المناخ يُحذّر والسياسة تتجاهل.. 2025 عام التطرف المناخي بلا استجابة دولية
2025 عام الصدمة المناخية.. خسائر بمليارات الدولارات وسياسات غائبة
في 2025.. السياسة تُدير ظهرها للمناخ بينما تتسارع الكوارث الجوية
لم يكن عام 2025 مجرد سنة أخرى في سجل التغير المناخي، بل شكّل نقطة فاصلة كشفت بوضوح الهوة المتزايدة بين تفاقم الأزمة المناخية وتراجع الإرادة السياسية العالمية للتعامل معها.
فبينما كانت موجات الحر القياسية، والحرائق، والفيضانات، والعواصف تضرب مناطق واسعة من العالم، بدا أن ملف المناخ يُدفع إلى الهامش، سياسيًا واقتصاديًا، في واحدة من أكثر السنوات قتامة بالنسبة للعلماء والبيئيين.
انسحاب أمريكي يهز النظام المناخي العالمي
مع بداية العام، وجّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضربة قاسية للعمل المناخي الدولي، حين وقّع في أول يوم من ولايته الثانية أمرًا تنفيذيًا يقضي بانسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ، الاتفاق الذي يُعد حجر الأساس في الجهود العالمية للحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض عند 1.5 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية.
لكن الانسحاب لم يكن سوى البداية. فخلال شهور قليلة، شهدت الولايات المتحدة تفكيكًا ممنهجًا للبنية المؤسسية للمناخ، شمل تقليص تمويل الأبحاث العلمية، وحذف مصطلحات وبيانات متعلقة بتغير المناخ من مواقع حكومية رسمية، وصولًا إلى وصف الرئيس الأمريكي للتغير المناخي بـ”الخدعة” أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وفي أغسطس، كشفت وثائق رسمية عن مذكرة أمريكية دعت دولًا أخرى إلى معارضة فرض سقف عالمي لإنتاج البلاستيك، في مستهل مفاوضات معاهدة أممية طال انتظارها. وبالفعل، انتهت المفاوضات دون اتفاق، في انتكاسة جديدة للحوكمة البيئية العالمية.
أما الضربة الأبرز فجاءت في ديسمبر، حين امتنعت واشنطن عن إرسال وفد رسمي إلى مؤتمر المناخ COP30 في البرازيل، وهو ما أسهم في فشل المؤتمر – للعام الثاني على التوالي – في التوصل إلى توافق بشأن التخلي التدريجي عن الوقود الأحفوري، المصدر الأكبر لانبعاثات الغازات الدفيئة.

مؤتمرات بلا اختراقات.. ومناخ بلا قيادة
يقول كينيتشيرو ياماجوتشي، الباحث في معهد ميتسوبيشي للأبحاث وخبير أسواق الكربون، إن مؤتمر هذا العام افتقر لأي إنجاز محوري.
ويضيف: “في غياب إطار بديل لاتفاق باريس، تتحول مؤتمرات الأطراف إلى منصات لتبادل المواقف فقط، دون قفزات نوعية حقيقية”.
هذا الجمود السياسي جاء في وقت كانت فيه الأزمة المناخية تمضي بلا هوادة.

كوارث بمليارات الدولارات.. والمناخ يدفع الثمن
وفق تقرير أصدرته منظمة “كريستيان إيد” البريطانية، كانت حرائق الغابات في لوس أنجلوس خلال يناير هي أكثر الكوارث المناخية تكلفة في 2025، بخسائر اقتصادية تجاوزت 60 مليار دولار.
حرائق دمّرت آلاف المنازل، وشردت عشرات الآلاف، وقدّمت مثالًا صارخًا على ما يعنيه الاحترار العالمي على أرض الواقع.
وفي اليابان، وصف التقرير العام بأنه “عام التطرف المناخي بامتياز”. فبعد شتاء دافئ على نحو غير معتاد، ضربت البلاد عواصف ثلجية قاسية في فبراير ومارس، أدت إلى شلل واسع في حركة القطارات والطيران، حتى في طوكيو.
وتشير وكالة الأرصاد الجوية اليابانية إلى أن متوسط درجات الحرارة في 2025 كان ثالث أعلى معدل مسجل، بعد عامي 2024 و2023، بزيادة 1.25 درجة مئوية عن متوسط الثلاثين عامًا الماضية.

الأكثر إثارة للقلق أن صيف هذا العام كان الأشد حرارة في تاريخ اليابان الحديث، حيث سجلت 132 محطة رصد من أصل 153 أعلى درجات حرارة منذ بدء التسجيل عام 1946. وفي الخامس من أغسطس، سجلت مدينة إيسيساكي رقمًا قياسيًا بلغ 41.8 درجة مئوية.
حرارة قاتلة وتحديات صحية واجتماعية
هذه الموجات الحارة لم تكن مجرد أرقام. فقد نُقل أكثر من 100 ألف شخص إلى المستشفيات بسبب ضربات الشمس خلال الفترة من مايو إلى سبتمبر، وهو رقم غير مسبوق، عزته السلطات إلى قصر موسم الأمطار وطول الصيف.
ورغم نجاح منظمي معرض أوساكا في تفادي إغلاق الفعاليات، إلا أن التجربة أعادت طرح سؤال جوهري:
هل لا تزال الفعاليات الكبرى ممكنة في صيف يزداد قسوة عامًا بعد عام؟

تغير المناخ يعيد تشكيل الطبيعة والسلوك البشري
في بلد اشتهر تاريخيًا بتعاقب فصوله الأربعة، بدأ اليابانيون يتحدثون عن فقدان هذا التوازن. حتى أن مصطلح “موسمان فقط” دخل قائمة أكثر الكلمات تداولًا هذا العام.
وفي مؤشر أكثر خطورة، تصاعدت هجمات الدببة إلى مستويات قياسية، مع تسجيل 230 إصابة بشرية و13 حالة وفاة، وسط توسع غير مسبوق لنطاق ظهور الحيوانات البرية داخل المدن.
ويربط خبراء هذه الظاهرة باضطراب دورات المحاصيل الطبيعية، وتغير أنماط السبات الشتوي نتيجة الاحترار.

التكيف بدل الانتظار.. خطوات بطيئة لكنها ضرورية
رغم الصورة القاتمة، لم يخلُ المشهد من محاولات للتكيف. فقد شددت الحكومة اليابانية القوانين لحماية العمال من الإجهاد الحراري، واتخذت المدارس إجراءات غير مسبوقة، مثل تشغيل حافلات لتقليل تعرض الأطفال للشمس.
كما بدأت قطاعات زراعية بأكملها في إعادة التفكير بمحاصيلها، مع توجه مزارعين في شيزوكا – معقل اليوسفي – إلى زراعة الأفوكادو، مستندين إلى تغير الخريطة المناخية للبلاد.
وفي خطوة لافتة، طورت هيئة البحوث الزراعية نظامًا متقدمًا للتنبؤ بالأضرار المناخية للمحاصيل قبل وقوعها بأسابيع، ما يمنح المزارعين فرصة للتدخل وتقليل الخسائر.

خلاصة المشهد
عام 2025 لم يكن عامًا لفشل المناخ، بل لفشل السياسة في اللحاق بالمناخ.
فبينما تؤكد الوقائع أن العالم بات يعيش تداعيات الاحترار الآن، لا بعد عقود، لا تزال الاستجابة الدولية أبطأ من أن تُحدث الفارق المطلوب.
ويبقى السؤال مفتوحًا: إلى أي مدى يمكن للعالم الاستمرار في إدارة أزمة وجودية بهذا القدر من التجاهل؟






