العنصرية ضد كرة القدم الأفريقية امتداد لإرث استعماري ما زال حاضرًا في الملاعب
بعد مونديال 2026.. باحث يحذر من استمرار الصور النمطية العنصرية تجاه كرة القدم الأفريقية
رغم الأداء اللافت الذي قدمته المنتخبات الأفريقية في بطولة كأس العالم 2026 لكرة القدم، يرى باحثون أن كرة القدم الأفريقية لا تزال تواجه صورًا نمطية وأحكامًا تقلل من قيمتها، تعود جذورها إلى الحقبة الاستعمارية، وليس إلى الواقع الرياضي الحالي.
وأوضح الباحث، المتخصص في الأنثروبولوجيا والهجرة الرياضية، أن النجاح الذي حققته المنتخبات الأفريقية في السنوات الأخيرة جاء نتيجة عقود من التطور الفني والتكتيكي، إلا أن بعض الخطابات الإعلامية ما زالت تصف الكرة الأفريقية بأنها “عشوائية” أو “تفتقر إلى التنظيم”، وهي أوصاف يرى أنها تعكس تصورات تاريخية أكثر من كونها تحليلات فنية.

تصريحات أثارت الجدل
استشهدت الدراسة بالتصريحات التي أدلى بها لاعب المنتخب الألماني السابق باستيان شفاينشتايجر قبل مواجهة ألمانيا وكوت ديفوار في دور المجموعات من كأس العالم 2026، عندما وصف الكرة الأفريقية بأنها “غير تقليدية”، و”عشوائية”، و”أقل اعتمادًا على الخطط التكتيكية”، داعيًا المنتخب الألماني إلى الاستعداد لما وصفه بـ”اللعب غير المتوقع”.
وأثارت هذه التصريحات موجة من الانتقادات، إذ اعتبرها مدرب منتخب كوت ديفوار إيمرس فاي تعبيرًا قد يحمل طابعًا عنصريًا، معربًا عن أمله في أن تكون مجرد صياغة غير موفقة، لا انعكاسًا لقناعة راسخة.
في المقابل، دافع شفاينشتايجر عن نفسه مؤكدًا أنه كان يتحدث عن كرة القدم فقط، وليس عن الأشخاص، وأن تصريحاته كانت تحليلًا فنيًا لا أكثر.
العنصرية لا تقتصر على الإهانات المباشرة
يشير الباحث إلى أن العنصرية التي يواجهها اللاعبون الأفارقة لا تقتصر على الإساءات الصريحة أو التعليقات العدائية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما تشمل أيضًا أشكالًا أكثر خفاءً في الحياة اليومية.
وتتجسد هذه الممارسات في التقليل من القدرات الذهنية للاعبين الأفارقة، والتركيز على صفاتهم البدنية فقط، فضلًا عن التمييز في العقود والرواتب وفرص التدريب والإدارة داخل صناعة كرة القدم.
إرث استعماري مستمر
ترى الدراسة، أن هذه التصورات تعود إلى الحقبة الاستعمارية، حين روجت القوى الأوروبية لفكرة تفوق الإنسان الأوروبي باعتباره أكثر عقلانية وتنظيمًا، مقابل تصوير الأفارقة على أنهم يفتقرون إلى الانضباط ويحتاجون إلى “التهذيب”.
وخلال عشرينيات القرن الماضي، استخدمت بعض الإدارات الاستعمارية كرة القدم كوسيلة لترسيخ قيم الطاعة والانضباط داخل المستعمرات الأفريقية.
لكن اللاعبين الأفارقة تعاملوا مع اللعبة بطريقة مختلفة، إذ اعتمدوا على المهارات الفردية والمراوغات والاستعراض الفني، ليس فقط لإمتاع الجماهير، وإنما أيضًا كتعبير عن المقاومة والهوية الثقافية.
لا توجد كرة قدم أفريقية واحدة
يشدد الباحث على أن الحديث عن “أسلوب أفريقي” موحد في كرة القدم لا يستند إلى أساس علمي، تمامًا كما لا يمكن الحديث عن أسلوب أوروبي واحد.
فلكل دولة أفريقية تاريخها الكروي وثقافتها وأساليبها الفنية، التي تطورت بتأثير البيئة المحلية والاحتراف والعلاقات الدولية، ما يجعل تعميم الأحكام على قارة كاملة أمرًا يفتقر إلى الدقة.
خطر الصور النمطية
وتؤكد الدراسة، أن التعليقات التي تبدو بسيطة أو غير مقصودة قد تترك آثارًا عميقة على المدى الطويل، لأنها تعزز صورًا نمطية متجذرة في الوعي الجمعي، وتسهم في تكوين انطباعات سلبية عن أفريقيا تتجاوز المجال الرياضي إلى مجالات أخرى.
ويرى الباحث، أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب التصدي لجميع أشكال العنصرية، سواء كانت صريحة أو ضمنية، داخل الملاعب وخارجها، والعمل على تفكيك الصور الذهنية الموروثة من الحقبة الاستعمارية، بما يسهم في تقديم تقييم أكثر عدالة لكرة القدم الأفريقية وللقارة بصورة عامة.





