أخبارتغير المناخ

تغير المناخ قد يحول المزيد من البحيرات إلى «مناطق ميتة» خالية من الأكسجين

دراسة عالمية: الاحترار يهدد البحيرات النقية بنقص الأكسجين بحلول نهاية القرن

لطالما اعتبر خبراء إدارة الموارد المائية أن البحيرات الصافية والفقيرة بالمغذيات مؤشرًا على جودة البيئة المائية وصحتها، إذ إن انخفاض مستويات المغذيات والطحالب كان يُنظر إليه باعتباره عاملًا يقلل من مخاطر تدهور النظام البيئي.

إلا أن دراسة عالمية جديدة تشير إلى أن هذا الافتراض قد لا يكون صحيحًا دائمًا، إذ يمكن لارتفاع درجات الحرارة وحده أن يؤدي إلى استنزاف الأكسجين من أعماق البحيرات، حتى في المياه التي تبدو نظيفة وصحية.
وقد نُشرت الدراسة في مجلة Communications Sustainability.

كيف تفقد البحيرات الأكسجين؟

خلال فصل الصيف تتشكل طبقة سطحية دافئة وخفيفة فوق طبقة أعمق وأكثر برودة وكثافة، ما يمنع اختلاط المياه بين الطبقتين.

وتُعرف هذه الظاهرة باسم «التطبق الحراري»، حيث تصبح المياه العميقة معزولة عن الهواء الموجود فوق سطح البحيرة.

وفي هذه البيئة المغلقة تستهلك البكتيريا الأكسجين المذاب أثناء تحلل الطحالب والمواد العضوية التي تهبط إلى القاع.

ومع استمرار العزل وعدم تجدد الأكسجين، تبدأ المستويات بالانخفاض تدريجيًا حتى تصل في بعض الحالات إلى مستويات حرجة.

وقادت الدراسة الباحثة ليبا جي. تي. نكوالالي من مركز هيلمهولتز لأبحاث البيئة في مدينة ماغديبورغ الألمانية، حيث سعى الفريق إلى فهم كيفية تطور هذه الظاهرة مع استمرار الاحترار العالمي.

الاحترار يهدد البحيرات

دراسة عالمية حتى عام 2099

اعتمد الباحثون على نماذج متقدمة لمحاكاة أوضاع 73 بحيرة موزعة على مختلف المناطق المناخية في العالم حتى نهاية القرن الحالي.

وجمعت الدراسة بين ثلاثة نماذج للبحيرات وخمسة نماذج مناخية مختلفة، مع اختبار عدة سيناريوهات لارتفاع درجات الحرارة تتراوح بين المعتدلة والحادة.

كما صنف العلماء البحيرات وفق مستويات المغذيات الموجودة فيها، بين بحيرات فقيرة بالمغذيات وأخرى غنية بها وتشهد نموًا كثيفًا للطحالب.

وتُعد هذه الدراسة الأولى من نوعها التي تتنبأ بمستقبل الأكسجين في أعماق البحيرات على المستوى العالمي مع مراعاة اختلاف مستويات المغذيات.

الاحترار يهدد البحيرات
الاحترار يهدد البحيرات

الاحترار يسرّع فقدان الأكسجين

تشير النتائج إلى أنه في سيناريو الاحترار المرتفع قد تظهر المناطق شبه الخالية من الأكسجين قبل موعدها المعتاد بنحو شهر كامل بحلول عام 2099.

كما يُتوقع أن يطول موسم التطبق الحراري بحوالي 50 يومًا إضافيًا، ما يمنح البكتيريا وقتًا أطول لاستهلاك الأكسجين الموجود في المياه العميقة.

وفي البحيرات الغنية بالمغذيات، قد ترتفع نسبة الفترة التي تعاني من نقص حاد في الأكسجين من نحو 40% حاليًا إلى قرابة 60% بحلول نهاية القرن.

مفاجأة في البحيرات النقية

تكمن إحدى أبرز نتائج الدراسة في أن البحيرات الفقيرة بالمغذيات، والتي طالما اعتُبرت أقل عرضة للخطر، ليست بمنأى عن التأثيرات المناخية.

فوفقًا للسيناريو الأكثر تشاؤمًا، قد ترتفع نسبة هذه البحيرات التي تعاني من مناطق خالية من الأكسجين في الأعماق من نحو 13% حاليًا إلى أكثر من نصف البحيرات المدروسة بحلول نهاية القرن.

كما قد تتوسع حالات نقص الأكسجين الأقل حدة لتشمل ما يصل إلى ثلاثة أرباع هذه البحيرات.

الاحترار يهدد البحيرات

بحيرة تاراويرا نموذجًا

استشهد الباحثون ببحيرة تاراويرا في نيوزيلندا باعتبارها مثالًا واضحًا على هذا الخطر.

فعلى الرغم من أن البحيرة تتميز بمياهها الصافية وانخفاض مستويات المغذيات فيها، فإن النماذج تتوقع أن تعاني من أكثر من 40 يومًا من نقص الأكسجين الحاد بحلول نهاية القرن.

وتشير النتائج إلى أن درجة حرارة المياه وعمق البحيرة قد يكونان عاملين أكثر تأثيرًا من مستويات المغذيات في بعض الحالات.

بحيرة تاراويرا في نيوزيلندا

آثار بيئية واقتصادية واسعة

يشكل نقص الأكسجين تهديدًا مباشرًا للكائنات الحية التي تعيش في المياه العميقة، خاصة الأسماك التي تحتاج إلى بيئات باردة وغنية بالأكسجين خلال فصل الصيف.

كما أن نقص الأكسجين يؤدي إلى إطلاق الفوسفور المخزن في الرواسب إلى المياه، ما يغذي نمو المزيد من الطحالب ويخلق حلقة مفرغة من التدهور البيئي.

ولا تقتصر التداعيات على الحياة المائية فحسب، بل تمتد إلى موارد مياه الشرب، حيث تصبح معالجة المياه أكثر صعوبة وتكلفة عندما تتحول الأعماق إلى مناطق فقيرة بالأكسجين.

إضافة إلى ذلك، يمكن أن تسهم هذه الظروف في زيادة انبعاث بعض الغازات الدفيئة، ما يعزز تأثيرات تغير المناخ.

كيف يمكن الحد من المشكلة؟

يرى الباحثون أن الاحترار العالمي يمثل المحرك الرئيسي لهذه الظاهرة، لكن تقليل تدفق المغذيات من الأراضي الزراعية وشبكات الصرف الصحي ومياه الأمطار يمكن أن يساعد في الحد من تفاقمها.

فكلما انخفضت كميات المغذيات التي تصل إلى البحيرات، تراجع نمو الطحالب وبالتالي انخفض استهلاك الأكسجين في الأعماق.

كما يمكن في بعض البحيرات ذات الأهمية الخاصة، مثل خزانات مياه الشرب، استخدام تقنيات ضخ الأكسجين إلى الأعماق للحفاظ على جودة المياه، رغم ارتفاع تكاليف هذه الحلول.

الأنهار والمياه العذبة
البحيرات

إعادة تقييم مفهوم صحة البحيرات

تؤكد الدراسة أن فقدان الأكسجين في أعماق البحيرات قد يصبح ظاهرة أكثر انتشارًا على مستوى العالم خلال العقود المقبلة، ولن يقتصر على البحيرات الملوثة أو الغنية بالمغذيات فقط.

وتكشف النتائج أن ارتفاع درجات الحرارة وحده قادر على دفع بعض البحيرات نحو تكوين مناطق ميتة خالية من الأكسجين، حتى وإن بدت مياهها صافية ونظيفة.

وبذلك يصبح تقييم صحة البحيرات مستقبلًا مرتبطًا ليس فقط بمستويات التلوث والمغذيات، بل أيضًا بقدرتها على مواجهة آثار الاحترار العالمي المتسارع.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading