مفاجأة علمية.. النشاط البدني في العمل قد يزيد خطر الخرف بعكس ممارسة الرياضة في أوقات الفراغ
الرياضة تحمي الدماغ.. لكن العمل البدني الشاق قد يرتبط بزيادة خطر الخرف
كشفت مراجعة علمية شملت 74 دراسة أن تأثير النشاط البدني على خطر الإصابة بالخرف قد يختلف بشكل لافت اعتمادًا على المكان والسياق الذي تتم فيه ممارسة هذا النشاط.
ووفقًا للنتائج، ارتبطت ممارسة الرياضة خلال أوقات الفراغ بانخفاض خطر الإصابة بالخرف، بينما ارتبط النشاط البدني المرتبط بالعمل بزيادة الخطر، ما يشير إلى أن مجرد الحركة لا يعني بالضرورة الحصول على الفوائد نفسها لصحة الدماغ.
ونُشرت الدراسة الكاملة في مجلة The Lancet Public Health، وأجرى الباحثان ناتان فيتر وديفيد رايخلن، من جامعة جنوب كاليفورنيا، تحليلًا لبيانات شملت أكثر من 4.2 مليون شخص، بهدف فهم العلاقة بين أنواع النشاط البدني المختلفة والخرف.
الرياضة في أوقات الفراغ تقلل خطر الخرف
أظهرت النتائج أن الأشخاص الأكثر نشاطًا بدنيًا كانوا أقل عرضة للإصابة بالخرف بنحو 20% مقارنة بالأشخاص الأقل نشاطًا.
لكن عند تقسيم النشاط البدني بحسب المكان الذي يحدث فيه، ظهرت فروق واضحة.
فالأشخاص الذين مارسوا الرياضة خلال أوقات الفراغ، مثل المشي وركوب الدراجات والجري والسباحة والرياضات المختلفة، سجلوا انخفاضًا في خطر الإصابة بالخرف بنسبة 24% مقارنة بأقل الفئات نشاطًا.
في المقابل، ارتبط النشاط البدني أثناء العمل بزيادة خطر الإصابة بالخرف بنحو 20%، بينما ارتبط التنقل النشط، مثل المشي أو ركوب الدراجة إلى العمل، بزيادة قدرها نحو 10%.
وبذلك، فإن الرقم الإجمالي الذي يشير إلى انخفاض خطر الخرف مع النشاط البدني يخفي وراءه تأثيرات مختلفة بحسب طبيعة النشاط وظروف ممارسته.

النشاط البدني والعمل الشاق.. لماذا يختلف التأثير؟
يشير الباحثون إلى أن السبب قد لا يكون النشاط البدني نفسه، وإنما الظروف المحيطة به.
وأوضح الباحث ناتان فيتر أن العلاقة بين النشاط البدني في العمل وزيادة خطر الخرف قد تعكس عوامل مثل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة وضغوط العمل، وليس لأن المجهود البدني بحد ذاته يسبب تلفًا في الدماغ.
فالأعمال التي تتطلب مجهودًا بدنيًا متكررًا، مثل رفع الأشياء أو الوقوف والمشي لساعات طويلة، قد تتضمن تكرار الحركة نفسها لفترات ممتدة، مع مساحة محدودة للتفاعل الاجتماعي أو التحديات الذهنية.
ويرى الباحثون أن هذا النوع من العمل قد لا يوفر القدر نفسه من التحفيز العقلي الذي يصاحب الأنشطة الترفيهية المتنوعة.
في المقابل، تكون ممارسة الرياضة في أوقات الفراغ غالبًا اختيارية ومتنوعة، وقد تجمع بين النشاط البدني والتفاعل الاجتماعي والتحفيز العقلي.
التلوث والضوضاء والضغط عوامل إضافية
قد تتضمن الوظائف التي تتطلب مجهودًا بدنيًا أيضًا التعرض لفترات طويلة للضوضاء وتلوث الهواء، وهما عاملان ارتبطا في دراسات سابقة بزيادة مخاطر تدهور صحة الدماغ.
كما قد يعاني العاملون في الوظائف المجهدة من مستويات أعلى من الضغط النفسي وانخفاض السيطرة على ظروف العمل، وهو ما قد يقلل في المقابل الوقت والطاقة المتاحين لممارسة الرياضة الترفيهية أو الأنشطة التي تدعم صحة الدماغ.
وأكد فيتر أن العلاقة المعقدة بين النشاط البدني والخرف من غير المرجح أن يكون لها تفسير واحد، مشيرًا إلى احتمال تداخل مجموعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والمهنية.

انخفاض خطر الزهايمر والخرف الوعائي
عند النظر إلى الخرف بصورة عامة، وجد الباحثون أن الأشخاص الأكثر نشاطًا بدنيًا سجلوا خطرًا أقل للإصابة بمرض الزهايمر بنسبة 21%، كما انخفض خطر الإصابة بالخرف الوعائي بنسبة 29%.
ويحدث الخرف الوعائي نتيجة تلف الأوعية الدموية التي تغذي الدماغ، ويمكن أن تؤدي اضطرابات تدفق الدم إلى فقدان بعض الوظائف العقلية والإدراكية.
وتتعلق هذه النسب بالنشاط البدني بمختلف أنواعه، ولا تعني بالضرورة أن الرياضة الترفيهية وحدها مسؤولة عن هذا الانخفاض.
الدراسة شملت أكثر من 4 ملايين شخص
شملت الدراسات التي حللها الباحثون 4 ملايين و227 ألفًا و297 شخصًا، وكان متوسط العمر الوسيط للمشاركين نحو 67 عامًا.
وخلال فترة متابعة بلغ متوسطها نحو 10 سنوات، شُخّص 64 ألفًا و9 أشخاص بالخرف.
كما جرى تصنيف 40 دراسة من أصل 74 على أنها ذات جودة متوسطة أو مرتفعة.
ووجد الباحثون أن الأشخاص الذين استوفوا توصيات منظمة الصحة العالمية المتعلقة بالنشاط البدني كانوا أقل عرضة للإصابة بالخرف مقارنة بمن لم يحققوا مستويات النشاط الموصى بها.

لا توجد أدلة كافية بشأن الأعمال المنزلية والتنقل
بحثت الدراسة أيضًا في تأثير النشاط المنزلي والتنقل النشط، إلا أن الأدلة المتاحة كانت محدودة للغاية.
وارتبط النشاط المنزلي بانخفاض خطر الإصابة بالخرف، لكن هذه النتيجة استندت إلى دراسة واحدة فقط، بينما استند الارتباط بين التنقل النشط وزيادة الخطر بنسبة 10% إلى دراستين فقط.
لذلك، لا يستطيع الباحثون حتى الآن استخلاص نتائج حاسمة بشأن تأثير الأعمال المنزلية أو المشي وركوب الدراجات إلى العمل على خطر الخرف.
النتائج لا تثبت أن العمل البدني يسبب الخرف
شدد الباحثون على أن الدراسة لا تثبت وجود علاقة سببية بين العمل البدني والإصابة بالخرف، لأنها اعتمدت على تحليل دراسات رصدية.
وقال فيتر إن النتائج لا تعني أن الأشخاص الذين يعملون في وظائف تتطلب مجهودًا بدنيًا ينبغي أن يتركوا أعمالهم، وإنما تشير إلى ضرورة النظر إلى سياق النشاط البدني وظروف العمل بدلًا من التركيز على عدد ساعات الحركة فقط.
كما أن معظم الدراسات اعتمدت على المشاركين لتسجيل مستويات نشاطهم بأنفسهم، وهو ما قد يؤدي إلى عدم دقة البيانات أو المبالغة في تقدير النشاط.
إضافة إلى ذلك، جاءت 69 دراسة من أصل 74 من دول مرتفعة الدخل، بينما جاءت الدراسات الخمس الأخرى من البرازيل والصين وكوبا ونيجيريا، وهي دول يُتوقع أن تشهد ارتفاعًا كبيرًا في أعداد المصابين بالخرف مستقبلًا.

البيئة وظروف العمل قد تكون مفتاح الوقاية
يرى الباحثون أن النتائج تشير إلى أهمية توفير بيئات تساعد الأشخاص على ممارسة الرياضة خلال أوقات الفراغ، إلى جانب تحسين ظروف العمل والحد من التعرض للعوامل الضارة.
وقد تشمل الإجراءات المفيدة توفير الحدائق الآمنة ومسارات المشي ومرافق ممارسة الرياضة، إلى جانب تقليل التعرض للضوضاء وتلوث الهواء والضغوط المهنية.
وتشير النتائج في مجملها إلى أن نوع النشاط البدني والظروف التي يحدث فيها قد يكونان مهمين بقدر أهمية مقدار الحركة نفسها عندما يتعلق الأمر بصحة الدماغ والوقاية من الخرف.





