ملفات خاصةأخبارالتنوع البيولوجي

بعد قرن من الخطأ العلمي.. العلماء يكتشفون نوعًا جديدًا من أشجار الباوباب في مدغشقر

شجرة باوباب اختبأت 100 عام.. من 8 إلى 9 أنواع.. تحليل جيني يكشف نوعًا مستقلًا من الباوباب في مدغشقر

لأكثر من قرن، كانت إحدى مجموعات أشجار الباوباب في مدغشقر تعيش تحت هوية علمية خاطئة، بعدما صنّفها علماء النبات ضمن نوع آخر أكثر شيوعًا، قبل أن يكشف تحليل جيني حديث أنها تنتمي في الحقيقة إلى نوع مستقل بذاته.

وأظهرت دراسة جديدة أن الأشجار الموجودة شمال نهر سامبيرانو في مدغشقر، والتي كانت تُصنَّف على أنها من نوع Adansonia za، تختلف وراثيًا عن أفراد النوع الموجود جنوب النهر، رغم التشابه الكبير بين الأشجار عند النظر إليها من الأرض.

وكشفت التحليلات الجينية أن هذه الأشجار ترتبط بصورة أوثق بنوعين آخرين من الباوباب، هما Adansonia perrieri وAdansonia madagascariensis، وليس بالنوع الذي ظلت مدرجة تحته لأجيال.

وبذلك يرتفع عدد أنواع الباوباب المعروفة عالميًا إلى 9 أنواع، بينها نوع واحد في أستراليا، ونوع في البر الرئيسي الأفريقي، و7 أنواع في مدغشقر.

نوع واحد اتضح أنه نوعان

تُعد أشجار الباوباب من أكثر الأشجار تميزًا في العالم، بفضل جذوعها المنتفخة الضخمة وفروعها التي تبدو أحيانًا كأنها جذور ممدودة نحو السماء.

وكان العلماء يعرفون حتى وقت قريب 8 أنواع من الباوباب، يتركز معظمها في مدغشقر.

وكان النوع Adansonia za يُعتقد أنه يمتد عبر نطاق واسع من الغابات الجافة والسافانا في الجزيرة.

لكن ملاحظات ميدانية سابقة أشارت إلى وجود اختلافات طفيفة بين الأشجار المصنفة ضمن هذا النوع شمال نهر سامبيرانو وتلك الموجودة جنوبه.

وجاء التحليل الجيني ليقدم تفسيرًا واضحًا لهذه الاختلافات، مؤكدًا أن الأشجار الشمالية ليست مجرد مجموعة مختلفة من A. za، وإنما تمثل سلالة تطورية مستقلة.

وقادت نيسا كريمي هذا العمل ضمن أبحاث الدكتوراه في قسم علم النبات بجامعة ويسكونسن-ماديسون سابقًا، بالتعاون مع عالم النبات ديفيد بوم وباحثين من حديقة ميسوري النباتية وجامعة ولاية آيوا.

وقالت كريمي إن استمرار اكتشاف إجابات جديدة حول عدد أنواع الباوباب يكشف أن العلماء لا يزالون أمام أسئلة أساسية بشأن هذه الأشجار الفريدة وتنوعها على الجزيرة.

شجرة باوباب عملاقة في مدغشقر بجذعها المنتفخ وفروعها المرتفعة

الزهور كشفت ما لم تستطع الأوراق كشفه

لم يكن الاعتماد على شكل الأوراق كافيًا للتمييز بين الأنواع، إذ تتشابه أشجار الباوباب في مدغشقر بدرجة كبيرة، خصوصًا عند النظر إلى الأجزاء العليا من الأشجار.

لذلك لجأ الباحثون إلى الزهور باعتبارها مفتاحًا أكثر دقة للتعرف على الأنواع.

وتتميز أشجار الباوباب بفترة إزهار قصيرة نسبيًا؛ إذ يزهر كل نوع لنحو شهر واحد فقط في العام.

والأكثر تحديًا أن أزهارها تتفتح بعد حلول الظلام، وغالبًا ما تكون على ارتفاعات تتجاوز 30 مترًا فوق سطح الأرض.

ولهذا اضطرت كريمي إلى استخدام معدات تسلق متخصصة للوصول إلى الأشجار العملاقة ومراقبة أزهارها خلال الفترة المناسبة.

كما تطلبت الدراسة رحلات إلى مناطق نائية من مدغشقر، مع توقيت الزيارات بدقة لمواكبة موسم الإزهار، الذي قد ينتهي خلال أسابيع قليلة.

اكتشاف إجابات جديدة حول عدد أنواع الباوباب يكشف أن العلماء لا يزالون أمام أسئلة أساسية بشأن هذه الأشجار الفريدة
اكتشاف إجابات جديدة حول عدد أنواع الباوباب يكشف أن العلماء لا يزالون أمام أسئلة أساسية بشأن هذه الأشجار الفريدة

تحدٍ آخر.. الحصول على DNA سليم

بعد جمع عينات الأوراق وإرسالها إلى ولاية ويسكونسن، واجه الفريق مشكلة تقنية غير متوقعة.

فأنسجة أوراق الباوباب تحتوي على كميات كبيرة من عديدات السكاريد، وهي مركبات تجعل عملية طحن الأوراق وتحضيرها للتحليل الجيني صعبة.

وتحولت العينات أثناء المعالجة إلى مادة لزجة، بينما تكسرت جزيئات الحمض النووي DNA إلى أجزاء قصيرة، ما جعل الحصول على تسلسلات جينية طويلة وعالية الجودة أمرًا صعبًا.

