لغز الأرض المفقود منذ 4.5 مليار سنة.. أين اختفى الرصاص؟
كشف سر “الرصاص المفقود” في باطن الأرض.. معادن خفية في الوشاح قد تفسر اختفاء الرصاص القديم
قدّمت دراسة علمية حديثة من جامعة نانيانج التكنولوجية في سنغافورة، تفسيرًا جديدًا لأحد أكثر الألغاز الجيولوجية تعقيدًا، والمتعلق باختفاء كميات ضخمة من عنصر الرصاص من قشرة الأرض، رغم التوقعات النظرية بوجوده بكميات أكبر بكثير.
ونُشرت الدراسة في مجلة Nature Communications، حيث اقترح الباحثون أن جزءًا كبيرًا من الرصاص قد يكون محبوسًا داخل أعماق وشاح الأرض في صورة مركبات كبريتية مستقرة تحت ضغط وحرارة هائلين.

لغز جيولوجي عمره مليارات السنين
يُعد الرصاص من أهم العناصر المستخدمة في دراسة تاريخ الأرض، إذ يعتمد العلماء على نظائره المختلفة لتحديد أعمار الصخور وتتبع العمليات الجيولوجية التي شكلت الكوكب على مدى 4.5 مليار سنة.
وينقسم الرصاص إلى أربعة نظائر رئيسية، ثلاثة منها تتكون نتيجة التحلل الإشعاعي لليورانيوم والثوريوم، بينما يُعد نظير الرصاص-204 الشكل “الأصلي” الذي يعود إلى نشأة الأرض.
ويعتمد علم التأريخ الجيولوجي على مقارنة نسب هذه النظائر، حيث تساعد هذه النسب في تحديد عمر الصخور وتطورها عبر الزمن.
لكن المفارقة العلمية تكمن في أن الصخور السطحية تحتوي على كميات أكبر من “الرصاص الحديث” الناتج عن التحلل الإشعاعي مقارنة بما تتوقعه النماذج العلمية، في حين تبدو كميات الرصاص القديم أقل من المتوقع، وهو ما يعرف بـ“مفارقة الرصاص المفقود”.

فرضيات قديمة غير كافية
لفترة طويلة، افترض العلماء أن هذا الرصاص قد يكون غاص إلى لبّ الأرض خلال المراحل المبكرة من تشكل الكوكب، لكن هذه الفرضية لم تتمكن من تفسير آلية انتقال الرصاص أو استقراره داخل اللب على مدى مليارات السنين بشكل كامل.
نموذج جديد من داخل الوشاح الأرضي
قاد فريق البحث البروفيسور سايمون ريدفيرن، والدكتورة ليو سيويو من قسم علوم الأرض والبيئة في الجامعة، حيث ركزوا على سلوك مركب كبريتيد الرصاص (PbS) في ظروف الضغط والحرارة الشديدة الموجودة داخل الأرض.
وأظهرت المحاكاة الحاسوبية، أن هذا المركب يصبح شديد الاستقرار في أعماق الوشاح الأرضي، ويمكنه البقاء في حالة صلبة حتى عند درجات حرارة تصل إلى نحو 5000 درجة مئوية، وهي ظروف تفوق بكثير بيئة الوشاح الفعلية.

خزانات مخفية من الرصاص القديم
تشير النتائج إلى أن الأرض قد تحتوي على خزانات عميقة من الرصاص القديم، تكونت في المراحل الأولى من تاريخ الكوكب، وظلت محصورة داخل الوشاح دون أن تختلط بالصخور السطحية.
وهذا يفسر لماذا تظهر الصخور السطحية نسبًا أقل من الرصاص الأصلي مقارنة بالتوقعات، إذ يبقى جزء كبير منه “محجوزًا” في الأعماق بعيدًا عن عمليات إعادة التدوير الجيولوجي.
مركبات جديدة لم تُكتشف من قبل
لم تتوقف نتائج الدراسة عند هذا الحد، بل توقعت وجود مركبات كبريتية جديدة للرصاص لم تُرصد من قبل، وهي PbS₂ وPbS₃، والتي يمكن أن تتكون في مناطق غنية بالكبريت داخل الوشاح.
وتشير المحاكاة إلى أن مركب PbS₂ يبقى مستقرًا في حالته الصلبة، بينما يتميز PbS₃ بدرجة انصهار أقل، ما يسمح له بالتحول إلى حالة سائلة في بعض الظروف، وبالتالي الصعود تدريجيًا نحو القشرة الأرضية.

تسرب بطيء يفسر آثارًا قديمة
عند صعود هذه المركبات نحو السطح عبر النشاط البركاني، يمكن أن تحمل معها كميات صغيرة من الرصاص القديم، ما يفسر وجود بصمات نظائرية قديمة في الصخور البركانية الحديثة.
محاكاة بدل الحفر في أعماق الأرض
نظرًا لاستحالة الوصول المباشر إلى أعماق تصل إلى آلاف الكيلومترات، اعتمد الباحثون على تقنيات محاكاة متقدمة باستخدام برنامج CALYPSO، الذي يسمح بتوقع سلوك الذرات تحت ظروف الضغط العالي.
وأظهرت النتائج، أن هذه المركبات الكبريتية قادرة على البقاء مستقرة لفترات زمنية طويلة جدًا، ما يجعلها مرشحًا قويًا لتخزين العناصر الثقيلة داخل باطن الأرض.
أهمية الاكتشاف
يمثل هذا الاكتشاف تحولًا مهمًا في فهم الكيمياء الداخلية للأرض، إذ يغير التصورات التقليدية حول توزيع العناصر الثقيلة، ويقدم تفسيرًا علميًا مقنعًا لمفارقة الرصاص المفقود.
كما يساعد في فهم كيفية توزيع العناصر بين طبقات الأرض المختلفة، وتأثير الكبريت في التحكم في حركة المعادن داخل الكوكب.
انعكاسات كونية أوسع
لا يقتصر تأثير هذه النتائج على الأرض فقط، بل يمتد إلى فهم تطور الكواكب الصخرية الأخرى مثل المريخ، إذ يمكن أن تلعب العمليات الكيميائية نفسها دورًا في توزيع المعادن داخلها.
الخطوات القادمة
يخطط الباحثون في المرحلة المقبلة لمحاكاة ظروف الوشاح الأرضي في المختبر، واختبار صحة النماذج النظرية عمليًا، إلى جانب تحليل عينات صخرية بركانية للبحث عن أدلة مباشرة على وجود هذه المركبات.
ويأمل الفريق أن تساعد هذه الجهود في كشف المزيد من أسرار باطن الأرض، وربما حل ألغاز جيولوجية أخرى ما زالت غير مفسرة حتى اليوم.





