الصداقة قد تكون ركيزة أساسية للصحة مثل النوم والغذاء والرياضة
الصحة لا تبدأ من الطعام والرياضة فقط.. دراسة تضع الصداقة ضمن العادات المهمة للعافية
كشفت دراسة عالمية واسعة أن الصداقة والعلاقات الاجتماعية قد تلعب دورًا مهمًا في الصحة النفسية والجسدية، بعدما أظهرت بيانات أكثر من 200 ألف شخص من 22 دولة أن الأشخاص الأكثر رضا عن صداقاتهم وعلاقاتهم يميلون إلى تقييم صحتهم النفسية والجسدية بصورة أفضل.
وتشير النتائج إلى أن الحفاظ على علاقات اجتماعية داعمة قد يكون جزءًا مهمًا من نمط الحياة الصحي، إلى جانب العادات المعروفة مثل التغذية الجيدة وممارسة الرياضة والحصول على قدر كافٍ من النوم.
ونُشرت الدراسة كاملة في دورية Journal of Mental Health.
أكثر من 200 ألف شخص في 22 دولة
اعتمدت الدراسة على بيانات الموجة الأولى من دراسة الازدهار العالمي (Global Flourishing Study)، وهي دراسة دولية تبحث في العوامل المرتبطة بعيش حياة أفضل.
وجمعت مؤسسة «جالوب» البيانات من خلال مقابلات شخصية وهاتفية، معظمها خلال عام 2023، وشملت 204 آلاف و907 بالغين تبلغ أعمارهم 18 عامًا فأكثر.
وشملت الدراسة دولًا من مناطق مختلفة حول العالم، من بينها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والسويد ومصر وكينيا وإندونيسيا والفلبين.
وطُلب من المشاركين تقييم مدى رضاهم عن صداقاتهم وعلاقاتهم على مقياس من صفر إلى 10، إلى جانب تقييم صحتهم النفسية والجسدية على المقياس نفسه.
كما أجاب المشاركون عن طبيعة علاقاتهم خلال مرحلة الطفولة مع كل من الأم والأب.

الرضا عن الصداقة يرتبط بصحة أفضل
أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين منحوا مستوى رضاهم عن صداقاتهم وعلاقاتهم درجة 10 من 10 سجلوا، في المتوسط، مستوى للصحة النفسية أعلى بنحو 4.6 نقطة مقارنة بمن منحوا علاقاتهم درجة صفر.
وبالنسبة إلى الصحة الجسدية، بلغ الفارق نحو 3.4 نقطة.
وأخذ الباحثون في الاعتبار مجموعة من العوامل التي يمكن أن تؤثر في النتائج، من بينها العمر والدخل والتعليم والحالة الاجتماعية والعمل والجنس والدين.
ورغم قوة الارتباط الذي أظهرته البيانات، شدد الباحثون على أن الدراسة لا تثبت أن الصداقة الجيدة تسبب مباشرة تحسن الصحة، إذ إن طبيعة الدراسة لا تسمح بإثبات علاقة السبب والنتيجة.
وقال الدكتور فيلي دورموش، الباحث في إدارة الصحة بجامعة كوتاهيا للعلوم الصحية في تركيا، إن التواصل الاجتماعي ينبغي النظر إليه باعتباره جزءًا من الصحة والرفاهية، وليس شيئًا منفصلًا عنهما.
وأضاف أن تخصيص الوقت للمحادثات الهادفة والصداقات والعلاقات يمكن أن يكون جزءًا مهمًا من الحياة الصحية.
الصداقات الحالية أهم من علاقات الطفولة
وجدت الدراسة أيضًا أن الأشخاص الذين وصفوا علاقاتهم خلال الطفولة مع والديهم بأنها جيدة جدًا كانوا أكثر ميلًا إلى تقييم صحتهم في مرحلة البلوغ بصورة أفضل.
لكن هذا الارتباط كان أضعف بكثير من العلاقة التي ظهرت بين الرضا عن الصداقات الحالية والصحة.
وبلغ الفرق في الصحة النفسية للبالغين نحو ثلث نقطة فقط بين من وصفوا علاقاتهم في الطفولة بأنها جيدة جدًا ومن وصفوها بأنها سيئة جدًا.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج تشير إلى أن تجارب الطفولة مهمة، لكنها لا تحدد وحدها مستوى الصحة والرفاهية في مرحلة البلوغ.
وتظل العلاقات الاجتماعية قابلة للتغير طوال حياة الإنسان، وهو ما يجعل جودة العلاقات الحالية عاملًا يستحق مزيدًا من الاهتمام.

عدد الأصدقاء ليس العامل الوحيد
لا تعني النتائج بالضرورة أن امتلاك عدد كبير من الأصدقاء يؤدي إلى صحة أفضل.
فالدراسة ركزت على مدى رضا الأشخاص عن صداقاتهم وعلاقاتهم، وليس على عدد الأشخاص الموجودين في دوائرهم الاجتماعية أو عدد المرات التي يلتقون فيها بالآخرين.
وقد يشعر بعض الأشخاص بالوحدة رغم امتلاكهم عددًا كبيرًا من الأصدقاء، بينما يمكن لعلاقة أو مجموعة صغيرة من العلاقات الداعمة أن تمنح الشخص شعورًا قويًا بالانتماء.
لذلك يرى الباحثون أن جودة العلاقات قد تكون أكثر أهمية من مجرد توسيع دائرة المعارف.
اختلافات واضحة بين الدول
كشفت البيانات عن اختلافات كبيرة في مستوى الرضا عن الصداقات بين الدول المشاركة.
وسجل المشاركون في إندونيسيا متوسطًا بلغ 8.75 من 10، وهو أعلى مستوى في الدراسة، بينما سجل المشاركون في اليابان متوسطًا بلغ 5.83 من 10، وهو الأدنى.
وسجلت اليابان أيضًا أدنى متوسط لتقييم الصحة النفسية والجسدية، بينما سجلت تنزانيا أعلى متوسط للصحة النفسية عند 9.02 من 10.
لكن الباحثين أكدوا أن الدراسة لا تستطيع تحديد الأسباب التي تقف وراء الاختلافات بين الدول، ولا يمكن تفسيرها بعامل ثقافي واحد.ط

لماذا قد تكون الصداقة مهمة للصحة؟
يرتبط التواصل الاجتماعي بعدة جوانب من الرفاهية، وقد تمنح العلاقات الداعمة الإنسان شعورًا بالانتماء والمساندة، كما يمكن أن تساعده في التعامل مع الضغوط والتحديات اليومية.
لكن الدراسة الحالية لا تحدد الآليات البيولوجية أو النفسية التي يمكن أن تفسر العلاقة بين الصداقة والصحة.
كما أن الأشخاص الذين يتمتعون بصحة أفضل قد يكونون أكثر قدرة على بناء العلاقات والحفاظ عليها، ما يعني أن العلاقة بين الصحة والعلاقات الاجتماعية قد تسير في الاتجاهين.
الدراسة لا تثبت علاقة سببية
أكد الباحثون ضرورة التعامل مع النتائج بحذر، إذ أجاب المشاركون عن الاستبيان في نقطة زمنية واحدة، ولم تتم متابعتهم في تلك المرحلة لمعرفة أي العوامل يأتي أولًا.
وبالتالي، لا يمكن للدراسة تحديد ما إذا كانت العلاقات الاجتماعية المرضية تؤدي إلى صحة أفضل، أم أن الأشخاص الذين يتمتعون بصحة جيدة يجدون سهولة أكبر في الحفاظ على صداقاتهم، أم أن العاملين يؤثران في بعضهما بعضًا.
كذلك اعتمدت الدراسة على تقييم المشاركين لصحتهم بأنفسهم، وليس على فحوصات طبية أو تشخيصات سريرية.
دعوة إلى إدراج التواصل الاجتماعي في سياسات الصحة
يرى الباحثون أن نتائج الدراسة تستحق مزيدًا من الاهتمام من جانب واضعي السياسات الصحية، خصوصًا فيما يتعلق بالأشخاص الذين يعانون العزلة الاجتماعية.
وقد تشمل التدخلات المستقبلية برامج مجتمعية توفر فرصًا أكبر للتواصل والمشاركة الاجتماعية، خاصة بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم أو يفتقرون إلى شبكات دعم قوية.
وينصح الباحثون بالتركيز ليس فقط على تكوين صداقات جديدة، وإنما أيضًا على الاستثمار في العلاقات الموجودة بالفعل، من خلال تخصيص الوقت والاهتمام للعلاقات التي توفر الدعم والرضا.
وتفتح النتائج الباب أمام سؤال أكثر أهمية ستساعد الدراسات المستقبلية في الإجابة عنه: هل تحسين العلاقات الاجتماعية يؤدي فعلًا إلى تحسن الصحة؟
ويخطط فريق دراسة الازدهار العالمي لإعادة استطلاع المشاركين أنفسهم في مراحل لاحقة، وهو ما قد يساعد العلماء على تحديد العلاقة الزمنية بين التغيرات في العلاقات الاجتماعية والتغيرات في الصحة.