وبعد تطوير طريقة لاستخلاص DNA يحافظ على سلامته، تمكن الباحثون من تحليل مئات الجينات من كل عينة، ثم مقارنة البيانات الوراثية بين أنواع الباوباب المختلفة.

وأظهرت النتائج بوضوح أن المجموعة الشمالية التي كانت تُصنف باعتبارها Adansonia za تمثل خطًا تطوريًا مختلفًا.

الشجرة التي ظلت لأكثر من 100 عام مختبئة خلف اسم نوع آخر لم تكشف فقط عن نوع جديد للعلم، بل فتحت أيضًا الباب أمام إعادة النظر في خريطة التنوع البيولوجي
الشجرة التي ظلت لأكثر من 100 عام مختبئة خلف اسم نوع آخر لم تكشف فقط عن نوع جديد للعلم، بل فتحت أيضًا الباب أمام إعادة النظر في خريطة التنوع البيولوجي

الاسم القديم يعود إلى الحياة

المثير في قصة النوع المكتشف أن العلماء لم يضطروا إلى ابتكار اسم علمي جديد له.

فالاسم كان موجودًا بالفعل منذ عام 1910، لكنه أُدرج لاحقًا ضمن Adansonia za بعدما افترض العلماء أن المجموعتين تنتميان إلى النوع نفسه.

وبعد ظهور الأدلة الجينية الجديدة، أعاد فريق البحث إحياء الاسم القديم، ليعيد بذلك الاعتراف العلمي بتميّز هذه الأشجار بعد أكثر من قرن من اختفاء هويتها التصنيفية.

ويستند الباحثون في هذا التصنيف إلى العلاقات التطورية بين الأشجار، إذ ينبغي أن تضم الأنواع مجموعات من الكائنات تكون أكثر قربًا من بعضها وراثيًا من قربها إلى الكائنات الموجودة خارج المجموعة.

وتشير الدراسة إلى أن التاريخ الجيولوجي لمدغشقر ربما لعب دورًا في عزل مجموعات من أشجار الباوباب، ما سمح بتطور سلالات مختلفة في مناطق منفصلة من الجزيرة.

أشجار الباوباب من أكثر الأشجار تميزًا في العالم، بفضل جذوعها المنتفخة الضخمة وفروعها
أشجار الباوباب من أكثر الأشجار تميزًا في العالم، بفضل جذوعها المنتفخة الضخمة وفروعها

اكتشاف النوع قد يغير أولويات الحماية

لا تتوقف أهمية الاكتشاف عند إعادة كتابة التصنيف العلمي للباوباب، إذ يمكن أن تكون له نتائج مباشرة على جهود حماية التنوع البيولوجي.

ويرى الباحثون أن النوع الذي جرى إحياء اسمه قد يكون مهددًا بالانقراض، خصوصًا أن نطاق انتشاره المعروف يبدو محدودًا.

وتعتمد جهود الحماية في كثير من الحالات على وجود نوع محدد علميًا وقابل للتقييم من حيث مستوى الخطر الذي يواجهه.

وبالتالي، فإن الاعتراف بهذه الأشجار باعتبارها نوعًا مستقلًا يمكن أن يساعد في توجيه برامج الحماية والتمويل إليها، وهو ما لم يكن متاحًا بالقدر نفسه عندما كانت مدرجة ضمن نوع أوسع انتشارًا.

وفي المقابل، فإن إعادة تصنيف هذه الأشجار تعني أن نطاق انتشار Adansonia za أصبح أصغر مما كان يُعتقد سابقًا، وهو ما قد يدفع العلماء إلى إعادة تقييم وضعه من ناحية الحماية.

وتزداد أهمية ذلك في ظل الضغوط التي تواجهها بعض مجموعات الباوباب في مدغشقر، حيث يعني تقلص النطاق الجغرافي للنوع انخفاض المساحة المتاحة أمامه للتكيف مع التغيرات والتهديدات البيئية.

وتلخص كريمي أهمية الاكتشاف بأن حماية أي نوع تبدأ بمعرفته ووصفه وتسميته وفهم علاقاته بالأنواع الأخرى في النظام البيئي.

هل تخفي مدغشقر أنواعًا أخرى؟

يعتقد الباحثون أن قصة الباوباب المكتشف حديثًا قد لا تكون الأخيرة.

وتشير البيانات التي جمعها الفريق إلى احتمال أن يحتاج نوع آخر، هو Adansonia rubrostipa، إلى إعادة تقييم مماثلة وربما تقسيمه إلى أكثر من نوع.

وينتشر هذا النوع بالفعل في مناطق واسعة من غرب مدغشقر، لكن بعض مجموعاته توجد في مناطق نائية لم تخضع لمسوح ميدانية وجينية كافية.

يرتفع عدد أنواع الباوباب المعروفة عالميًا إلى 9 أنواع
يرتفع عدد أنواع الباوباب المعروفة عالميًا إلى 9 أنواع

ويعتزم الباحثون إجراء دراسات إضافية على هذه المجموعات للتحقق مما إذا كانت تمثل سلالات مستقلة لم تُكتشف بعد.

وهكذا، فإن الشجرة التي ظلت لأكثر من 100 عام مختبئة خلف اسم نوع آخر لم تكشف فقط عن نوع جديد للعلم، بل فتحت أيضًا الباب أمام إعادة النظر في خريطة التنوع البيولوجي لواحدة من أكثر جزر العالم تفردًا.

الدراسة الكاملة نُشرت في دورية Taxon.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة