في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه القطاع الزراعي، وعلى رأسها تدهور جودة التربة وارتفاع معدلات الملوحة، يبرز دور البحث العلمي التطبيقي كأداة حاسمة لإيجاد حلول مستدامة تعزز الأمن الغذائي وتدعم استقرار الإنتاج الزراعي.
وفي هذا الإطار، قدّم فريق من طلاب كلية الزراعة – جامعة الإسكندرية، تخصص علوم الفاكهة، مشروع تخرج متميزًا يستهدف معالجة واحدة من أخطر المشكلات التي تهدد الزراعة في مصر والمنطقة، وهي ملوحة التربة.
البيوشار.. حل بيئي واعد
اعتمد المشروع على استخدام “البيوشار” (الفحم الحيوي) كوسيلة مبتكرة وصديقة للبيئة لتحسين خصائص التربة المتأثرة بالأملاح. ويُعد البيوشار من المواد الكربونية الناتجة عن التحلل الحراري للمخلفات العضوية في بيئة منخفضة الأكسجين، ويتميز بقدرته العالية على تحسين بنية التربة وزيادة قدرتها على الاحتفاظ بالمياه والعناصر الغذائية.
ويأتي هذا التوجه في إطار البحث عن بدائل مستدامة تقلل الاعتماد على الحلول الكيميائية التقليدية، وتدعم التوجه نحو الزراعة الذكية بيئيًا.

تجربة علمية على نبات الجوافة
أُجريت التجربة داخل مشتل كلية الزراعة بجامعة الإسكندرية، باستخدام شتلات الجوافة (Psidium guajava L.)، وهي من المحاصيل الحساسة نسبيًا للإجهاد الملحي، خاصة في المراحل الأولى من النمو.
واعتمدت الدراسة على تصميم تجريبي دقيق (RCBD)، شمل عدة معاملات من البيوشار بتركيزات مختلفة، سواء في الظروف الطبيعية أو تحت تأثير الإجهاد الملحي الناتج عن كلوريد الصوديوم (NaCl)، بهدف تقييم كفاءة البيوشار في تحسين أداء النبات تحت هذه الظروف الصعبة.

نتائج تدعم التحول نحو الاستدامة
أظهرت النتائج تحسنًا ملحوظًا في عدد من المؤشرات الحيوية للنبات، حيث ساهم استخدام البيوشار في:
- زيادة الوزن الجاف الكلي للنبات
- تحسين المساحة الورقية
- رفع نسبة الكلوروفيل
- زيادة المحتوى المائي في الأوراق
- تعزيز طول النبات
كما أظهرت النتائج أن إضافة البيوشار بجرعة 50 جم لكل 3.5 كجم من التربة كانت من أكثر المعاملات كفاءة في تحسين نمو شتلات الجوافة تحت ظروف الملوحة
وتعكس هذه النتائج قدرة البيوشار على تحسين كفاءة عمليات البناء الضوئي، وتعزيز امتصاص العناصر الغذائية، وتقليل التأثيرات السلبية للأملاح على النبات.
أبعاد استراتيجية للقطاع الزراعي
لا يقتصر تأثير هذا المشروع على الجانب الأكاديمي، بل يمتد ليقدم نموذجًا عمليًا يمكن البناء عليه في استصلاح الأراضي المتدهورة، خاصة في المناطق الساحلية والدلتا التي تعاني من تزايد ملوحة التربة نتيجة التغيرات المناخية وارتفاع مستوى سطح البحر.
كما يفتح المجال أمام:
- تحسين إنتاجية المحاصيل في الأراضي الهامشية
- تقليل استهلاك المياه والأسمدة
- إعادة تدوير المخلفات الزراعية وتحويلها إلى قيمة مضافة
- دعم توجهات الاقتصاد الأخضر والزراعة المستدامة
إشراف أكاديمي وفريق بحثي واعد
أُنجز المشروع تحت إشراف الدكتورة شيماء فخري، وشارك فيه فريق طلابي ضم:
أمين أسامة
إيهاب محمد
كريم سامي
مؤمن محمد
فارس أيمن
محمد وجيه
وقد نجح الفريق في تقديم نموذج بحثي يعكس وعيًا علميًا متقدمًا، وقدرة على الربط بين التحديات البيئية والحلول التطبيقية.
نحو زراعة أكثر قدرة على التكيف
في ظل التغيرات المناخية المتسارعة، تصبح مثل هذه المبادرات ضرورة ملحة، وليس مجرد اجتهاد أكاديمي. ويؤكد هذا المشروع أن الحلول المستدامة قد تبدأ من أفكار بسيطة، لكنها قائمة على أسس علمية قوية، وقادرة على إحداث تأثير حقيقي في مستقبل الزراعة.






Wellness begins from the inside out.