التفاصيل الكاملة لمدينة عمرة شرق عمّان.. كيف يستلهم الأردن التجربة المصرية لبناء مدينة المستقبل؟
هل يدخل الأردن عصر المدن الخضراء الذكية؟ استيعاب النمو السكاني وتحفيز الاقتصاد المستدام.. فرصة تاريخية للتنمية الذكية
مدينة عمرة التي تقع شرق العاصمة الأردنية عمان، مشروع أردني يستلهم روح التجربة المصرية وما تم في العاصمة الإدارية الجديدة ، لإنشاء مدينة حديثة جرى التخطيط لها مسبقًا، وتهدف إلى توفير بيئة متكاملة للسكن والعمل والاستثمار والخدمات، تقول الحكومة إن المشروع يمثل تحولًا في أسلوب التخطيط الحضري، عبر الانتقال من التوسع العشوائي للمدن القائمة إلى مدن تُبنى وفق رؤية شاملة منذ البداية.
مدينة عمرة ليست مشروعًا سياحيًا منفصلًا، بل نموذج تنموي متعدد الأبعاد يعيد تعريف دور السياحة في الاقتصاد الأردني، ويؤسس لمرحلة جديدة من التخطيط الحضري المستدام، تقوم على التكامل بين الاستثمار، والمجتمع، والبيئة، والإرث الثقافي. نجاح المشروع لن يقاس بعدد الزوار فقط، بل بقدرته على خلق قيمة مضافة طويلة الأمد، وتحقيق تنمية متوازنة تعيد رسم خريطة الفرص في المملكة.
تقع المدينة في موقع إستراتيجي بالمنطقة الشرقية بين العاصمة عمّان ومدينة الزرقاء، على بُعد نحو 70 كيلومترًا من العاصمة عمّان وقرب الطرق الدولية المؤدية إلى السعودية والعراق، بما يمنحها موقعًا استراتيجيًا متميزًا، وبالقرب من محاور طرق رئيسية، ما يجعلها قريبة من مراكز سكانية واقتصادية قائمة، تم اختيار اسم “عَمرة” للمدينة الجديدة نظرًا لقربها من قصر عمرة التاريخي، أحد أبرز المعالم التراثية في المنطقة، ويعكس الاسم الارتباط الجغرافي والتاريخي بالمكان، كما يسهم في حفظ البعد الثقافي والتاريخي للمنطقة، وفق القائمين على المخطط العمراني للمدينة.

استثمار يتجاوز العوائد المالية
وقد تكون الزيارة التي قام بها المهندس مصعب المهيدات، رئيس مجلس إدارة المدينة الإدارية الجديدة بالأردن، والمهندس صالح بقاعين، الرئيس التنفيذي للمدينة، للعاصمة الإدارية المصرية ومقابلة رئيسها خالد عباس هي ما قد يكون تأكيد لقواعد وأركان استلهام النموذج والتجربة المصرية في الجيل الجديد من المدن المستدامة.
يمثل المشروع فرصة استثمارية غير مسبوقة، لا تقتصر أهميته على حجم رؤوس الأموال المتوقعة، بل تمتد إلى تنويع القاعدة الاقتصادية للقطاع السياحي، عبر دمج قطاعات كانت هامشية أو غير مستثمرة بالقدر الكافي، مثل سياحة المؤتمرات، والترفيه المتكامل، والأنشطة الثقافية والتعليمية، والخدمات الفندقية المتخصصة.
ويُتوقع أن يسهم هذا التنوع في رفع تنافسية الأردن إقليميًا، خاصة في سوق الفعاليات الدولية والمعارض المتخصصة، وهي سوق عالية الإنفاق، وقادرة على إطالة مدة إقامة الزائر وزيادة متوسط إنفاقه.

منظومة سياحية مستدامة وداعمة للمجتمعات المحلية
من أبرز الأبعاد الاستراتيجية للمشروع تركيزه على الأثر الاقتصادي طويل الأمد، لا سيما في مناطق شرق المملكة التي عانت تاريخيًا من ضعف الاستثمار السياحي. فمدينة عمرة لا تستهدف استقطاب الزوار فقط، بل تسعى إلى بناء منظومة متكاملة تدعم المجتمعات المحلية، عبر خلق فرص عمل مستمرة للشباب، وتحفيز القطاعات المساندة مثل النقل، والمطاعم، والتجارة، والخدمات اللوجستية.
هذا النموذج يعزز مفهوم السياحة كأداة تنمية اجتماعية، وليس مجرد نشاط اقتصادي موسمي، وهو ما ينسجم مع توجهات الاستدامة والعدالة التنموية.

مكونات نوعية تعيد تعريف المنتج السياحي
يعتمد مشروع مدينة عمرة على حزمة من المشاريع النوعية المصممة لتشكيل محور جذب متعدد الوظائف، في مقدمتها المركز الدولي للمعارض والمؤتمرات، الذي يُنظر إليه كمحرك رئيسي لإدخال الأردن بقوة إلى سوق سياحة الأعمال والمؤتمرات، واستقطاب فعاليات دولية كبرى قادرة على تنشيط قطاعات الإقامة والنقل والخدمات.
كما تضم المدينة مدينة ترفيهية متكاملة من المقرر إنجازها عام 2028، بما يوفر منتجًا سياحيًا عائليًا متكاملًا، يفتقر إليه السوق المحلي، إلى جانب متاحف حديثة، ومراكز تكنولوجية وتعليمية، وحديقة بيئية واسعة، ما يمنح المشروع طابعًا شاملًا يجمع بين الحداثة والترفيه والثقافة والطبيعة في فضاء حضري واحد.

تكامل الحداثة مع الإرث التاريخي
يرى خبراء السياحة أن أحد أهم عناصر القوة في مشروع مدينة عمرة هو موقعه الجغرافي، القريب من القصور الصحراوية التاريخية، وعلى رأسها موقع “قصير عمرة” المدرج على قائمة التراث العالمي. هذا القرب يتيح إعادة إحياء المسار الثقافي للمنطقة، وربط الزائر بين الإرث التاريخي والحداثة العمرانية، في تجربة سياحية أكثر ثراءً وعمقًا.
هذا التكامل يسهم في خلق محور سياحي جديد يجمع بين السياحة الثقافية والترفيهية، ويؤدي إلى زيادة مدة إقامة الزائر، ورفع إنفاقه، وتعزيز صورة الأردن كوجهة سياحية متنوعة ومتقدمة.

إعادة رسم خريطة التدفق السياحي
لطالما كانت مناطق شرق المملكة خارج المسارات السياحية التقليدية، رغم غناها بالمقومات الطبيعية والتاريخية. إلا أن إدخال بنية تحتية حديثة ومشاريع نوعية بحجم مدينة عمرة، من شأنه إعادة توجيه التدفق السياحي، وتشجيع شركات السياحة على تصميم مسارات جديدة تربط بين عمّان الشرقية، والقصور الصحراوية، والمواقع الطبيعية المجاورة.
كما يمنح المشروع مكاتب السياحة والسفر مساحة واسعة لتطوير منتجات تستهدف شرائح متعددة، من العائلات، إلى المشاركين في المؤتمرات، وصولًا إلى المجموعات الشبابية، مدعومة بمرافق خدمية وتجارية قادرة على المنافسة إقليميًا.

أثر مضاعف على المهن السياحية
لا يقتصر تأثير المشروع على المستثمرين أو شركات السياحة، بل يمتد إلى المهن المرتبطة بالقطاع، وعلى رأسها الإرشاد السياحي. فزيادة عدد المواقع المطورة، وتنوع التجربة السياحية، يتيح للأدلاء تقديم روايات تاريخية أعمق وتجارب أكثر تفاعلية، ويعزز من فرص العمل والاستدامة المهنية.
كما أن الجمع بين الترفيه والثقافة والتعليم في موقع واحد يرفع من جودة التجربة السياحية الشاملة، ويجعل الجولات أكثر مرونة وشمولًا.

السياحة الترفيهية كرافعة اقتصادية
تؤكد الدراسات الاقتصادية أن السياحة الترفيهية تمثل نحو 40% من الإنفاق السياحي العالمي، ما يجعل الاستثمار في المدن الترفيهية المتكاملة خيارًا استراتيجيًا عالي العائد، يُنظر إلى مدينة عمرة كأداة لتعظيم العوائد الاستثمارية، ورفع الاحتياطيات الأجنبية، وخلق فرص عمل غير مباشرة في قطاعات النقل والفنادق والصناعات التقليدية.
وأوضح الوزير الأسبق، أستاذ الهندسة المدنية في جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية، محمد طالب عبيدات، أن مشروع مدينة عمرة يعد مشروعًا حضاريًا وعصريًا وذكيًا يجسد توجهًا استراتيجيًا نحو بناء مدن المستقبل ويعكس إرادة الدولة في الانتقال إلى أنموذج تنموي أكثر كفاءة واستدامة.
وأكد أن المشروع لا يقتصر على كونه توسعًا عمرانياً جديدًا، بل يمثل رؤية متكاملة للتنمية الحضرية تقوم على التخطيط العلمي والابتكار وتحسين جودة الحياة للمواطنين.
كما ينعكس هذا النمو على مستوى معيشة المواطنين، ويعزز من دور السياحة كقطاع محوري في الاقتصاد الوطني.

أهداف الحكومة من إنشاء المدينة
يهدف المشروع، بحسب التصريحات الرسمية، إلى:
-
إدارة النمو السكاني المتزايد في عمّان والزرقاء.
-
تخفيف الازدحام والضغط على البنية التحتية في المدن الحالية.
-
خلق فرص استثمارية واقتصادية جديدة، وتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
-
تقديم نموذج حضري حديث ومستدام بيئيًا، مع مرافق وخدمات متكاملة.
مراحل تنفيذ المخطط
ستُبنى المدينة على مراحل تمتد لنحو 25 عامًا، وتبدأ المرحلة الأولى على مساحة تقارب 40 ألف دونم من أصل نحو 500 ألف دونم مملوكة للدولة. وتشمل هذه المرحلة مشاريع خدمية ورياضية وثقافية وتجارية، يُتوقع إنجازها بين عامي 2027 و2029.
الجهة المنفذة للمشروع
سيجري تنفيذ المشروع عبر شركة تطوير مملوكة للدولة، وبالاعتماد على شراكات مع القطاع الخاص، في نموذج تمويلي يهدف إلى تقليل العبء المباشر على الخزينة العامة.
ويرى مؤيدون أن هذا النموذج قد يرفع الكفاءة ويجذب استثمارات نوعية، فيما يشدد آخرون على أهمية الشفافية والحوكمة، تفاديًا لتحميل الدولة مخاطر مالية مستقبلية.
المكونات والأنماط الأساسية للمدينة
تشير الخطط الأولية إلى أن المدينة ستضم:
-
أحياء سكنية بأنماط متعددة.
-
مناطق تجارية وصناعية واستثمارية.
-
مرافق تعليمية وصحية.
-
بنية تحتية حديثة تراعي الاستدامة البيئية.
-
مركز معارض ومؤتمرات دولية.
-
مدينة رياضية متكاملة تضم ملعبًا دوليًا.
-
مضمار سباق سيارات.
-
حديقة بيئية واسعة ومساحات خضراء.
-
مناطق تعليم وتكنولوجيا واستثمار.
وتؤكد الحكومة أن المدينة صُممت لتكون متعددة الوظائف، لا مجرد مشروع إسكان.
في المقابل، يرى مختصون أن نجاح هذه الرؤية مرهون بقدرة المدينة على توليد فرص عمل حقيقية، لا الاعتماد على القطاع العقاري فقط.
أبرز التحديات المتوقعة
رغم الطموحات المعلنة، يواجه المشروع تحديات محتملة، من بينها:
-
تأمين التمويل طويل الأمد لجميع المراحل.
-
الالتزام بالجداول الزمنية المعلنة.
-
جذب السكان والمستثمرين فعليًا.
-
توفير نقل عام فعّال يربط المدينة بمحيطها.
ويرى مؤيدو المشروع أن التخطيط المسبق يقلل هذه المخاطر، فيما يعتبر منتقدون أن التحدي الحقيقي سيظهر في مرحلة التنفيذ.





