أخبارالاقتصاد الأخضرالتنمية المستدامة

الحرارة والجفاف يحاصران مزارعي أوروبا.. تراجع حاد في الذرة والأرز والخضراوات

من الأرز إلى الحليب.. كيف تهدد موجات الحر والجفاف الأمن الغذائي في أوروبا؟

موجات الحر والجفاف تضرب زراعة أوروبا.. خسائر كارثية تهدد المحاصيل والأمن الغذائي

تواجه الزراعة الأوروبية واحدة من أصعب أزماتها في السنوات الأخيرة، بعدما تسببت موجات متتالية من الحرارة الشديدة وجفاف واسع النطاق في إلحاق أضرار كبيرة بالمحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية، وسط تحذيرات من مزارعين ومنظمات زراعية من تراجع حاد في الإنتاج، ووصول بعض المحاصيل إلى مستويات توصف بأنها «كارثية».

وتضرب الأزمة عددًا كبيرًا من المناطق الزراعية الأوروبية في الوقت نفسه، وهو ما يحرم المزارعين من ميزة اعتادوا عليها في السنوات السابقة، عندما كانت خسائر منطقة ما يمكن تعويضها بإنتاج أفضل في منطقة أخرى.

ويقول منتجو الخضراوات والحبوب إن درجات الحرارة المرتفعة، التي تجاوزت في كثير من المناطق 30 درجة مئوية ولامست أو تجاوزت 35 درجة، بالتزامن مع نقص الأمطار والرياح الساخنة، عطلت مراحل مهمة من نمو النباتات، ودفعت المزارع الأوروبية إلى مواجهة ضغوط متزايدة على الإنتاج والمياه والتكاليف.

فرنسا.. خسائر حادة في الخضراوات والحبوب

تعد فرنسا من أكثر الدول الأوروبية تضررًا من موجات الحر والجفاف الحالية، مع تسجيل تراجعات كبيرة في إنتاج عدد من الخضراوات.

ووفق تقديرات منتجي الخضراوات الفرنسيين، انخفض الإنتاج بنسب كبيرة مقارنة بالسنوات السابقة، إذ تقدر الخسائر بنحو 25% في الكوسة، و35% في الخس، و40% في البازلاء، و60% في البروكلي، بينما تراوحت خسائر الخرشوف بين 50% و100% لدى بعض المنتجين.

وتجمع مؤسسة «برنس دو بريتاني» أكثر من 1,300 منتج للخضراوات في منطقة بريتاني الفرنسية، وقد وصفت الوضع بأنه «أزمة تاريخية» للقطاع، مطالبة بتحرك عاجل لمواجهة التراجع الحاد في الإنتاج وجودة العديد من المحاصيل.

وتزامنت الخسائر مع ظروف مناخية استثنائية، بعدما تعرضت مناطق واسعة من فرنسا لدرجات حرارة مرتفعة للغاية وفترات طويلة من الجفاف، ما أدى إلى إجهاد النباتات خلال مراحل حساسة من دورة نموها.

جفاف الدانوب يهدد الزراعة والطاقة ومياه الشرب

الذرة الفرنسية تتراجع إلى مستويات تاريخية

لم تقتصر تداعيات الجفاف والحرارة على الخضراوات، وإنما امتدت إلى الحبوب، وفي مقدمتها الذرة.

وتتوقع وزارة الزراعة الفرنسية انخفاض محصول الذرة في 2026 بنحو 35% مقارنة بعام 2025، ليصل إلى قرابة 9 ملايين طن، وهو مستوى لم تشهده البلاد منذ عام 1980.

ويرجع جزء من هذا التراجع إلى تحول بعض المزارعين إلى زراعة محاصيل أخرى مثل عباد الشمس، إلا أن موجات الحر الشديدة ألحقت أيضًا أضرارًا مباشرة بمحصول الذرة، خصوصًا خلال المراحل الحرجة من نموه.

ويمثل تراجع إنتاج الذرة مصدر قلق إضافيًا لمربي الماشية، لأن المحصول يستخدم على نطاق واسع في تغذية الحيوانات، بينما يواجه المزارعون أصلًا نقصًا في الأعلاف اللازمة لفصل الشتاء.

الأبقار تعاني من الإجهاد الحراري

لا تتوقف تداعيات الحرارة عند المحاصيل، بل تمتد إلى الحيوانات المنتجة للأغذية.

وتبدأ الأبقار الحلوب عادة في إظهار علامات الإجهاد الحراري عندما تتجاوز درجات الحرارة نحو 25 درجة مئوية، وهي درجات أصبحت أكثر شيوعًا خلال موجات الحر الأوروبية الأخيرة.

وأبلغ العديد من منتجي الألبان في فرنسا عن انخفاض إنتاج الحليب بنسبة تتراوح بين 10% و15%، بينما تزايدت المخاوف بشأن توافر الأعلاف خلال فصل الشتاء.

