الأرض تختفي من سماء المريخ لأول مرة.. «بيرسيفيرانس» يوثق المشهد التاريخي
لحظة لا تتكرر كثيرًا.. مركبة ناسا ترصد الأرض خلف قمر المريخ
في مشهد وصفته وكالة ناسا بأنه الأول من نوعه في تاريخ استكشاف الفضاء، تمكنت مركبة «بيرسيفيرانس» من تصوير الأرض وهي تختفي خلف قمر المريخ «فوبوس»، في حدث فلكي نادر تم رصده من سطح كوكب آخر.
والتقطت المركبة الصور بواسطة كاميرا Mastcam-Z في 2 يوليو 2026، خلال اليوم المريخي رقم 1907 من مهمتها، أثناء استكشافها سطح الكوكب الأحمر.
ويقدم المشهد صورة استثنائية للأرض من سطح عالم آخر، حيث تظهر كوكبنا كنقطة ضوئية صغيرة، بينما يتحرك القمر فوبوس أمامها حتى يحجبها بالكامل عن الرؤية للحظات.
لقاء نادر بين الأرض وفوبوس
أظهرت الصور الأرض وهي تتحرك من الجزء العلوي الأيسر من الإطار باتجاه الجزء السفلي الأيمن، بينما تحرك فوبوس من أسفل اليسار باتجاه أعلى اليمين.
وخلال سلسلة مؤلفة من خمس صور التُقطت في نحو 40 ثانية، تقاطع مسارا الجسمين في السماء، وفي الصورة الثالثة اختفت الأرض خلف الحافة المظلمة لقمر فوبوس.
ووصف جاستن ماكي، نائب الباحث الرئيسي في كاميرا Mastcam-Z وعالم التصوير في مهمة بيرسيفيرانس التابعة لمختبر الدفع النفاث «JPL» التابع لناسا، الصورة المركبة بأنها «صورة شخصية فريدة للأرض، التُقطت من سطح كوكب آخر، مع ظهور فوبوس كضيف مفاجئ في المشهد».
وتكتسب الصورة أهميتها من كونها تسجل من سطح المريخ لحظة اختفاء الأرض خلف جسم سماوي آخر، وهي زاوية رؤية لا يمكن تجربتها من سطح كوكبنا.

قمر صغير يقترب بشدة من المريخ
فوبوس هو أكبر قمري المريخ، لكنه صغير للغاية مقارنة بقمر الأرض، إذ يبلغ عرضه نحو 27 كيلومترًا عند أكبر نقطة فيه، كما يتميز بشكله غير المنتظم الذي يشبه حبة البطاطس.
في المقابل، يبلغ قطر قمر الأرض نحو 3475 كيلومترًا، أي أنه أوسع من فوبوس بأكثر من مئة مرة، لكن فوبوس يعوض صغر حجمه بقربه الشديد من المريخ.
فهو يدور حول الكوكب الأحمر على مسافة تقارب 7800 كيلومتر من سطحه، وهي مسافة صغيرة للغاية مقارنة بالمسافة التي تفصل الأرض عن قمرها، والبالغة نحو 384 ألف كيلومتر.
وهذا القرب الشديد يجعل فوبوس يبدو كبيرًا نسبيًا في سماء المريخ، إذ ظهر في صور بيرسيفيرانس بعرض يقارب ثلث الحجم الظاهري لقمر الأرض كما نراه من سطح كوكبنا.
الأرض ظهرت كنقطة ضوء واحدة
لعبت المسافة الهائلة بين الأرض والمريخ دورًا رئيسيًا في شكل المشهد، فعندما التقطت الصور، كانت المسافة بين الكوكبين نحو 314 مليون كيلومتر، أي أكثر من ضعف المسافة التي تفصل الأرض عن الشمس.
ومن هذه المسافة، ظهرت الأرض في صور بيرسيفيرانس كنقطة ضوء صغيرة للغاية، حتى إنها شغلت بكسلًا واحدًا تقريبًا في الإطار.
ولم تكن المحيطات أو القارات أو المدن مرئية من هذه المسافة، بل ظهر الكوكب بأكمله كنقطة ضوئية بعيدة.
وفي المقابل، كان فوبوس قريبًا بما يكفي لظهور حافته المظلمة أثناء تحركه أمام الأرض.
وهكذا لم يكن المشهد لقاءً بين جسمين متقاربين في الحجم الظاهري، وإنما كان قمرًا صخريًا قريبًا جدًا من المريخ يحجب نقطة ضوء بعيدة تمثل كوكبًا كاملًا.
مهمة تحتاج إلى التخطيط والحظ
لم يكن التقاط هذه اللحظة مجرد مصادفة، وتستكشف مركبة بيرسيفيرانس منطقة حافة فوهة «جيزيرو» على سطح المريخ منذ هبوطها على الكوكب في عام 2021.
