الذرة الأفريقية تواجه الجفاف.. وابتكارات جديدة تزرع الأمل في الحقول
التقنيات الشمسية والبذور المقاومة للجفاف تمنح أفريقيا فرصة جديدة للغذاء والاستدامة
الذرة، أو الذرة الصفراء، هي أكبر محصول حبوب في أفريقيا، تُزرع على مساحة 40 مليون هكتار من الأراضي الزراعية.
بالنسبة إلى واويرا نْجيرو، مؤسسة مبادرة “فود فور إديوكيشن” الكينية، تمثل الذرة طعم الوطن.
تقول: “عندما كنت طفلة، كان طعامي المفضل هو الأوجالي، ولا يزال كذلك حتى اليوم”، في إشارة إلى الطبق الشعبي الكيني المصنوع من دقيق الذرة ويُقدَّم مع اللحم والخضروات المطهية.
الأوجلي شائع في شرق وجنوب القارة أيضًا، إذ تقول نْجيرو: “سافرت إلى دول مثل زامبيا، حيث يؤمن الناس بأنه لا توجد وجبة حقيقية دون نسختهم الخاصة من الأوجالي”.
من هذا الحب للطعام، أسست نْجيرو عام 2012 منظمة “فود فور إديوكيشن”، التي بدأت بإطعام 25 طفلًا فقط، قبل أن تتوسع لتقدم وجبات يومية إلى 600 ألف طفل في المدارس الكينية.
غير أن محصول الذرة يواجه أزمة متفاقمة، إذ يحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، في حين يعتمد 33 مليون مزارع صغير في أفريقيا على الأمطار غير المنتظمة، ما يجعل الزراعة عرضة لتقلبات المناخ.

111 مليون في أفريقيا يعانون انعدام الأمن الغذائي
تفاقم تغير المناخ الأزمة، فخلال العقد الماضي تسببت موجات الجفاف الشديدة في تدمير المحاصيل.
بين عامي 2020 و2023، شهد القرن الأفريقي، الذي يضم كينيا وإثيوبيا والصومال، ستة مواسم مطيرة متتالية بلا أمطار، وهي من أطول وأقسى موجات الجفاف المسجلة وفق الأمم المتحدة.
وتقدّر البنك الدولي أن نحو 111 مليون شخص في شرق ووسط وغرب أفريقيا يعانون انعدام الأمن الغذائي بسبب المناخ والنزاعات.
يبلغ متوسط إنتاجية الهكتار من الذرة في أفريقيا نحو 2.1 طن، مقارنة بـ5.9 طن عالميًا و11.1 طن في الولايات المتحدة، أكبر منتج للذرة في العالم.
نتيجة لذلك، تستورد أفريقيا ما قيمته 50 مليار دولار سنويًا من الغذاء، معظمها من الحبوب. وقد أدت الأزمات العالمية مثل جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية إلى تعطيل سلاسل التوريد وارتفاع الأسعار.
تقول نْجيرو: “شهدنا أوقاتًا كان فيها سعر الذرة يتضاعف مرتين أو ثلاث مرات في الكيس الواحد، نتيجة الصدمات المناخية ونقص الأسواق المنظمة”.
ومع اعتماد ملايين الأفارقة على الذرة كمصدر رئيسي للسعرات الحرارية، أصبح أمن الغذاء في القارة مهددًا. لذلك يتجه الخبراء والمزارعون نحو بدائل جديدة وأكثر مرونة.

المشكلة مع الذرة
أُدخلت الذرة إلى أفريقيا في القرن السادس عشر بعد أن استأنسها سكان المكسيك قبل تسعة آلاف عام. وبفضل إنتاجيتها العالية، حلت تدريجيًا محل المحاصيل المحلية، خاصة في ظل السياسات الاستعمارية التي عززت زراعتها.
إلا أن الزراعة الأحادية للذرة أضعفت التربة، ومع تغير المناخ، باتت المحاصيل المحلية القديمة مثل الذُرة الرفيعة (السورغم) والتيف أكثر قدرة على التكيف مع الجفاف.
تقول إسماهان العُوَافي، المديرة التنفيذية لمجموعة أبحاث الزراعة الدولية CGIAR، إن هذه المحاصيل “أكثر غنى بالمغذيات من الذرة”، لكنها لم تنل الاهتمام الكافي من الأبحاث والسياسات.
غير أن التحول الكامل إلى هذه الحبوب ليس حلًا سحريًا، فإثيوبيا، على سبيل المثال، تعتمد على التيف، لكنها لا تزال تعاني سوء التغذية بسبب ضعف الإنتاجية ونقص البذور المحسنة، لذلك تدعو العُوَافي إلى تنويع النظام الغذائي بدلاً من استبدال محصول بآخر.

مبادرات في كينيا.. أكثر تغذية واستدامة
في كينيا، تطور مبادرة فود فور إديوكيشن وجباتها لتكون أكثر تغذية واستدامة، إذ تقدم “عصيدة مدعمة” قاعدتها الذرة وممزوجة بالسورغم والدخن لزيادة الألياف وتحسين القيمة الغذائية.
غير أن توسيع استخدام هذه المحاصيل يتطلب توافرًا أكبر في الأسواق وسلاسل توريد مستدامة. فمعظم محصول السورغم في أفريقيا يُوجَّه لإنتاج الجعة، ما يصعّب على المؤسسات الخيرية شراءه بأسعار مناسبة.
وتقول نْجيرو: “لو اشترينا السورغم بالكميات التي نحتاجها، سننافس شركات البيرة في السوق”.
لهذا السبب، تعتمد المنظمة بنسبة 80% على المزارعين الصغار والتعاونيات التي توفر 70% من الغذاء في أفريقيا، ما يعزز الاقتصاد المحلي ويضمن الطلب المستمر على المحاصيل البديلة.
في خطوة لافتة، أعلنت الحكومة الكينية في مايو 2025 إدراج السورغم والدخن والبازلاء واللوبيا الخضراء ضمن المخزون القومي للحبوب، الذي كان يقتصر سابقًا على الذرة والقمح، في محاولة لتعزيز الزراعة الذكية مناخيًا وتنويع مصادر الغذاء.

بذور التغيير
في الوقت نفسه، يعمل العلماء على تطوير أنواع من الذرة أكثر قدرة على مقاومة الجفاف والآفات.
ومن خلال المركز الدولي لتحسين الذرة والقمح (CIMMYT)، طوّرت CGIAR أكثر من 150 صنفًا من الذرة المقاومة للجفاف، استفاد منها نحو 60 مليون شخص في 20 دولة أفريقية.
تشير التقديرات إلى أن هذه الأصناف تحقق زيادة في الإنتاج بنحو 500 كيلوجرام للهكتار الواحد.
كما تم تطوير بذور مقاومة لآفات مثل دودة الحشد الخريفية، وأخرى غنية بفيتامين (أ).
ووفقًا لتحالف الثورة الخضراء في أفريقيا (AGRA)، قفز إنتاج البذور المعتمدة من 2000 طن فقط عام 2006 إلى أكثر من 358 ألف طن عام 2023، بفضل الاستثمارات والدعم الحكومي.
كذلك، أطلقت مبادرة “التحول التكنولوجي للزراعة الأفريقية (TAAT)” عام 2018، لتدريب المزارعين وتطوير سلاسل الإمداد الزراعي، وقد استفاد منها 25 مليون مزارع، وارتفعت الإنتاجية الزراعية بنسبة 69%.

العمل مع الطبيعة
يعتمد نهج الزراعة الإيكولوجية أو “الزراعة التجديدية” على تقليد الأنظمة البيئية الطبيعية، ما يساعد في إصلاح الأراضي المتدهورة.
يقول كريس ماكولو، المدير الإقليمي لمنظمة “جيراني نيبرز” في شرق أفريقيا: “الزراعة الصناعية أفقرت الناس وقتلت التربة، وربطتنا بأنظمة غذائية خارجية بدلاً من تطوير حلولنا المحلية”.
فقرابة 65% من الأراضي الزراعية في أفريقيا متدهورة، وتفقد القارة نحو 4 مليارات دولار سنويًا من العناصر الغذائية للتربة.
الزراعة التجديدية، من خلال زراعة البقوليات الغنية بالنيتروجين إلى جانب الذرة، تُعيد خصوبة الأرض طبيعيًا، ففي مالاوي، أدى الجمع بين الذرة والبقوليات إلى زيادة الإنتاج بنسبة 38%.
وتؤكد العُوَافي أن الزراعة الإيكولوجية “أفضل طريق للمستقبل“، لكنها تتطلب حوافز حكومية لتعويض المزارعين عن الانخفاض المؤقت في الإنتاج خلال السنوات الأولى.

حلول شمسية
تلعب الطاقة المتجددة دورًا متزايد الأهمية، إذ تعمل منظمة REEEP النمساوية مع القطاع الخاص لتوسيع أنظمة الري بالطاقة الشمسية.
يقول كومبيراي ماكانزا، الخبير في تمويل الطاقة المتجددة: “الري الشمسي يمنح المزارعين حماية من تغير المناخ، ويسمح لهم بزراعة محصول ثانٍ بدل انتظار موسم الأمطار الواحد”.
ومع انتشار هذه التقنيات في زيمبابوي وكينيا ومالاوي، بدأت تظهر مزارع أكثر مرونة واستدامة.
تختم نْجيرو بقولها: “حين أفكر في الأمن الغذائي، أفكر في كلمة واحدة: المرونة، فسواء كانت الذرة أو أي محصول آخر، المهم أن نضمن الغذاء المستمر والغني بالمغذيات للناس”.






