من صناديق الاستثمار والتمويل طويل الأجل إلى شركات التكنولوجيا والاتصالات والخدمات الجغرافية المكانية.
لكن اتساع الفرص لا يلغي المخاطر؛ إذ تتطلب الاستثمارات في هذا القطاع تقييمًا دقيقًا للطلب التجاري، والتغيرات التقنية السريعة، والتكاليف الرأسمالية، والأطر التنظيمية، إلى جانب مخاطر الحطام الفضائي واستدامة الأنشطة في المدار.
تحذير من استثمارات معزولة عن الاقتصاد المحلي
على الجانب التنظيمي، دعت الباحثة في معهد سياسات الفضاء الأوروبي إيوانا بيتريسكو الحكومات إلى دمج الشركات العاملة في الإلكترونيات والبرمجيات وغيرها من الصناعات في منظومة اقتصاد الفضاء، بدلًا من توجيه الأموال إلى كيانات معزولة لا ترتبط بقاعدة إنتاجية أوسع.
وتعكس هذه الدعوة أحد التحديات الأساسية أمام الدول النامية: فالحصول على تمويل أو جذب شركة أجنبية لا يضمن وحده بناء اقتصاد فضائي محلي قادر على الاستمرار.
وتحتاج هذه الدول إلى سياسات تربط الاستثمارات بالتدريب ونقل المعرفة وتطوير الموردين المحليين، فضلًا عن دعم البحث والتطوير وتوفير قواعد واضحة للتعامل مع البيانات والملكية الفكرية والمشتريات الحكومية.
ومن شأن هذه المقاربة أن توسع الفوائد الاقتصادية للقطاع، بحيث لا تقتصر على شراء الخدمات من الخارج، بل تشمل بناء شركات محلية وتوفير وظائف نوعية وتطوير حلول تناسب الاحتياجات الوطنية.
شراكة أممية لتمكين الاقتصادات النامية
في ختام الجلسة، أعلنت رئيسة منتدى الاستثمار العالمي نان لي كولينز تدشين شراكة بين مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد» ومكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي «أونوسا»، بهدف مساعدة الاقتصادات النامية على تعزيز جاهزيتها للاستثمار في الفضاء وتطوير أطرها التشريعية.
ومن المقرر إدراج نتائج الجلسة وتوصياتها ضمن التقرير الختامي للمنتدى، في خطوة تستهدف تحويل النقاشات إلى مسارات عملية لدعم الاستثمار في هذا القطاع.
وتأتي أهمية الشراكة من أن بناء اقتصاد فضائي لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها؛ بل يتطلب أيضًا مؤسسات قادرة على تنظيم السوق، وشركات تستطيع تحويل الابتكارات إلى منتجات، وتمويلًا طويل الأجل، وكفاءات بشرية مؤهلة.
ماذا تعني طفرة اقتصاد الفضاء للدول النامية؟
مع التوقعات بوصول حجم اقتصاد الفضاء إلى 1.8 تريليون دولار بحلول عام 2035، تبدو الفرصة أمام الدول النامية أوسع من سباق امتلاك الصواريخ والأقمار الاصطناعية. ويمكن أن تبدأ المشاركة من تصنيع المكونات الدقيقة، وتطوير البرمجيات، وتحليل بيانات رصد الأرض، وإقامة المحطات الأرضية، وتقديم حلول تخدم الزراعة والنقل وإدارة المياه ومواجهة تغير المناخ.
غير أن اقتناص هذه الفرص يتطلب تحديد المجالات التي تمتلك فيها كل دولة ميزة تنافسية، وبناء طلب محلي مستقر، وتطوير المهارات والبنية الرقمية، ووضع سياسات تشجع الاستثمار وتربط نقل التكنولوجيا بتوسيع القدرات المحلية.
فالرهان الحقيقي ليس على عدد الأقمار الاصطناعية التي تمتلكها الدولة، بل على قدرتها على تحويل التكنولوجيا الفضائية إلى إنتاجية ومعرفة وفرص عمل وقيمة اقتصادية مستدامة.
