أخبارالتنوع البيولوجيتغير المناخ

تغير المناخ يهدد درع «الكربون الأزرق» العالمي.. والمناطق المعرضة للخطر تتوسع

ارتفاع مستوى البحار يغير خريطة النظم الساحلية ويهدد احتياطيات الكربون الأزرق

لطالما ارتبطت حماية السواحل بالحفاظ على النظم البيئية الساحلية مثل غابات المانجروف والمروج البحرية والمستنقعات الملحية، باعتبارها مخازن طبيعية هائلة للكربون تساعد في الحد من تغير المناخ.

غير أن دراسة عالمية جديدة تشير إلى أن الحفاظ على هذه النظم البيئية وحده قد لا يكون كافيًا، إذ إن مصير الكربون المخزن فيها لا يعتمد فقط على بقائها، بل أيضًا على قدرتها على الانتقال والتكيف مع التغيرات المناخية وارتفاع مستوى البحار.

وقد نُشرت الدراسة في مجلة Regional Studies in Marine Science.

الكربون الأزرق

ما هو الكربون الأزرق؟

يشير مصطلح «الكربون الأزرق» إلى الكربون العضوي المخزن داخل النظم البيئية الساحلية النباتية، مثل غابات المانجروف والمستنقعات الملحية ومروج الأعشاب البحرية.

وتراكمت هذه المخزونات على مدى آلاف السنين، حيث يُقدر إجمالي الكربون المخزن فيها عالميًا بما يتراوح بين 10 و24 مليار طن متري.

ويكمن معظم هذا الكربون داخل الرواسب والتربة الساحلية المشبعة بالمياه، وليس في النباتات نفسها.

وتُعد هذه البيئات من أكثر النظم الطبيعية كفاءة في احتجاز الكربون، لأن الظروف الفقيرة بالأكسجين داخل التربة تبطئ عملية تحلل المواد العضوية، ما يسمح ببقاء الكربون مدفونًا لقرون طويلة.

ورغم أن هذه النظم تغطي أقل من 2% من مساحة المحيطات، فإن قدرتها على تخزين الكربون تجعلها منافسًا حقيقيًا للغابات البرية من حيث الأهمية المناخية.

الكربون الأزرق

ارتفاع البحار والضغط الساحلي

قاد الدراسة الباحث أجرا ديب موهانتا من جامعة مهراجا ساياجيراو في بارودا بالهند، حيث اعتمد فريقه على دمج قواعد بيانات عالمية ونماذج مكانية للأراضي الرطبة وبيانات رواسب الكربون لتقدير مستقبل هذه النظم حتى عام 2100.

وتوضح الدراسة أن الخطر الرئيسي لا يتمثل في ارتفاع مستوى سطح البحر وحده، بل في عدم قدرة الأراضي الرطبة الساحلية على التحرك نحو الداخل لمواكبة هذا الارتفاع.

فعندما تعيق الطرق والسدود البحرية والمشروعات العمرانية توسع هذه النظم البيئية نحو اليابسة، تصبح محاصرة بين المياه المتقدمة والبنية التحتية الثابتة، وهي الظاهرة المعروفة باسم «الضغط الساحلي» أو Coastal Squeeze.

وفي هذه الحالة تتقلص مساحة الموائل الطبيعية تدريجيًا، وتفقد قدرتها على الاحتفاظ بالكربون المخزن في التربة.

الكربون الأزرق

خسائر كبيرة في مخزون الكربون

تشير نتائج الدراسة إلى أنه في المناطق التي تشهد ضغوطًا ساحلية مرتفعة، قد تنخفض مخزونات الكربون في رواسب غابات المانجروف عالميًا بنسبة تتراوح بين 15% و30% بحلول نهاية القرن الحالي.

ويُعد ذلك خسارة كبيرة نظرًا لأن المانجروف من أكثر النظم البيئية كثافة في تخزين الكربون على مستوى العالم.

وعندما تتراجع هذه الغابات دون أن تجد مساحة للانتقال نحو الداخل، تتعرض الرواسب الغنية بالكربون للأكسجين، ما يؤدي إلى تحلل المواد العضوية وإطلاق كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي.

الهجرة الداخلية قد تعكس الاتجاه

في المقابل، أظهرت الدراسة أن تبني سياسات الإدارة التكيفية والسماح للأراضي الرطبة بالهجرة نحو الداخل يمكن أن يؤدي إلى تحقيق مكاسب صافية في مخزون الكربون العالمي، حتى في ظل استمرار ارتفاع مستوى البحار.

مخاطر انهيار النظم البيئية البحرية

وتشير الأبحاث السابقة إلى أن بعض الأراضي الرطبة الساحلية قادرة على التوسع وزيادة مساحتها إذا توفرت لها مساحات مفتوحة بعيدًا عن الضغوط العمرانية.

وبالتالي فإن السماح لهذه النظم البيئية بالتحرك والتكيف قد يتحول إلى أداة مهمة لتعزيز تخزين الكربون بدلًا من فقدانه.

إندونيسيا في قلب المخاطر

أجرت الدراسة أيضًا تقييمات على مستوى الدول فيما يتعلق بغابات المانجروف، وأظهرت النتائج أن إندونيسيا تواجه أكبر مخاطر الانبعاثات الكربونية المرتبطة بفقدان المانجروف، نظرًا لامتلاكها مساحات شاسعة من هذه الغابات بالتزامن مع ضغوط تنموية كبيرة على السواحل.

في المقابل، برزت كل من المكسيك وأستراليا كدول تمتلك فرصًا أفضل لزيادة مخزون الكربون الأزرق بفضل توفر مساحات تسمح بانتقال النظم البيئية الساحلية نحو الداخل.

غابات المانجروف
غابات المانجروف

المانجروف يتوسع نحو الشمال

لم يعد ارتفاع مستوى البحار العامل الوحيد الذي يعيد تشكيل النظم الساحلية، فمع ارتفاع درجات الحرارة العالمية وتراجع موجات الصقيع، بدأت غابات المانجروف بالتوسع نحو خطوط عرض أعلى كانت تهيمن عليها سابقًا المستنقعات الملحية.

وقد رصدت بيانات الأقمار الصناعية بالفعل هذا التوسع في أجزاء من سواحل أمريكا الشمالية، حيث بدأت بعض المناطق تتحول تدريجيًا من مستنقعات ملحية إلى غابات مانجروف.

وتؤثر هذه التحولات في أنماط تخزين الكربون والتوازن البيئي المحلي على حد سواء.

غابات المانجروف

إعادة التفكير في حماية الكربون الأزرق

تُعد هذه الدراسة من أوائل الدراسات التي تربط بين سيناريوهات تغير الموائل الساحلية ومستقبل مخزونات الكربون الأزرق على المستويين العالمي والوطني.

كما تكشف عن نقص في البيانات المتعلقة بالمستنقعات الملحية ومروج الأعشاب البحرية مقارنة بغابات المانجروف، ما يحد من قدرة العلماء على إجراء توقعات دقيقة مماثلة لهذه النظم البيئية.

الأعشاب البحرية

وتؤكد الدراسة أن مستقبل الكربون الأزرق لا يعتمد فقط على بقاء النظم البيئية الساحلية، بل على توفير المساحة اللازمة لها للتكيف مع التغيرات المناخية.

وبذلك تصبح القرارات المتعلقة بالتخطيط العمراني وإدارة السواحل عنصرًا حاسمًا في تحديد ما إذا كانت هذه النظم ستظل مخازن طبيعية للكربون أم ستتحول إلى مصادر جديدة للانبعاثات خلال العقود المقبلة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading