حلقات الأشجار تكشف تصاعد التطرف المناخي في البحر المتوسط منذ 5 قرون
من جذوع الأشجار إلى تحذير مناخي.. تقلبات الأمطار في غرب المتوسط بلغت ذروتها منذ عام 1505
تحتفظ غابات الصنوبر في شرق إسبانيا بسجل صامت لتاريخ الطقسن فقبل ظهور محطات قياس الأمطار والأقمار الصناعية بقرون طويلة، قامت الأشجار بتوثيق السنوات الرطبة والجافة داخل حلقات نموها الخشبية.
ويقرأ العلماء اليوم هذه الحلقات ليكشفوا تحذيرًا واضحًا: فقد أصبحت تطرفات الأمطار في غرب البحر المتوسط أكثر شدة وتكرارًا خلال العقود الأخيرة مقارنةً بأي فترة تقريبًا منذ أوائل القرن السادس عشر.
وفي دراسة جديدة، فحص الباحثون التغيرات في معدلات الأمطار على مدار 520 عامًا، بالاعتماد على حلقات أشجار الصنوبر الأسكتلندي (Pinus sylvestris) والصنوبر الأسود (Pinus nigra) .
ونُشرت الدراسة في دورية Climate of the Past العلمية، وقال ماركوس مارين-مارتين، الباحث الرئيسي في الدراسة وطالب الدكتوراه بقسم الجيولوجيا في المتحف الوطني للعلوم الطبيعية بالمجلس الأعلى للبحوث العلمية في إسبانيا، إن فريق البحث جمع عينات من مناطق جبلية مرتفعة بشرق البلاد، حيث يعتمد نمو الأشجار بدرجة كبيرة على توفر المياه.
وأظهرت النتائج تزايدًا ملحوظًا في عدم استقرار أنماط الأمطار خلال فترة الاحترار الحديثة، مع ارتفاع حاد في معدلات الهطول الغزير وفترات الجفاف العميق.
سجل طبيعي للأمطار
تضيف أشجار الصنوبر حلقة نمو جديدة كل عام، ويعكس عرض هذه الحلقات مدى توفر المياه خلال المواسم المختلفة، فالأعوام الرطبة تؤدي إلى نمو أسرع وحلقات أوسع، بينما تحد فترات الجفاف من النمو وتنتج حلقات أضيق.
ويستخدم العلماء علم مناخ الأشجار (الدندروكليماتولوجي) لربط أنماط نمو الحلقات بالتغيرات المناخية السابقة، وتتميز أنواع الصنوبر المستخدمة في الدراسة بعمرها الطويل واستجابتها الواضحة لتغيرات الرطوبة.
ولا يقتصر النمو على أمطار الصيف فقط، بل يتأثر أيضًا بالأمطار والثلوج الممتدة من الخريف وحتى الربيع، حيث تسهم المياه المخزنة في التربة خلال الأشهر الباردة في دعم النمو مع بداية المواسم الدافئة.

خمسة قرون من البيانات
تمكن الباحثون من بناء سجل متصل للأمطار يبدأ من عام 1505، عبر دمج عينات جديدة مع مجموعات أقدم من أعمال ميدانية سابقة، مع مطابقة دقيقة لحلقات النمو لضمان تحديد السنوات التقويمية بدقة، وأكدت الاختبارات الإحصائية وجود توافق قوي بين المواقع المختلفة، ما يشير إلى إشارة مناخية إقليمية مشتركة.

لماذا التركيز على الأمطار؟
ركزت دراسات مناخية سابقة في الغالب على مؤشرات الجفاف التي تجمع بين الأمطار ودرجات الحرارة، إلا أن هذه المؤشرات قد تخفي تفاصيل مهمة تتعلق بشدة الهطول وخطر الفيضانات.
ويسمح إعادة بناء الأمطار مباشرة بفهم أدق لمخاطر الفيضانات، ورطوبة التربة، وإمدادات المياه، خاصة في شرق إسبانيا حيث تتحكم أمطار أواخر الصيف وحتى أوائل الصيف التالي في نمو الأشجار بشكل حاسم.
أنماط مطرية متغيرة
لم تكن الأمطار في البحر المتوسط مستقرة عبر التاريخ، إذ شهدت قرون سابقة فترات رطبة وأخرى جافة، غير أن العقود الحديثة تكشف نمطًا مختلفًا، يتمثل في تقارب السنوات شديدة الجفاف مع السنوات شديدة الرطوبة.
وبعد عام 1975، وصلت درجة التقلب إلى مستويات غير مسبوقة خلال خمسة قرون، مع تزايد واضح في تواتر الأحداث المناخية المتطرفة خلال فترات زمنية قصيرة.
دلالات مستقبلية
تشير هذه النتائج إلى تحديات كبيرة أمام أنظمة إدارة المياه والزراعة والتخطيط العمراني، التي بُنيت على متوسطات مناخية لم تعد تعكس الواقع.
ورغم أن الأشجار لا تتنبأ بالمستقبل، فإن حلقات نموها تقدم تحذيرًا واضحًا: المناخ في البحر المتوسط تجاوز الحدود التي شكلت المجتمعات لقرون، وأصبح الاستعداد لفيضانات أقوى وجفاف أطول أمرًا لا غنى عنه.