والتقطت الصور في وقت قريب من الساعة السابعة مساءً بالتوقيت المحلي على المريخ، خلال فترة الشفق المسائي، بعد نحو 40 دقيقة من غروب الشمس.
وكان مارك ليمون، الباحث المشارك في كاميرا Mastcam-Z في معهد علوم الفضاء بمدينة بولدر الأمريكية، مسؤولًا عن التخطيط للرصد وتجهيز سلسلة الصور.
وأوضح ليمون أن فوبوس يعبر سماء المريخ ثلاث مرات يوميًا، بينما يمكن رؤية الأرض من المريخ لعدة أشهر متواصلة، لكن اصطفاف الجسمين بحيث يمر أحدهما مباشرة أمام الآخر يتطلب تخطيطًا دقيقًا وقليلًا من الحظ.
وتُدار كاميرا Mastcam-Z من جامعة ولاية أريزونا، بينما تولت شركة Malin Space Science Systems في سان دييغو تصميم الكاميرا وبناءها واختبارها.

ما الفرق بين الاحتجاب والكسوف والعبور؟
يحمل الحدث الذي سجلته بيرسيفيرانس اسمًا فلكيًا محددًا هو الاحتجاب (Occultation).
ويحدث الاحتجاب عندما يمر جسم سماوي يبدو أكبر من موقع الراصد أمام جسم آخر، فيحجبه عن الرؤية.
وفي حالة الصور الجديدة، ظهر فوبوس من موقع المركبة على سطح المريخ أمام الأرض، وتمكن من حجبها بالكامل.
لكن الاحتجاب يختلف عن الكسوف، فالكسوف يحدث عندما يتحرك جسم سماوي داخل ظل جسم آخر، كما يحدث خلال خسوف القمر عندما يمر القمر داخل ظل الأرض.
أما كسوف الشمس فيحدث عندما يمر القمر بين الأرض والشمس، فيحجب ضوء الشمس عن مناطق معينة من سطح الأرض.
وهناك أيضًا ظاهرة العبور (Transit)، التي تحدث عندما يمر جسم يبدو أصغر من جسم آخر أمامه.
وسبق لمركبة بيرسيفيرانس أن صورت ظواهر من هذا النوع على المريخ، عندما رصدت فوبوس والقمر الأصغر «ديموس» وهما يمران أمام قرص الشمس.
ويطلق البعض على هذه الظواهر اسم «كسوف شمسي على المريخ»، لكنها من الناحية الفلكية تُصنف كعمليات عبور، لأن القمرين المريخيين يبدوان أصغر بكثير من الشمس في سماء المريخ.
لماذا لا يتكرر المشهد بسهولة؟
رغم أن الأرض يمكن رؤيتها من المريخ خلال فترات زمنية طويلة، فإن التقاطها وهي تختفي تحديدًا خلف فوبوس يحتاج إلى هندسة مدارية دقيقة.
ويتحرك فوبوس بسرعة حول المريخ بسبب قربه الشديد من الكوكب، بينما تتغير الزاوية التي تظهر منها الأرض في سماء المريخ مع حركة الكوكبين حول الشمس.
ولهذا فإن اللحظة التي تصطف فيها الأرض وفوبوس والمركبة على خط الرؤية المناسب ليست متاحة في أي وقت.
ولم تحدد ناسا حتى الآن موعدًا لمحاولة تصوير احتجاب مماثل في المستقبل.
وقد تحصل بعثات المريخ القادمة على فرصة جديدة لتسجيل الحدث، إذا توافرت الظروف المدارية المناسبة وتمكنت المركبات من التخطيط للرصد في التوقيت الصحيح.
صورة للأرض من عالم آخر
تتجاوز أهمية الصور الجديدة مجرد كونها لقطة فلكية نادرة، فهي تقدم منظورًا مختلفًا تمامًا لكوكب الأرض.
فمن سطح المريخ، ظهرت الأرض كنقطة ضوء واحدة، قبل أن تختفي خلف قمر صغير لا يتجاوز عرضه بضعة كيلومترات.
وتحولت لحظة عابرة في سماء المريخ إلى مشهد يلخص المسافات الهائلة التي تفصل عوالم النظام الشمسي، ويكشف في الوقت نفسه مدى صغر كوكبنا عندما يُرى من مسافة ملايين الكيلومترات.
وأعلنت وكالة ناسا الصور ضمن تحديث لمهمة مركبة بيرسيفيرانس، ولم تصاحبها دراسة بحثية، لأن الهدف من الرصد كان توثيق الحدث وتصويره، وليس تقديم نتائج علمية لدراسة مستقلة.
ومع ذلك، فإن تسجيل اختفاء الأرض خلف فوبوس من سطح المريخ يضيف لحظة استثنائية إلى سجل استكشاف الكواكب، ويمنح البشر صورة جديدة لكوكبهم من عالم آخر.





