أخبارالاقتصاد الأخضر

كيف تتحول مصانع الأسمنت إلى آلات لسحب ثاني أكسيد الكربون من الهواء؟

من أكبر مصادر التلوث إلى مخزن للكربون.. مستقبل جديد لصناعة الأسمنت

في تحول قد يعيد رسم مستقبل واحدة من أكثر الصناعات استهلاكًا للطاقة وإطلاقًا للانبعاثات، كشفت دراسة حديثة أن مصانع الأسمنت يمكن أن تتحول مستقبلًا من مصدر رئيسي لثاني أكسيد الكربون إلى منشآت قادرة على سحب كميات من الكربون من الغلاف الجوي تفوق ما تطلقه، وذلك من خلال الجمع بين الأفران الكهربائية وتقنيات الالتقاط المباشر لثاني أكسيد الكربون من الهواء.

وتكتسب الفكرة أهمية خاصة لأن الأسمنت يدخل في بناء الأرصفة والأساسات والطرق والجسور والمنشآت في مختلف أنحاء العالم، بينما ترتبط صناعته بانبعاثات كربونية كبيرة نتيجة طبيعة العملية الصناعية نفسها، وليس فقط بسبب الوقود المستخدم في تشغيل الأفران.

وتشير التقديرات إلى أن صناعة الأسمنت مسؤولة عن نحو 5% إلى 8% من انبعاثات غازات الدفيئة العالمية، ما يجعل إزالة الكربون من هذه الصناعة واحدة من أصعب وأهم تحديات التحول إلى اقتصاد منخفض الانبعاثات.

الحجر الجيري.. قلب المشكلة والحل

تبدأ صناعة الأسمنت عادةً بتسخين الحجر الجيري إلى درجات حرارة مرتفعة جدًا، في عملية تعرف باسم التكليس.

وخلال هذه العملية يتحلل الحجر الجيري إلى الجير الحي وثاني أكسيد الكربون، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من الانبعاثات لا يأتي من حرق الفحم أو الغاز لتوفير الحرارة فقط، وإنما ينتج مباشرة من التفاعل الكيميائي الذي يحدث داخل الفرن.

وهنا تظهر المفارقة التي تستند إليها الدراسة الجديدة، فالتفاعل الكيميائي المستخدم في إنتاج الأسمنت يمكن دمجه مع تقنية تعرف باسم الالتقاط المباشر للهواء (Direct Air Capture – DAC)، والتي تعمل على استخراج ثاني أكسيد الكربون مباشرة من الهواء المحيط بدلًا من التقاطه من مداخن المصانع.

ودرس فريق من الباحثين في مجموعة هندسة أنظمة الطاقة والعمليات في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ (ETH Zurich)، بقيادة الباحثة فيتوريا بولونغارو، إمكانية الجمع بين صناعة الأسمنت وتقنية الالتقاط المباشر للهواء باستخدام ما يعرف بـالحلقة الكلسية أو Calcium Looping.

كيف تعمل التقنية؟

تعتمد الحلقة الكلسية على دورة متكررة للحجر الجيري ومركبات الكالسيوم.

ويُسخن الحجر الجيري المسحوق أولًا، ما يؤدي إلى إطلاق ثاني أكسيد الكربون وتكوين الجير الحي. وبعد ذلك يمكن معالجة الجير بالماء لإنتاج الجير المطفأ، الذي يستطيع امتصاص ثاني أكسيد الكربون من الهواء المحيط.

ومع امتصاص الكربون، يتحول المركب مرة أخرى إلى حجر جيري يمكن تسخينه مجددًا.

وهذه الدورة تتيح استخدام المادة نفسها في التقاط الكربون ثم إعادة تشغيلها، بما يفتح المجال أمام دمج عملية إزالة الكربون مع عملية تصنيع الأسمنت.

لكن تحقيق الفائدة المناخية الكاملة يتطلب تغييرًا جوهريًا في مصدر الحرارة المستخدم داخل مصنع الأسمنت.

تحقيق الفائدة المناخية الكاملة يتطلب تغييرًا جوهريًا في مصدر الحرارة المستخدم داخل مصنع الأسمنت.
تحقيق الفائدة المناخية الكاملة يتطلب تغييرًا جوهريًا في مصدر الحرارة المستخدم داخل مصنع الأسمنت.