وأظهرت بيانات جهاز الإحصاء الزراعي الفرنسي «أجريست» أن إنتاج القش المستخدم كعلف شتوي للماشية يقل بنحو 30% عن متوسط الفترة بين عامي 1989 و2018، مع اتساع رقعة المناطق المتضررة.

وهذا يعني أن الأزمة لا تهدد الإنتاج الزراعي الحالي فحسب، بل قد تمتد آثارها إلى الأشهر المقبلة، عندما يواجه المزارعون تحديًا إضافيًا يتمثل في توفير الغذاء للماشية.

الإجهاد الحراري يضرب صناعة الألبان
موجات الحر تضرب الزراعة والثروة الحيوانية في أوروبا

الحرارة تضرب إنتاج البيض أيضًا

تأثرت صناعة الدواجن كذلك بموجات الحرارة، خاصة خلال موجة الحر التي ضربت فرنسا في يونيو.

وأدت درجات الحرارة المرتفعة داخل مزارع الدواجن إلى ارتفاع معدلات النفوق، ما انعكس على إنتاج البيض.

ووفق المجلس الوطني الفرنسي لترويج البيض، انخفض الإنتاج بنحو مليون بيضة يوميًا مقارنة بالمستويات المعتادة.

وتوضح هذه التطورات أن تأثير تغير المناخ على الأمن الغذائي لا يظهر فقط في تراجع المحاصيل، وإنما يمتد عبر سلسلة الإنتاج الغذائي بأكملها، من النباتات إلى الحيوانات والمنتجات الزراعية النهائية.

تأثرت صناعة الدواجن كذلك بموجات الحرارة، خاصة خلال موجة الحر التي ضربت فرنسا

إيطاليا.. الجفاف يضرب 60% من الأراضي الزراعية

في إيطاليا، أصبحت الأزمة أكثر وضوحًا، إذ تشير بيانات منظمة «كولديريتي» الزراعية إلى أن نحو 60% من الأراضي الزراعية في البلاد تتأثر حاليًا بدرجات متفاوتة من الجفاف، تتراوح بين الخفيف والشديد.

وتعرضت محاصيل الذرة والأرز وفول الصويا والخضراوات والفاكهة لأضرار كبيرة، فيما تراجع إنتاج الحليب بنحو 20%.

وتقدر الخسائر الاقتصادية الإجمالية التي لحقت بالقطاع الزراعي الإيطالي، بما في ذلك الأضرار الناجمة عن حرائق الغابات والعواصف الشديدة، بأكثر من 3 مليارات يورو.

إيطاليا.. الجفاف يضرب 60% من الأراضي الزراعية
إيطاليا.. الجفاف يضرب 60% من الأراضي الزراعية

وادي بو.. معركة من أجل إنقاذ محصول الأرز

يعد وادي بو في شمال إيطاليا من أكثر المناطق الزراعية تعرضًا للضغط المائي.

ويمثل الوادي العمود الفقري للزراعة الإيطالية، ويضم نحو 80% من إنتاج الأرز في البلاد، إلا أن تراجع منسوب نهر بو، أطول أنهار إيطاليا، أدى إلى تفاقم أزمة المياه.

وتعد إيطاليا أكبر منتج للأرز في أوروبا، وكانت المساحة المزروعة بالأرز تبلغ نحو 235 ألف هكتار في عام 2025.

لكن المزارعين اضطروا هذا العام إلى تبني إجراء غير مسبوق للحفاظ على المحاصيل، يتمثل في ري الحقول أسبوعًا وتركها دون ري في الأسبوع التالي، في محاولة للتعامل مع نقص المياه.

وتظهر صور الأقمار والطائرات للمناطق الزراعية في وادي بو التباين الحاد بين الأراضي التي تعرضت للإجهاد الحراري والجفاف وتحولت إلى اللون الأصفر، والمساحات التي لا تزال تحتفظ بغطاء نباتي أخضر بفضل عمليات الري المحدودة.

إسبانيا.. الحبوب تتراجع بنسب تصل إلى 49%

تواجه إسبانيا بدورها خسائر كبيرة في قطاع الحبوب.

وتشير البيانات الرسمية إلى انخفاض إنتاج الحبوب بنحو 35% في منطقة قشتالة وليون، و49% في منطقة مدريد، و24% في الأندلس مقارنة بالعام السابق.

ولم تقتصر الخسائر على الحبوب، إذ تراجع إنتاج حليب الأغنام بنحو 6.5%، بينما انخفض إنتاج حليب الماعز بنسبة 10.8%.

أما قطاع زيت الزيتون، فلا يزال من المبكر تحديد حجم تأثير الموسم الحالي عليه، خاصة أن الأمطار خلال الشتاء والربيع قدمت ظروفًا مواتية نسبيًا للمحصول الذي لا يتم حصاده عادة إلا في أواخر الخريف.

لكن قطاع النبيذ يواجه توقعات أكثر تشاؤمًا.

