نموذج جديد يربط بين انبعاثات الشركات وخسائر المناخ.. بداية لمحاسبة الملوثين
ثورة في قاعات المحاكم.. أداة علمية تُمكّن من تحميل شركات الوقود الأحفوري مسؤولية الكوارث المناخية
في عام 2008، رفعت بلدة ساحلية صغيرة في كيفالينا، ألاسكا، دعوى قضائية ضد عدة شركات نفط وغاز كبرى، من بينها إكسون موبيل، متهمة إياها بالتسبب في تآكل سواحلها من خلال انبعاثات غازات الدفيئة التي تسهم في ارتفاع حرارة المناخ.
غير أن محكمة الاستئناف الأمريكية رفضت الدعوى، معتبرة أن الأدلة غير كافية لربط الانبعاثات التي تنتجها هذه الشركات بتآكل السواحل.
وفي فرنسا عام 2024، تقدم نشطاء بيئيون بشكوى جنائية ضد المساهمين الرئيسيين وأعضاء مجلس إدارة شركة توتال إنرجي، متهمين الشركة بأن الوقود الأحفوري الذي تستخرجه تسبب في فيضانات وعواصف دمرت ممتلكات وألحقت أضرارًا لا رجعة فيها بالتنوع البيولوجي.

وعلى الرغم من اعتراف المحكمة الجنائية في باريس بوجود أضرار ناجمة عن تغير المناخ عمومًا، فإنها رفضت الدعوى أيضًا بسبب عدم كفاية الأدلة التي تربط أنشطة توتال بتلك الأضرار.
العلم لا يرقى إلى مستوى الدليل القانوني المطلوب
لكن، بين عامي 2008 و2024، شهد علم المناخ تطورًا كبيرًا في قدرته على فهم كيف تؤثر الأنشطة البشرية المحددة في المناخ، وتُسهم في حدوث حرائق الغابات، وموجات الحر، والفيضانات المفاجئة.
ومع ذلك، ما زالت المحاكم ترى أن هذا العلم لا يرقى إلى مستوى الدليل القانوني المطلوب لتحميل المسؤولية.
يُعزى ذلك إلى أن علم إسناد المناخ التقليدي غالبًا ما يعجز عن تقديم أدلة قاطعة تفي بالمعايير القانونية لإثبات المسؤولية.
فعلى سبيل المثال، أشارت فتوى استشارية حديثة صادرة عن محكمة العدل الدولية إلى أن الدول تتحمل مسؤولية التعامل مع تغير المناخ، وأنه يمكن ربط الأفعال أو الإهمال الخاطئ لدولة معينة بالأضرار المناخية الناتجة، رغم ذلك، كثيرًا ما يفشل المدّعون في إثبات هذا الربط أمام القضاء.

أداة جديدة.. تقنيات أقل غموضًا
مؤخرًا، قدمت دراسة جديدة نموذجًا حوسبيًا يُعرف باسم “النموذج المتكامل للإسناد”، يمكنه تقليص مستوى الغموض العلمي في ربط الانبعاثات الصادرة عن جهة معينة بالأضرار المناخية الناتجة عنها.
ويُعتقد أن هذا النموذج يمكن أن يُعزز قدرة المتقاضين على تحميل الكيانات الملوثة للمناخ المسؤولية القانونية.
كيف يعمل النموذج؟
يعتمد النموذج على ثلاث خطوات رئيسية:
– محاكاة تاريخية: باستخدام بيانات انبعاثات تاريخية من قواعد بيانات مثل “كاربون ميجر”، يتم محاكاة سيناريوهين: أحدهما يُمثّل العالم الحقيقي بانبعاثات الشركات، والثاني بدون انبعاثات شركة معينة، يُحسب الفرق في الانبعاثات وتأثيره على زيادة درجة حرارة الأرض.
– ربط حراري موضعي: يُستخدم هذا الفرق لربط الاحترار الناتج بتغيرات في شدة موجات الحر في منطقة معينة، على سبيل المثال، يمكن للنموذج تقدير مدى ارتفاع درجات حرارة أشد خمسة أيام في العام بسبب انبعاثات شركة محددة.
– تقدير الخسائر الاقتصادية: يُقدّر النموذج الأثر الاقتصادي لموجات الحر الناتجة، كخسائر الإنتاج الزراعي وانخفاض الإنتاجية، ويُعطي رقمًا بالدولار لقيمة الخسائر المنسوبة لانبعاثات الشركة.
بهذا التسلسل، يصبح بالإمكان تتبع العلاقة بين انبعاثات شركة ما والخسائر الاقتصادية المباشرة، مما يفتح الباب أمام تحميل الملوّثين المسؤولية المالية عن الأضرار.

أرقام ضخمة وأبعاد قانونية
تقدّر الدراسة أن انبعاثات شركة شيفرون وحدها تسببت في خسائر اقتصادية تتراوح بين 791 مليار دولار و3.6 تريليون دولار بسبب الحرارة بين عامي 1991 و2020.
كما تشير إلى أن غياب انبعاثات 111 من كبرى شركات الوقود الأحفوري، مثل إكسون موبيل، وبي بي، وأرامكو، وغازبروم، كان سيجعل الاقتصاد العالمي أغنى بنحو 28 تريليون دولار.

فرص جديدة أمام المتقاضين
ارتفع عدد القضايا المرفوعة ضد شركات الوقود الأحفوري بشكل ملحوظ منذ عام 2015، حيث تم تقديم نحو 230 قضية، ثلثاها بين 2020 و2024، في هذه القضايا، يمكن أن يكون النموذج المتكامل أداة حاسمة.
فهو يساعد المتقاضين على اجتياز اختبارات قانونية معروفة مثل اختبار “لولا ذلك”، الذي يتطلب إثبات أن الضرر لم يكن ليقع لولا انبعاثات شركة محددة.
كما يلبي معيار “المسؤولية النسبية”، الذي يُقدر مدى مساهمة شركة ما في تفاقم الضرر أو زيادة المخاطر.
وتكمن قوة هذا النموذج في قدرته على الربط بين الاحترار العالمي وكوارث محلية محددة، مثل “قبة الحرارة” التي ضربت شمال غرب المحيط الهادئ عام 2021، وهو أمر يرفع من فرص النجاح في القضايا البيئية التي تركز على أحداث كارثية واحدة.
وتبرز أهمية هذه الأداة بشكل خاص في قضايا العدالة المناخية، حيث يتضرر الجنوب العالمي بشكل غير متناسب من انبعاثات ناتجة في الأساس عن شركات في الشمال.
الحدود والتحديات
رغم دقة هذا النموذج، لا تزال هناك تحديات، منها عدم وجود معايير عالمية موحدة لتقييم الأدلة العلمية في المحاكم.
وهذا يعني أن قبول هذا النوع من الأدلة قد يختلف من قضاء إلى آخر، وربما تُفرض متطلبات إثبات أكثر صرامة.
كما تعتمد شركات الوقود الأحفوري في دفاعها على حجة أن منتجاتها أسهمت في التنمية وتلبية احتياجات البشر، وهي حجة تتجاهل حجم الأضرار طويلة الأجل التي سببتها.
لكن مع تصاعد المخاطر المناخية، يكتسب النموذج المتكامل للإسناد أهمية بالغة، بوصفه أداة علمية قد تُغيّر قواعد اللعبة في معارك التقاضي المناخي عالميًا.