الفرن الكهربائي بدلًا من الفحم والغاز

تقترح الدراسة استبدال الأفران التي تعتمد على حرق الوقود الأحفوري بأفران كهربائية.

وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن الفرن التقليدي لا ينتج فقط ثاني أكسيد الكربون الناتج عن تكليس الحجر الجيري، وإنما يضيف إليه انبعاثات ناتجة عن احتراق الفحم أو الغاز أو غيرهما من أنواع الوقود.

أما عند استخدام الكهرباء، وخصوصًا إذا كانت مولدة من مصادر منخفضة الكربون مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، فيمكن تقليل هذه الانبعاثات بدرجة كبيرة.

كما يصبح ثاني أكسيد الكربون الناتج مباشرة عن عملية التكليس أكثر سهولة في الالتقاط والفصل، قبل نقله إلى مواقع التخزين الجيولوجي بدلًا من إطلاقه إلى الغلاف الجوي.

وبحسب الحسابات التي أجراها الباحثون، فإن الجمع بين كهرباء الأفران والتقاط ثاني أكسيد الكربون المركز الناتج عن التكليس يمكن أن يخفض الأثر المناخي لصناعة الأسمنت بنحو 78% بحلول عام 2050.

تجربة تجارية وفرت بيانات حقيقية

أحد أبرز عناصر الدراسة أنها لم تعتمد فقط على نماذج نظرية أو تجارب مختبرية، وإنما استندت إلى بيانات منشأة تجارية تعمل بالفعل.

واعتمد الباحثون على تجربة شركة Heirloom Carbon Technologies، التي تشغل منذ عام 2023 منشأة تجارية لتقنية الحلقة الكلسية لالتقاط الكربون في ولاية كاليفورنيا الأمريكية.

وتبلغ قدرة المنشأة نحو 1100 طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، أي ما يعادل نحو 1000 طن متري.

كما تخطط الشركة لإنشاء منشأة أكبر في ولاية لويزيانا خلال السنوات المقبلة.

وأتاح التعاون مع المنشأة التجارية للباحثين استخدام بيانات تشغيلية حقيقية بدلًا من الاعتماد على افتراضات مختبرية فقط، وهو ما ساعد في تقييم الأثر البيئي للتقنية على امتداد دورة حياتها.

وشملت الدراسة مراحل تبدأ من استخراج الحجر الجيري، مرورًا ببناء وتشغيل منشآت الالتقاط، وصولًا إلى نقل ثاني أكسيد الكربون وتخزينه تحت الأرض.

المستقبل قد لا يكون مجرد «أسمنت أقل انبعاثًا»، وإنما أسمنت قادر على لعب دور في إزالة الكربون نفسه

الكهرباء هي العامل الحاسم

رغم الإمكانات الكبيرة للتقنية، فإنها ليست حلًا سحريًا للمشكلة المناخية.

فالالتقاط المباشر لثاني أكسيد الكربون من الهواء يحتاج إلى كميات كبيرة من الطاقة، ولذلك فإن مصدر الكهرباء المستخدم في تشغيل المنشأة يمكن أن يحدد ما إذا كانت العملية تحقق بالفعل إزالة صافية للكربون أم تضيف انبعاثات جديدة بصورة غير مباشرة.

ولهذا اختبر الباحثون عدة سيناريوهات للطاقة.

أحدها يعتمد على مزيج الكهرباء المتاح حاليًا في الولايات المتحدة، بينما يفترض سيناريو آخر شبكة كهرباء أكثر اعتمادًا على طاقة الرياح والطاقة الشمسية، في حين يعتمد السيناريو الثالث على منظومة مستقلة تضم ألواحًا شمسية وبطاريات لتوفير الكهرباء اللازمة لعملية الالتقاط.

وأظهرت النتائج أن منشآت الحلقة الكلسية التجارية يمكن أن تحقق بصمة كربونية سالبة عند دمجها مع تخزين ثاني أكسيد الكربون، أي أن كمية ثاني أكسيد الكربون التي تتم إزالتها من الغلاف الجوي على مدار دورة حياة النظام يمكن أن تتجاوز الانبعاثات الناتجة عن تشغيله وتصنيعه.

وتراوحت كفاءة إزالة ثاني أكسيد الكربون المتوقعة بحلول عام 2050 بين 85% و96%، وفقًا لمزيج الطاقة المستخدم في السيناريوهات المختلفة.

