أخبارالاقتصاد الأخضرالتنمية المستدامة

تراجع خطير يهدد التنمية في الدول النامية وسط ركود عالمي متصاعد

ثلاث أولويات لإنقاذ الاقتصاد العالمي من التباطؤ التاريخي

الاقتصاد العالمي على مفترق طرق.. بطء النمو وارتفاع الديون يهددان التقدم

بعد مرور ستة أشهر فقط على ظهور أولى بوادر انخفاض معدلات التضخم عالميًا، وانبعاث أمل في استقرار الاقتصاد الدولي عقب سلسلة غير معتادة من الكوارث الطبيعية وتلك الناتجة عن تدخلات بشرية خلال السنوات الأخيرة، تلاشت تلك اللحظات الوجيزة من التفاؤل.

اليوم، يجد العالم نفسه مجددًا في خضم اضطرابات اقتصادية متجددة، وإذا لم يُصحح المسار سريعًا، فقد تكون التداعيات قاسية على مستويات المعيشة في معظم البلدان، خاصة النامية منها.

أدت التوترات الدولية، ولا سيما في مجال التجارة، إلى تقويض قدر كبير من اليقين الذي كان يحيط بالسياسات الاقتصادية التي ساعدت، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، على خفض معدلات الفقر وزيادة الازدهار.

أضعف معدل منذ 17 عامًا

وتشير التقديرات إلى أن هذه الاضطرابات ستؤدي إلى خفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي هذا العام بنحو نصف نقطة مئوية عن التوقعات السابقة، ليصل إلى 2.3%، وهو أضعف معدل منذ 17 عامًا، باستثناء فترات الركود العالمي.

وبحلول عام 2027، يُتوقع أن يبلغ متوسط النمو في العقد الحالي نحو 2.5% فقط، في أبطأ وتيرة نمو منذ ستينيات القرن الماضي.

ووفقًا لأحدث تقرير صادر عن المؤسسات الدولية المعنية بآفاق الاقتصاد العالمي، فإن الدول الأكثر فقرًا ستكون الأكثر تضررًا، فيما يتجه العديد من بلدان العالم النامي نحو حالة مزمنة من ضعف التنمية.

الدول تحتاج إلى عقدين لتعويض خسائر هذا العقد

وبحلول عام 2027، من المرجح أن يعود نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في البلدان مرتفعة الدخل إلى مستواه الطبيعي المفترض قبل الجائحة، بينما ستتراجع مستويات نصيب الفرد في البلدان النامية، باستثناء الصين، بنحو 6%، مما يعني أن هذه الدول قد تحتاج إلى نحو عقدين لتعويض خسائر هذا العقد.

هذه التحديات لم تظهر فجأة، بل تراكمت على مدى أكثر من عشر سنوات.

فقد تراجع متوسط نمو الاقتصادات النامية من 5.9% في العقد الأول من الألفية إلى 5.1% في العقد الثاني، ثم إلى 3.7% في العقد الحالي.

وتزامن هذا التباطؤ مع انخفاض مماثل في نمو التجارة العالمية، من متوسط 5.1% إلى 4.6% ثم 2.6% حاليًا.
كذلك، أصبح الاستثمار ينمو بوتيرة أضعف، وتزايدت مستويات الديون.

من الازدهار إلى الانكماش

خلال نصف القرن الماضي، حققت البلدان النامية إنجازًا اقتصاديًا تمثل في مضاعفة نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أربع مرات، وإنقاذ أكثر من مليار شخص من الفقر المدقع.

أما اليوم، فتسير العديد من القوى التي ساهمت في تحقيق هذه “المعجزة الاقتصادية” في الاتجاه المعاكس.

لم تعد الظروف مواتية لإصلاح السياسات الاقتصادية من دون آثار سلبية. كذلك، اختفت البيئة التي اتسمت بأسعار فائدة منخفضة للغاية خلال العقدين الماضيين.

وفي ظل هذا الواقع، ظل صانعو السياسات مكتوفي الأيدي، آملين في تحسن الأوضاع تلقائيًا، إلا أن هذا الأمل ثبت أنه كان سرابًا.

ولذلك، بات من الضروري التحرك الفوري لتصحيح المسار، وهو ما يتطلب التركيز على ثلاث أولويات رئيسية:

1- إعادة بناء العلاقات التجارية

تؤكد الشواهد والتحليلات أن التعاون الاقتصادي هو الخيار الأمثل لجميع الأطراف.

فحل النزاعات التجارية الحالية من خلال اتفاقيات تقلل الرسوم الجمركية إلى النصف مقارنة بمستوياتها في مايو 2025 قد يعزز النمو العالمي بمقدار 0.2% في المتوسط خلال عامي 2025 و2026.

تُفرِض الاقتصادات النامية اليوم رسومًا جمركية أعلى بكثير من تلك التي تفرضها الاقتصادات المتقدمة.

وإذا كانت هذه الدول تطمح إلى تحقيق نمو أسرع، فعليها خفض تلك الرسوم على جميع شركائها التجاريين.

كما أن تحويل اتفاقيات التجارة التفضيلية التي تركز على الرسوم الجمركية إلى “اتفاقيات تجارية شاملة” تشمل السياسات التنظيمية العابرة للحدود يمكن أن يساهم في تسريع النمو.

وينبغي أن تضطلع هذه الدول بدور فاعل في استعادة نظام تجاري عالمي فعّال ومنظم من خلال التعاون داخل منظمة التجارة العالمية، بما يعزز اليقين ويقلل من تكاليف التجارة، وهو ما ينعكس إيجابيًا على الناتج المحلي الإجمالي.

2- استعادة الانضباط المالي

توالي الصدمات الاقتصادية خلال هذا العقد أدى إلى زعزعة الاستقرار المالي في عدد كبير من الاقتصادات النامية.

ولكن الأمر لا يقتصر على هذه الصدمات، فقد سبقها عهد من التوسع في الاقتراض والتساهل المالي خلال فترات التيسير النقدي، وخاصة قبل جائحة “كوفيد-19”.

وقد آن الأوان الآن لسداد الفاتورة: إذ يبلغ متوسط عجز المالية العامة في الاقتصادات النامية حاليًا نحو 6%، وهو أعلى مستوى منذ بداية القرن.

وتُشكّل فوائد الدين وحدها قرابة ثلث هذا العجز.

أما في البلدان منخفضة الدخل، فقد تفاقمت الأوضاع بسبب انخفاض المساعدات الخارجية، التي كانت تموّل قطاعات حيوية مثل الرعاية الصحية.

نتيجة لذلك، أصبح أكثر من نصف هذه الدول إما في حالة مديونية حرجة أو معرضة لها بشدة.

ينبغي لهذه الاقتصادات توسيع قاعدة إيراداتها لتتمكن من مجابهة التحديات.

إذ لا تتجاوز الإيرادات العامة فيها 25% من الناتج المحلي، مقارنة بـ 40% في الاقتصادات الغنية.

ويُوصى بتوسيع القاعدة الضريبية، وتحسين إدارة الضرائب وتحصيلها، مع توجيه الدعم الحكومي للغذاء والطاقة إلى الفئات الأكثر احتياجًا فقط.

3- تسريع خلق الوظائف

يشهد العالم تحولًا ديموغرافيًا كبيرًا يزيد من الضغط على أسواق العمل، لا سيما في الدول الفقيرة.

ففي أفريقيا جنوب الصحراء، من المتوقع أن يتضاعف عدد السكان في سن العمل ليصل إلى أكثر من 600 مليون نسمة بحلول عام 2050.

أما جنوب آسيا فستضيف نحو 300 مليون شخص في سن العمل، والشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكثر من 100 مليون.

ستحدد قدرة هذه المناطق على التعامل مع هذا التحدي مستقبل السلام والازدهار العالمي على المدى الطويل.

ويتطلب ذلك رفع معدلات النمو الاقتصادي، وتعزيز مهارات القوى العاملة، وتهيئة أسواق العمل للعمل بكفاءة ومرونة.

ختامًا: مفترق طرق عالمي

العالم اليوم أمام لحظة مفصلية، القوى التي دعمت التنمية والتقارب الاقتصادي لعقود بدأت في التراجع، لكن لا يزال أمامنا فرصة لإعادة توجيه السياسات نحو مستقبل أكثر استدامة وعدالة.

من خلال تعزيز التعاون الدولي، واستعادة الانضباط المالي، وتسريع وتيرة خلق فرص العمل، يمكننا إعادة إحياء التقدم في محاربة الفقر، وتحسين مستويات المعيشة للأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading