3 دقائق من التمرين العنيف تغيّر 714 بروتينًا في الدم.. دراسة تكشف المفاجأة
التمرين العنيف يغيّر مئات البروتينات دفعة واحدة.. والسر في شدة الجهد
عندما يكون الوقت ضيقًا، يواجه الراغبون في ممارسة الرياضة خيارًا يبدو بسيطًا: هل يخصصون وقتًا طويلًا لتمرين ثابت وهادئ، أم يكتفون ببضع دقائق من الجهد البدني العنيف؟
وقد يبدو منطقيًا أن التمرين الأطول هو الذي يحقق فوائد أكبر للجسم.
لكن دراسة جديدة بحثت فيما يحدث فعليًا داخل مجرى الدم بعد النوعين من التمارين، وكشفت نتيجة لافتة؛ إذ أدى نحو 3 دقائق فقط من تمارين العدو القصوى على الدراجة إلى تغيير ما يقرب من ربع البروتينات التي جرى قياسها في الدم، بينما أدت 90 دقيقة من ركوب الدراجة بوتيرة ثابتة إلى تغييرات فورية في 7 بروتينات فقط.
وأجرى لوك أولسن وبول كوهين من جامعة روكفلر، بالتعاون مع زملاء في ملبورن، مقارنة بين نوعي التمرين، من خلال أخذ عينات دم من المشاركين قبل كل تمرين وبعده مباشرة، ثم بعد 3 ساعات.
ونُشرت الدراسة الكاملة في دورية Cell Reports Medicine، وشملت التجربة الرئيسية 19 رجلًا شابًا يتمتعون بصحة جيدة ونشاط بدني منتظم، وهو ما يمثل شريحة محدودة من السكان ولا يسمح بتعميم النتائج على الجميع.
وقال كوهين إن الأشخاص الذين يعانون ضيق الوقت ويرغبون في الحصول على تمرين قد يجدون في النشاط عالي الكثافة خيارًا مناسبًا، مشيرًا إلى أنه يحتاج إلى القليل من المعدات، إن احتاج إليها أصلًا، ومع ذلك يحفز تغييرات ملحوظة في أنحاء الجسم.

تمارين العدو غيّرت مئات بروتينات الدم
صُممت التجربتان لتكونا متباينتين بوضوح، ففي إحدى التجربتين، أجرى المشاركون 6 جولات من العدو القصوى على الدراجة، مدة كل منها 30 ثانية، مع 4 دقائق من الراحة بين الجولات، أي نحو 3 دقائق فقط من العمل البدني الفعلي.
وفي التجربة الأخرى، ركب المشاركون الدراجة بوتيرة ثابتة لمدة 90 دقيقة.
وكان المشاركون أنفسهم يخضعون لنوعَي التمرين، مع إجراء عمليات سحب الدم في المواعيد نفسها، وبالتالي كان الاختلاف الأساسي هو شدة التمرين ومدته.
وقاس مختبر Janeway التابع لكوهين 2884 بروتينًا في عينات الدم، وبعد تمارين العدو مباشرة، تغيرت مستويات 714 بروتينًا، ارتفعت مستويات أكثر من 98% منها.
وفي المقابل، لم يتغير مباشرة بعد ركوب الدراجة لمدة 90 دقيقة سوى 7 بروتينات.
وبذلك، لم ينتج التمرين القصير استجابة أصغر من النوع نفسه الذي أحدثه التمرين الطويل، بل أطلق موجة واسعة من التغيرات في بروتينات الدم لم يظهر مثلها مباشرة بعد ركوب الدراجة لفترة أطول.
لكن هذه الاستجابة لم تستمر طويلًا، فبعد 3 ساعات، انخفض عدد البروتينات التي تغيرت بنحو 20 ضعفًا.
ومن بين البروتينات التي ارتفعت مستوياتها بعد التمرين العنيف هرمون النمو، إلى جانب بروتين يساعد على تكوين أوعية دموية جديدة، وبروتين آخر يشارك في إعادة بناء الأنسجة.

الجسم لم يعتد على الاستجابة رغم التدريب
لم تختفِ هذه الاستجابة بعد أسابيع من التدريب، فقد كررت مجموعة أصغر من المشاركين التمارين نفسها بعد شهرين من اتباع برنامجهم التدريبي المحدد، واستجاب دمهم بالطريقة نفسها تقريبًا.
وقال كوهين إن استمرار هذه الاستجابة بعد 8 أسابيع من التدريب يشير إلى أنها ليست مجرد نتيجة لمحاولة الجسم التعامل مع إجهاد غير مألوف.
وأضاف أن هذه الاستجابات قد تكون مرتبطة بطبيعة التمرين العنيف نفسه.

التمرين المعتدل غيّر الدم بطريقة مختلفة
لكن هذا لا يعني أن التمرين المعتدل لم يكن له تأثير، فبعد ركوب الدراجة لمدة 90 دقيقة، استغرق ظهور كثير من التغييرات وقتًا أطول، كما أن معظم التغيرات لم تكن مرتبطة بالبروتينات.
وبعد 3 ساعات من انتهاء التمرين، تغيرت مستويات 19 بروتينًا، من بينها بروتينان لم يتغيرا بعد تمارين العدو.
ويأتي البروتينان بشكل أساسي من الكبد، الذي يطلقهما عندما تستنزف المجهودات الطويلة مخازن الطاقة في الجسم.
كما أدى ركوب الدراجة بوتيرة معتدلة إلى تغييرات في عدد أكبر بكثير من الجزيئات الصغيرة مقارنة بالبروتينات.
فمباشرة بعد التمرين، تغيرت مستويات 203 جزيئات صغيرة بعد تمارين العدو، مقابل 31 جزيئًا فقط بعد ركوب الدراجة بوتيرة ثابتة.
وبعد 3 ساعات، كان ركوب الدراجة قد أدى إلى تغييرات في 183 جزيئًا، وكان معظمها من الأحماض الدهنية.
ويرى الباحثون أن هذه التغييرات قد تعكس تحول الجسم خلال مرحلة التعافي من استخدام السكر كمصدر أساسي للطاقة إلى الاعتماد بدرجة أكبر على الدهون.
وعندما سُئل كوهين عما فاجأ الفريق في النتائج، لم يشر إلى بروتين معين مرتبط بالتمارين العنيفة، بل قال إن الباحثين فوجئوا عمومًا بقلة عدد البروتينات التي تغيرت بعد التمرين المعتدل.
وأشار إلى أن النتائج تشير إلى أن إطلاق المستقلبات أو نواتج الأيض قد يؤدي دورًا أكبر بعد هذا النوع من التمارين.
دم الأشخاص الذين مارسوا التمرين العنيف أثّر في الخلايا الدهنية

نظرًا لأن الدم يعمل كنظام لنقل الإشارات والمواد بين أعضاء الجسم، حاول الباحثون معرفة ما إذا كانت التغيرات التي حدثت فيه يمكن أن تؤثر في خلايا أخرى.
ولهذا الغرض، زرع الفريق خلايا دهنية بشرية في المختبر، ثم عرّضها لمدة 3 ساعات للبلازما، وهي الجزء السائل من الدم، التي جرى الحصول عليها من المشاركين مباشرة بعد ممارسة التمارين.
وعندما تعرضت الخلايا لبلازما الأشخاص الذين مارسوا تمارين العدو، أصبحت 1128 جينًا في الخلايا أكثر نشاطًا، بينما انخفض نشاط 549 جينًا.
أما الخلايا التي تعرضت للبلازما المأخوذة بعد ركوب الدراجة لمدة 90 دقيقة، فقد تغير نشاط 25 جينًا فقط إجمالًا.
وترتبط هذه الجينات بطريقة استجابة الخلايا الدهنية للهرمونات، وقدرتها على تكسير الوقود، وكيفية استشعارها لكمية الغذاء المتاحة حولها.
وبما أن الخلايا المزروعة في المختبر قد تتصرف بطرق لا تعكس بالضرورة ما يحدث داخل جسم الإنسان، لجأ الباحثون إلى اختبار الأنسجة الحية أيضًا.
وخضع 9 مشاركين لاختبار جري على جهاز المشي حتى الوصول إلى الإجهاد، ثم أخذ الباحثون عينات صغيرة من الدهون الموجودة في منطقة البطن قبل الاختبار وبعده بـ3 ساعات.
وفي هذه العينات، تغير نشاط نحو 2600 جين.

بروتينات التمرين ارتبطت بانخفاض مخاطر بعض الأمراض
انتقل الباحثون بعد ذلك إلى سؤال أكثر أهمية: هل ترتبط بعض هذه التغييرات بالحفاظ على الصحة وتقليل مخاطر الإصابة بالأمراض؟
وللإجابة عن ذلك، استخدم الفريق بيانات من UK Biobank، وهو مشروع بحثي بريطاني يتابع نحو نصف مليون شخص منذ سنوات.
وتتوفر قياسات لبروتينات الدم لدى 53,026 شخصًا ضمن قاعدة البيانات.
ومن بين البروتينات التي تغيرت استجابة للتمارين في الدراسة، وجد الباحثون أن 143 بروتينًا ارتبطت بانخفاض احتمالات الإصابة بأمراض، موزعة على 14 فئة واسعة من الأمراض.
وعندما ركز الفريق على السمنة والسكري من النوع الثاني والاضطرابات الأيضية المرتبطة بهما، أصبحت النتائج أكثر وضوحًا.
فقد ارتبط 33 بروتينًا بانخفاض مخاطر هذه الحالات، وكان التمرين العنيف قد غيّر مستويات 32 منها، بينما أدى التمرين الطويل والمعتدل إلى تغيير 3 فقط.
كما أن أكثر من ربع هذه البروتينات كانت مستوياتها أقل لدى كبار السن مقارنة بالشباب، وهو ما قد يمثل إشارة مرتبطة بعملية الشيخوخة، لكنه لا يُعد دليلًا على أن انخفاضها يسبب التقدم في العمر أو أن رفع مستوياتها سيمنع آثاره.
ولا تثبت هذه النتائج أن البروتينات نفسها مسؤولة عن حماية الجسم من الأمراض.
فقد يكون الأشخاص الذين يمارسون الرياضة بانتظام لديهم مستويات أعلى من هذه البروتينات أصلًا.
وارتفع مستوى اثنين من البروتينات الـ33 لدى المشاركين الذين حافظوا على نشاط بدني منتظم.
التمرين الطويل لا يزال مفيدًا

رغم النتائج اللافتة للتمرين العنيف، لا تعني الدراسة أن ركوب الدراجة لمدة 90 دقيقة أو ممارسة التمارين المعتدلة لفترات أطول عديم الفائدة.
وشدد كوهين على هذه النقطة، مشيرًا إلى أن تجارب سابقة وجدت أن 8 أسابيع من التدريب، سواء عالي الكثافة أو متوسط الكثافة، حسنت الصحة الأيضية.
وقال إن التمرين عالي الكثافة يبدو أكثر كفاءة من حيث الوقت، لكن كلا النوعين من التمارين يمكن أن يساهما في تحسين الصحة العامة.
وبالتالي، فإن الرسالة العملية للدراسة محدودة وواضحة: الشخص الذي يملك 90 دقيقة ويرغب في استخدامها لممارسة الرياضة لا يفعل شيئًا خاطئًا، كما أن التمارين القصيرة والعنيفة ليست بديلًا سحريًا عن النشاط البدني المنتظم.
حدود مهمة للنتائج

لا تزال هناك قيود مهمة على الدراسة، فالمجموعة الرئيسية جاءت من تجربة واحدة في جامعة فيكتوريا بمدينة ملبورن، وكان جميع المشاركين من الشباب الأصحاء القادرين بدنيًا على تحمل 6 جولات من تمارين العدو القصوى.
واعترف الباحثون بأنهم لا يستطيعون تحديد ما إذا كانت استجابة دم النساء للتمارين ستكون مماثلة.
كما لا يعرف الباحثون حتى الآن مصدر معظم الجزيئات الصغيرة التي تغيرت بعد التمرين، أو الأعضاء التي تتجه إليها هذه الجزيئات بعد إطلاقها في الدم.
والقائمة الطويلة من البروتينات التي تغيرت بعد التمرين تمثل في الوقت الحالي مجموعة من المرشحين المحتملين، لكنها لا تثبت أن أيًا منها يسبب فوائد صحية مباشرة.
ولإثبات ذلك، سيكون من الضروري معرفة ما يحدث إذا جرى رفع مستوى بروتين معين بمفرده، أو منعه، ثم مراقبة التأثير الذي يتركه ذلك في الجسم.
وقال كوهين إن هذا يمثل تحديًا قديمًا في مجال فسيولوجيا التمارين، يتمثل في معرفة كيفية الربط بصورة آلية بين بروتين موجود في الدورة الدموية والفوائد الأيضية التي تظهر في أنحاء الجسم.
ويرى أن نماذج الحيوانات يمكن أن تساعد في الإجابة عن هذا السؤال، من خلال رفع مستوى بروتين واحد أو خفضه ومراقبة استجابة الجسم.