الدمج بين الكيمياء التقليدية للحجر الجيري وتقنيات الالتقاط المباشر للهواء، مع تشغيل الأفران بالكهرباء النظيفة وتخزين ثاني أكسيد الكربون
الدمج بين الكيمياء التقليدية للحجر الجيري وتقنيات الالتقاط المباشر للهواء، مع تشغيل الأفران بالكهرباء النظيفة وتخزين ثاني أكسيد الكربون

كل طن من الكربون المسحوب له تكلفة مناخية

حتى في أنظمة التقاط الكربون، لا تكون عملية الإزالة خالية تمامًا من الانبعاثات.

فبحسب الدراسة، مقابل كل 1000 كيلوجرام من ثاني أكسيد الكربون تتم إزالتها من الهواء، يمكن أن تنتج المنظومة ما يقرب من 40 إلى 150 كيلوجرامًا من الانبعاثات في أجزاء أخرى من دورة التشغيل.

ويعني ذلك أن الوصول إلى أفضل النتائج يتطلب كهرباء منخفضة الانبعاثات، وأن الاعتماد على الوقود الأحفوري لتشغيل منظومة التقاط الكربون قد يقلل بدرجة كبيرة من الفائدة المناخية المتوقعة.

ولهذا تبدو الطاقة الشمسية وطاقة الرياح عنصرين أساسيين في المعادلة، وليس مجرد إضافة لتحسين الأداء البيئي.

الأسمنت نفسه يمكن أن يصبح سالب الكربون

الأكثر إثارة في الدراسة أن الباحثين لم يكتفوا بدراسة منشأة مستقلة لالتقاط الكربون، وإنما بحثوا إمكانية دمج دورة التقاط الكربون مباشرة مع صناعة الأسمنت.

وفي أحد السيناريوهات، جرى تمرير الكالسيوم خلال دورة الالتقاط مرة واحدة فقط، بحيث يمتص ثاني أكسيد الكربون من الهواء قبل استخدام الحجر الجيري الناتج في صناعة الأسمنت.

وأظهرت الحسابات أن الأسمنت الناتج يمكن أن يصبح سالب الانبعاثات، إذ يمكن لكل طن من الأسمنت المنتج بهذه الطريقة أن يزيل نحو 150 كيلوجرامًا من ثاني أكسيد الكربون أكثر مما يطلقه النظام إلى الغلاف الجوي، وفقًا لنتائج الدراسة.

وهذا يعني أن المنتج النهائي لا يقتصر دوره على تقليل الانبعاثات، وإنما يمكن أن يمثل وسيلة لإزالة الكربون من الغلاف الجوي إذا جرى تشغيل المنظومة بالطريقة المناسبة.

مليار طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا

اختبر الباحثون كذلك سيناريو للتوسع الكبير في هذه التقنية، مع التقاط نحو مليار طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا.

وأظهرت الحسابات أن التأثيرات البيئية غير المرتبطة بالكربون ستظل بحاجة إلى إدارة، خصوصًا التأثيرات المرتبطة بسلسلة إمداد الطاقة، بما في ذلك تلوث الجسيمات الدقيقة وتلوث المياه.

وهنا يظهر تحدٍ أساسي في تقنيات إزالة الكربون: نجاحها لا يُقاس فقط بكمية ثاني أكسيد الكربون التي تلتقطها، وإنما أيضًا بحجم الموارد والطاقة والمياه والمواد الخام المطلوبة لتحقيق ذلك.

هل تصبح مصانع الأسمنت مصائد للكربون؟

لا تتجه الأبحاث العالمية إلى مسار واحد لخفض الانبعاثات الناتجة عن الأسمنت.

فهناك مشروعات تعمل على استبدال جزء من المواد الخام التقليدية بمواد أقل انبعاثًا، وأخرى تركز على استخدام مواد إسمنتية بديلة، بينما تستهدف تقنيات أخرى التقاط ثاني أكسيد الكربون الناتج عن العملية الصناعية وحقنه في الخرسانة.

لكن دمج الأفران الكهربائية مع الالتقاط المباشر للهواء والحلقة الكلسية وتخزين الكربون يطرح مسارًا مختلفًا، لأنه لا يكتفي بتقليل الانبعاثات الناتجة عن صناعة الأسمنت، بل يفتح الباب أمام إزالة كميات إضافية من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي.

ومع ذلك، لا تزال هناك عقبات كبيرة قبل الانتقال من النماذج والحسابات إلى المصانع التجارية واسعة النطاق.

: الحجر الجيري الذي يمثل أحد مصادر الانبعاثات في صناعة الأسمنت يمكن أن يصبح أيضًا جزءًا من الحل المناخي.
: الحجر الجيري الذي يمثل أحد مصادر الانبعاثات في صناعة الأسمنت يمكن أن يصبح أيضًا جزءًا من الحل المناخي.

التكنولوجيا لم تختبر بعد على نطاق صناعة الأسمنت

أحد أهم التحديات أن الأفران الكهربائية القادرة على توفير درجات الحرارة المطلوبة لصناعة الأسمنت على النطاق الصناعي الكبير لا تزال في مرحلة التطوير.

كما أن غالبية مصانع الأسمنت الحالية تعتمد بدرجات مختلفة على الوقود الأحفوري، ما يعني أن الانتقال إلى الكهرباء يحتاج إلى استثمارات ضخمة في المعدات والبنية التحتية وشبكات الكهرباء.

وهناك تحدٍ آخر يتعلق بمصدر الكهرباء نفسه.

فإذا جاءت الكهرباء المستخدمة في تشغيل الأفران ومنظومة التقاط الكربون من محطات مرتفعة الانبعاثات، فإن جزءًا من الكربون الذي تتم إزالته من الهواء سيُقابله كربون جديد ناتج عن إنتاج الطاقة.

أما إذا اعتمد المصنع على كهرباء متجددة ومنخفضة الانبعاثات، فإن فرص تحقيق بصمة كربونية سالبة تصبح أكبر بكثير.

التكلفة.. السؤال الأصعب

ويبقى العامل الاقتصادي أحد أكبر الأسئلة التي لم تحسمها الدراسة.

فإنشاء أفران كهربائية، ومنشآت لالتقاط الكربون من الهواء، وأنظمة لنقل ثاني أكسيد الكربون وتخزينه تحت الأرض، يتطلب استثمارات ضخمة.

كما أن صناعة الأسمنت من الصناعات شديدة الحساسية للتكلفة، نظرًا إلى اعتماد قطاعات البناء والبنية التحتية عليها في مختلف أنحاء العالم.

وبالتالي، فإن قدرة الأسمنت سالب الكربون على المنافسة تجاريًا ستعتمد على عدة عوامل، من بينها انخفاض تكلفة الكهرباء المتجددة، وتطور تقنيات التقاط الكربون، وتوافر مواقع التخزين الجيولوجي، إلى جانب السياسات الحكومية وأسعار الكربون والحوافز الموجهة للصناعات الثقيلة.

من مصدر للانبعاثات إلى أداة لإزالة الكربون

تكشف الدراسة في النهاية عن مفارقة لافتة: الحجر الجيري الذي يمثل أحد مصادر الانبعاثات في صناعة الأسمنت يمكن أن يصبح أيضًا جزءًا من الحل المناخي.

فالدمج بين الكيمياء التقليدية للحجر الجيري وتقنيات الالتقاط المباشر للهواء، مع تشغيل الأفران بالكهرباء النظيفة وتخزين ثاني أكسيد الكربون، يمكن أن يحول مصنع الأسمنت من منشأة تطلق الكربون إلى نظام قادر على سحب الكربون من الغلاف الجوي.

لكن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب تطوير التكنولوجيا، وخفض التكلفة، وتوفير كميات ضخمة من الكهرباء النظيفة، وإثبات قدرة الأفران الكهربائية ومنظومات الالتقاط على العمل بكفاءة على المستوى الصناعي.

وبالتالي، فإن المستقبل قد لا يكون مجرد «أسمنت أقل انبعاثًا»، وإنما أسمنت قادر على لعب دور في إزالة الكربون نفسه، إذا نجحت الصناعة في الانتقال من حرق الوقود الأحفوري إلى الكهرباء النظيفة وربط الإنتاج بمنظومات فعالة لالتقاط وتخزين ثاني أكسيد الكربون.

ونُشرت الدراسة الكاملة في دورية Chem Circularity، وتستند إلى تقييم دورة الحياة الكاملة لتقنية الحلقة الكلسية، بدءًا من استخراج الحجر الجيري وصولًا إلى تخزين الكربون الناتج عن عملية الالتقاط.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة