الشعبوية تُهدد الكوكب.. تناقضات التيار المناهض للبيئة في الغرب
بين ادعاء حب الطبيعة ورفض إنقاذها.. مفارقات البيئة في زمن الشعبوية
معاداة البيئة تكتسح المشهد السياسي.. ولكن إلى متى؟
الغرب يتراجع… والشرق يتقدم.. مفارقة البيئة في عالم متغير
تتزايد النزعة المعادية للبيئة، وتشتدّ الهجمات على هدف صافي الانبعاثات الصفري، وتتنامى المعارضة لتدابير الحفاظ على البيئة ومكافحة التلوث.
وكما أظهرت نتائج الانتخابات الأخيرة، تُعيد هذه التكتيكات تشكيل المشهد السياسي في بريطانيا وفي أنحاء الغرب كافة.
معاداة البيئة هي رفضٌ للمبادرات والنشاطات البيئية معًا، ورغم صعودها المفاجئ وخطابها الصاخب، فإنها تستند إلى أسس هشة، غالبًا ما تتناقض رسائلها مع الواقع اليومي.
لنأخذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كمثال. خلال ولايته السابقة، ألغى العديد من إجراءات الحماية البيئية، وهو الآن يواصل تقويضها، بما في ذلك وقف تمويل الأبحاث التي تتناول “المناخ”، ورغم ذلك، صرح في تجمع انتخابي في ويسكونسن عام 2024 قائلًا: “أنا مناصر للبيئة، أريد هواءً نقيًا وماءً نقيًا… ماءً نقيًا حقًا، هواءً نقيًا حقًا”.
تناقضات معاداة البيئة في الغرب
بعض تناقضات معاداة البيئة تكشف انحرافها عن المفاهيم المحافظة التقليدية.
فرغم وصفها بأنها “محافظة”، فإن السياسات الشعبوية المناهضة للبيئة – التي يتبناها الجمهوريون في الولايات المتحدة، وحزب الإصلاح في المملكة المتحدة، وحزب البديل لأجل ألمانيا، والتجمع الوطني في فرنسا – تُعد خروجًا جذريًا عن مبادئ الاستمرارية وحماية البيئة التي طالما كانت جزءًا من الفكر المحافظ.
منظمة “شبكة البيئة المحافظة” تُعرّف نفسها كمنتدى للمحافظين الداعمين لأهداف مثل صافي الانبعاثات الصفري، واستعادة الطبيعة، وأمن الموارد، وهي تُذكّر بأن المحافظين كانوا السبّاقين في إرساء قوانين الحماية البيئية، من تأسيس المتنزهات الوطنية الأمريكية إلى تشريعات التلوث والمناخ البريطانية.
ولكن، يبدو أن جمهورًا كبيرًا من اليمينيين لا يُصغي، إذ تجرفهم موجة شعبوية تهدد هذا الإرث، وذلك رغم أن دعم حماية البيئة ما زال يحظى بشعبية واسعة.
تشير استطلاعات الرأي إلى أن 80% من البريطانيين قلقون بشأن تغير المناخ، كما تحظى وكالة حماية البيئة الأمريكية بدعم ساحق، حتى بين الجمهوريين.
ويعكس هذا الدعم إدراكًا متزايدًا بأن التدهور البيئي واقعٌ معاش، لا مجرد خبر تلفزيوني.
الطقس غير المتوقع، واختفاء الحشرات والحيوانات، كلها مشاهد من خارج نافذتنا.
في إطار بحثي لكتاب قادم عن “الحنين البيئي”، أواجه مفارقة متكررة: أصوات يمينية تنادي بـ”استعادة الوطن”، لكنها ترفض السياسات البيئية التي تضمن بقاؤه.
الرموز البيئية تجارية وثقافية الطابع
يعود هذا الرفض إلى عوامل مثل الاستياء من تغييرات نمط الحياة، إلا أن العداء للبيئة أكثر تعقيدًا، فكثيرون، مثل ترامب، يدّعون حماية البيئة، رغم الأفعال المناقضة.
الرموز البيئية باتت تجارية وثقافية الطابع، حتى أن الحياة البرية لو امتلكت حقوق نشر، لأصبحت بعض الحيوانات من أثرياء العالم.
يمكن التمييز بين شكلين من حماية البيئة: “الباردة” التي تكتفي بمشاهدة الطبيعة، و”الساخنة” التي تتفاعل معها وتدافع عنها.
الموقف الأول يتيح للناس حبّ الطبيعة شكليًا، ومعاداة إنقاذها فعليًا.
كذلك، تتسم معاداة البيئة بعدم الثبات، وحتى بالخيال، فموقف حزب الإصلاح البريطاني مثال واضح: من إنكار التغير المناخي إلى الاعتراف به، ولكن مع وصف الأهداف البيئية بأنها غير منصفة أو غير قابلة للتطبيق، خاصة مقارنة بالصين.
“حضارة بيئية”
في المقابل، تشهد بلدان غير غربية – مثل الصين، ودول في أفريقيا وآسيا – تحوّلات بيئية عميقة، مدفوعة بواقع بيئي صارخ.
فالتحديات مثل الحرارة الشديدة والأمطار غير المتوقعة، تؤدي إلى أزمات غذائية ونزوح سكاني، لذا، فإن حماية البيئة في هذه المناطق هي مسألة بقاء.
وعلى الرغم من الاعتماد على الوقود الأحفوري، فإن الصين – عبر مشروعها لبناء “حضارة بيئية” – تطرح نفسها كزعيم عالمي في هذا المجال.
وهكذا، تنهار الصور النمطية التي تحصر البيئة كقضية غربية، ومع التناقضات التي تحيط بمعاداة البيئة، يبدو صعودها ليس معقدًا فقط، بل غير مستدام.