وتتوقع الفيدرالية الوطنية الإسبانية للنبيذ انخفاض الإنتاج خلال 2026 بنحو 20%، مع تحذيرات من أن موجات الحر المتتالية ستؤدي إلى تراجع الإنتاج نتيجة صغر حجم حبات العنب بسبب نقص الرطوبة.

تغير المناخ يزيد ضغوط الزراعة الأوروبية

لا يمكن فصل الأزمة الحالية عن الاتجاهات المتزايدة لارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط هطول الأمطار في أوروبا.

فالموجات الحارة المتكررة أصبحت تضغط على المحاصيل خلال مراحل النمو الحساسة، بينما يؤدي نقص المياه إلى تراجع قدرة المزارعين على تعويض الحرارة من خلال الري.

ويؤدي اجتماع الحرارة الشديدة والجفاف والرياح الساخنة إلى زيادة معدلات تبخر المياه من التربة، ورفع إجهاد النباتات، وتقليص إنتاجية المحاصيل.

كما أن ارتفاع درجات الحرارة يؤثر بصورة مباشرة على الحيوانات، من خلال زيادة الإجهاد الحراري وانخفاض إنتاج الحليب والبيض واللحوم، إلى جانب ارتفاع مخاطر النفوق في بعض الحالات.

وتكمن الخطورة الأكبر في تزامن هذه العوامل على مستوى القارة، إذ لم تعد الخسائر مقتصرة على منطقة زراعية واحدة يمكن تعويضها بإنتاج مناطق أخرى.

حرارة قياسية وأزمات متلاحقة.. أوروبا تواجه اختبارًا قاسيًا أمام التغير المناخي
الزراعة تحت ضغط الحرارة والجفاف

أزمة زراعية تتحول إلى قضية أمن غذائي

وتثير الخسائر الزراعية الأوروبية مخاوف تتجاوز المزارعين لتصل إلى المستهلكين والأسواق وسلاسل الإمداد الغذائي.

فانخفاض الإنتاج المحلي من الخضراوات والحبوب والزيوت ومنتجات الألبان قد يؤدي إلى زيادة الحاجة إلى الاستيراد، بينما يمكن أن ينعكس انخفاض المعروض على الأسعار.

كما قد تضطر الصناعات الغذائية إلى البحث عن مصادر بديلة للمواد الخام الزراعية، وهو ما يضيف تكاليف جديدة إلى سلاسل الإنتاج والنقل والتخزين.

وفي الوقت نفسه، يواجه المزارعون ضغوطًا مالية متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الري والطاقة والأعلاف، في الوقت الذي تتراجع فيه كميات الإنتاج.

وبذلك يتحول تغير المناخ من تحدٍ بيئي طويل الأجل إلى عامل اقتصادي مباشر يؤثر في دخل المزارعين وأسعار الغذاء وقدرة الأسواق على تأمين الإمدادات.

الحكومات تتحرك لمواجهة الأزمة

دفعت الخسائر المتزايدة الحكومات الأوروبية إلى الإعلان عن حزم دعم مالي للمزارعين المتضررين.

وفي فرنسا، تعهد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو بتقديم مساعدات فورية بقيمة 145 مليون يورو، إلى جانب إجراءات دعم واستثمارات هيكلية من المقرر تضمينها في موازنة عام 2027.

لكن المزارعين والمنظمات الزراعية يرون أن المساعدات الطارئة وحدها قد لا تكون كافية، في ظل احتمال تكرار موجات الحرارة والجفاف بوتيرة أكبر خلال السنوات المقبلة.

وتحتاج الزراعة الأوروبية إلى استثمارات طويلة الأجل في إدارة المياه، وتطوير نظم الري، وتحسين التربة، واستخدام أصناف أكثر قدرة على تحمل الحرارة والجفاف، وتنويع المحاصيل، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر والتنبؤ بالمخاطر المناخية.

أوروبا أمام اختبار جديد للزراعة

تكشف موجات الحر والجفاف الحالية هشاشة جزء كبير من منظومة الزراعة الأوروبية أمام التغيرات المناخية المتسارعة.

فمن فرنسا إلى إيطاليا وإسبانيا، تتكرر الصورة نفسها: محاصيل أقل، مياه أكثر ندرة، حيوانات تعاني الإجهاد الحراري، وتكاليف إنتاج متزايدة.

ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الأمطار، قد تصبح مثل هذه الظروف الاستثنائية أكثر تكرارًا، وهو ما يفرض إعادة التفكير في شكل الزراعة الأوروبية خلال العقود المقبلة.

وتشير الأزمة الحالية إلى أن التكيف مع تغير المناخ لم يعد خيارًا مؤجلًا بالنسبة للمزارعين، بل أصبح ضرورة اقتصادية وغذائية، خاصة أن حماية الإنتاج الزراعي تعني في النهاية حماية الأمن الغذائي واستقرار الأسواق وقدرة المجتمعات على الحصول على غذاء كافٍ وبأسعار يمكن تحملها.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة