ملفات خاصةأهم الموضوعاتأخبارصحة الكوكب

الهواء الأنظف يكشف «الاحترار الخفي» الناتج عن ضعف قدرة السحب على عكس الشمس

تحسّن جودة الهواء حجب تأثير تبريد مهم للسحب البحرية لسنوات طويلة

يتقدّم الشتاء في نصف الكرة الشمالي، مصحوبًا بأيام باردة وغائمة. وتؤدي السحب دورًا محوريًا في النظام البيئي؛ فهي لا توفر الأمطار فحسب، بل تعمل أيضًا على عكس جزء من أشعة الشمس قبل وصولها إلى سطح الأرض.

غير أن سحب شمال الأطلسي وشمال شرق المحيط الهادئ أصبحت أقل قدرة على عكس ضوء الشمس بين عامي 2003 و2022، ما سمح لمزيد من الإشعاع الشمسي بالوصول إلى سطح المياه، ورفع درجات حرارة سطح البحر.

وأظهرت دراسة حديثة أن الجهود العالمية لتحسين جودة الهواء ساهمت دون قصد في تسريع وتيرة الاحترار العالمي عبر تغييرات طرأت على السحب.

فبرغم الفوائد الصحية الكبيرة للهواء الأنظف، أدى انخفاض الجسيمات الدقيقة في الغلاف الجوي إلى تقليل التأثير التبريدي للسحب، ما ساعد على زيادة درجات الحرارة.

التغيرات الملحوظة في السحب ودرجة حرارة سطح البحر والهباء الجوي

سحب أكثر قتامة ودرجات حرارة أعلى

اعتمد الباحثون على بيانات الأقمار الصناعية خلال عقدين لتحليل تأثير تغيّر مستويات الجسيمات الدقيقة وارتفاع حرارة المناخ على السحب.

وكشفت البيانات أن السحب المنخفضة في النصف الشمالي للأرض فقدت جزءًا كبيرًا من انعكاسها للضوء منذ عام 2003، حيث تراجع بريقها فوق شمال الأطلسي وشمال شرق الهادئ بنحو 3% في كل عقد.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت حرارة سطح البحر بنحو 0.4 درجة مئوية، ما أدى إلى زيادة موجات الحر البحرية التي أضرت بالأنظمة البيئية ومصايد الأسماك.

ورغم أن العلماء توقعوا تراجع السحب المنخفضة بفعل الاحترار الناتج عن انبعاثات الغازات الدفيئة، فإن حجم التغيّرات المسجلة كان أكبر مما يمكن تفسيره بالاحترار أو بالتقلبات المناخية الطبيعية، ما يشير إلى وجود عامل مؤثر آخر لم تقدّره النماذج المناخية بدقة.

المدى المكاني وحجم الاتجاهات

الدور الخفي للجسيمات الدقيقة

تبيّن أن العامل الحاسم هو الهباء الجوي، وهي جسيمات دقيقة تعمل كبذور لتشكل قطرات السحب.

ومع انخفاض تركيز هذه الجسيمات، تتكوّن السحب من قطرات أقل عددًا وأكبر حجمًا، ما يقلل قدرتها على عكس ضوء الشمس ويجعلها أسرع في التفريغ المطري وأقصر عمرًا، وبالتالي أكثر قتامة.

وترجع هذه الظاهرة إلى آليتين معروفتين:

  • تأثير تومي (Twomey): انخفاض الجسيمات الدقيقة يجعل السحب أقل انعكاسًا.

  • تأثير ألبرخت (Albrecht): قطرات أكبر تعني سحبًا أقصر عمرًا.

وبذلك تتراجع قدرة الكوكب على عكس الإشعاع الشمسي نحو الفضاء.

العوامل المؤثرة على اتجاهات السحب في نموذج CanAM5.1-PAM
العوامل المؤثرة على اتجاهات السحب في نموذج CanAM5.1-PAM

هواء أنظف… وكوكب أكثر حرارة

تكشف الدراسة مفارقة معقدة: فبينما تنقذ سياسات الهواء النظيف ملايين الأرواح، فإنها في الوقت نفسه تزيل «القناع التبريدي» الذي كانت توفّره الجسيمات الدقيقة عبر السحب، ما يجعل تأثير الغازات الدفيئة أكثر وضوحًا وقوة.

شهدت انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت – وهو المصدر الأساسي لهباء الكبريتات – تراجعًا حادًا مع تشديد القوانين البيئية.

فقد انخفضت انبعاثات الصين بنحو 16 مليون طن سنويًا منذ عام 2003، وشهدت الولايات المتحدة وأوروبا اتجاهًا مشابهًا.

ومع انخفاض الهباء الجوي، أصبح تشكيل السحب أقل فعالية، وتراجعت كثافة قطراتها بنسبة تراوحت بين 5% و10%، خصوصًا في المناطق التي انخفض لمعان السحب فيها بشدة.

وعند مقارنة البيانات مع 24 نموذجًا من نماذج الأنظمة الأرضية، اتضح أن معظمها قلل من تقدير حجم التغيرات الحقيقية. ولم تتوافق مع الواقع سوى النماذج التي تحاكي بدقة تأثير الهباء الجوي على السحب، مما أبرز ضعفًا بنيويًا في النماذج المناخية.

وتشير نتائج الدراسة إلى أن 69% من تراجع انعكاس السحب يرجع إلى انخفاض الجسيمات الدقيقة، بينما يعود 31% فقط إلى الاحترار العام.

وأسهم انخفاض لمعان السحب بإضافة نحو 0.15 واط/م² لكل عقد إلى اختلال الطاقة على سطح الأرض، وهو مقدار يقارب نصف تأثير الزيادة في ثاني أكسيد الكربون خلال الفترة نفسها.

مكافحة التلوث تسرّع تغيّر المناخ الحضري

أهمية استمرار الرصد

من المتوقع إنهاء مهام الأقمار الصناعية المراقبة للسحب والهباء الجوي بحلول عام 2026، وهو ما يثير مخاوف علمية بشأن ضعف القدرة على متابعة التغيرات المستقبلية.

فقد أثبتت سجلات الرصد الطويلة أهميتها في كشف العلاقة بين الهواء الأنظف والسحب الأكثر قتامة والاحترار الإقليمي المتسارع.

وتؤكد الدراسة أن العديد من النماذج المناخية قد تقلل من تقدير معدلات الاحترار الإقليمي خلال العقود المقبلة مع استمرار تراجع التلوث.

تحليل CAMS للمادة العضوية الهباء الجوي عمق بصري الهباء الجوي
تحليل CAMS للمادة العضوية الهباء الجوي عمق بصري الهباء الجوي

لذا، يصبح تحسين تمثيل السحب والهباء الجوي في النماذج، وضمان استمرار المراقبة العالمية، أمرًا ضروريًا للحصول على توقعات أكثر دقة.

وتخلص النتائج إلى أن مواجهة هذه المفارقة تتطلب دمج سياسات جودة الهواء مع سياسات المناخ، والإسراع في خفض انبعاثات الغازات الدفيئة، باعتبارها الطريق الوحيد لخفض حرارة الكوكب على المدى الطويل.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading