الإسكندرية بين المدن المهددة.. هبوط الأرض يهدد المدن الساحلية أكثر من ارتفاع مستوى البحار
هبوط اليابسة يضاعف خطر ارتفاع مستوى البحار ويهدد أكثر من نصف مليار إنسان
مدن ساحلية تغرق أسرع من ارتفاع مستوى البحار بسبب هبوط الأرض
في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم إلى الارتفاع المتسارع في مستوى البحار باعتباره أحد أخطر تداعيات تغير المناخ، تكشف دراسة علمية حديثة أن الخطر الحقيقي الذي يواجه ملايين السكان في المدن الساحلية لا يأتي من البحر وحده، بل من اليابسة نفسها، التي تهبط تدريجيًا عامًا بعد آخر، لتجعل مستوى البحر يبدو وكأنه يرتفع بوتيرة أسرع بكثير مما تشير إليه القياسات العالمية.
وتوصل فريق من الباحثين في المعهد الألماني لأبحاث الجيوديسيا (DGFI-TUM) التابع لـالجامعة التقنية في ميونيخ (TUM)، بالتعاون مع باحثين من جامعة تولين الأمريكية، إلى أن هبوط سطح الأرض أصبح عاملًا رئيسيًا يضاعف تأثير ارتفاع مستوى سطح البحر في العديد من المناطق الساحلية المأهولة، وهو ما يزيد من احتمالات الفيضانات، وتآكل السواحل، وغمر الأراضي المنخفضة.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Nature Communications، لتقدم واحدة من أكثر الدراسات شمولًا حتى الآن حول العلاقة بين ارتفاع مستوى البحر وهبوط اليابسة، ولتؤكد أن تقييم مخاطر السواحل لا يمكن أن يعتمد على مراقبة المحيطات فقط، بل يجب أن يشمل أيضًا مراقبة حركة الأرض نفسها.

أكثر من نصف مليار شخص في قلب الخطر
تشير الدراسة إلى أن أكثر من 500 مليون شخص يعيشون في المناطق الساحلية المنخفضة حول العالم، وهي مناطق لا يتجاوز ارتفاعها بضعة أمتار فوق مستوى سطح البحر.
وتضم هذه المناطق العديد من أكبر مدن العالم وأكثرها كثافة سكانية، فضلًا عن موانئ ومناطق صناعية وزراعية تمثل شريانًا اقتصاديًا حيويًا للدول.
ومع استمرار ارتفاع مستوى البحار نتيجة ذوبان الجليد وتمدد مياه المحيطات بفعل الاحترار العالمي، أصبحت هذه المدن تواجه تهديدًا متزايدًا يتمثل في الفيضانات الساحلية وارتفاع منسوب المياه المالحة داخل الأراضي الزراعية والخزانات الجوفية.
إلا أن الدراسة تشير إلى أن الصورة أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد، لأن البحر ليس العنصر الوحيد الذي يتحرك، بل إن الأرض نفسها قد تكون في حالة هبوط مستمر، ما يجعل السكان يشعرون بارتفاع أكبر في مستوى البحر مقارنة بالمعدلات العالمية.

ما المقصود بارتفاع مستوى البحر النسبي؟
يفرق الباحثون بين نوعين من قياسات مستوى البحر.
- الأول هو الارتفاع المطلق لمستوى البحر، وهو الارتفاع الحقيقي للمحيطات نتيجة تغير المناخ، والذي يبلغ حاليًا نحو 3.15 ملليمتر سنويًا في المتوسط العالمي.
- أما الثاني فهو الارتفاع النسبي لمستوى البحر، وهو ما يشعر به السكان فعليًا على السواحل، ويأخذ في الاعتبار حركة اليابسة نفسها.
فإذا ارتفع البحر بمقدار 3 ملليمترات، وفي الوقت نفسه هبطت الأرض بمقدار 3 ملليمترات، فإن السكان سيواجهون عمليًا ارتفاعًا يبلغ نحو 6 ملليمترات سنويًا.
وهذا هو المؤشر الذي ركزت عليه الدراسة، لأنه يعكس مستوى الخطر الحقيقي الذي تتعرض له المدن الساحلية.
نتائج صادمة
بعد تحليل بيانات السواحل حول العالم، توصل الباحثون إلى أن سكان المناطق الساحلية ذات الكثافة السكانية المرتفعة يواجهون في المتوسط ارتفاعًا نسبيًا في مستوى البحر يبلغ 6 ملليمترات سنويًا.
ويمثل هذا الرقم ما يقرب من ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي المرجح للسواحل، والذي يبلغ 2.1 ملليمتر سنويًا.
كما أنه يقارب ضعف معدل الارتفاع الناتج عن تغير المناخ وحده، وبمعنى آخر، فإن جزءًا كبيرًا من الخطر الذي تواجهه المدن الساحلية لا يرتبط بزيادة مياه البحار فقط، وإنما بهبوط الأرض تحت أقدام السكان.
ويؤكد الباحثون أن تجاهل هذا العامل يؤدي إلى التقليل من حجم المخاطر المستقبلية، ويجعل خطط التكيف مع تغير المناخ أقل كفاءة.
كيف تهبط اليابسة؟
تشير الدراسة إلى أن تفسير هبوط الأرض ليس بسيطًا، لأن عدة عوامل تعمل في الوقت نفسه، وقد تختلف أسباب الهبوط من مدينة إلى أخرى.
وتقسم الدراسة هذه الأسباب إلى عوامل بشرية وأخرى طبيعية.
أولًا: الإفراط في ضخ المياه الجوفية
يعد استخراج المياه الجوفية بكميات كبيرة السبب الأكثر شيوعًا لهبوط الأراضي في المدن الساحلية.
فعندما تُسحب المياه من الطبقات الجوفية، تفقد الرواسب التي كانت المياه تدعمها جزءًا من تماسكها، فتبدأ في الانضغاط تدريجيًا، وهو ما يؤدي إلى هبوط سطح الأرض.
ويزداد هذا التأثير في المدن التي تعتمد بصورة كبيرة على المياه الجوفية لتلبية احتياجات السكان والصناعة والزراعة.
ثانيًا: استخراج النفط والغاز
توضح الدراسة أن سحب النفط والغاز من باطن الأرض يترك فراغات داخل الطبقات الجيولوجية، وهو ما قد يؤدي أيضًا إلى انضغاطها وهبوط سطحها بمرور الزمن.
وتظهر هذه الظاهرة بصورة خاصة في المناطق الساحلية الغنية بالموارد الهيدروكربونية.
ثالثًا: انضغاط الرواسب في دلتا الأنهار
الكثير من المدن الساحلية الكبرى، مثل الإسكندرية وبانكوك وجاكرتا، تقع فوق دلتا نهرية تكونت من رواسب حديثة نسبيًا.
وتتميز هذه الرواسب بأنها ما تزال في حالة استقرار تدريجي، ولذلك تنضغط بمرور الوقت حتى في غياب أي تدخل بشري، ما يؤدي إلى هبوط طبيعي في سطح الأرض.

رابعًا: الوزن الهائل للمدن
تشير الدراسة إلى أن التوسع العمراني الكثيف وبناء الأبراج والمنشآت الضخمة يزيدان الضغط على التربة، وهو ما يساهم في تسريع معدلات الهبوط، خاصة في المناطق ذات التربة الرخوة.
خامسًا: العمليات الجيولوجية الطبيعية
إلى جانب العوامل البشرية، تؤثر الحركات التكتونية، والتغيرات البطيئة في القشرة الأرضية، واستجابة اليابسة لذوبان الصفائح الجليدية القديمة منذ نهاية العصر الجليدي، في حركة الأرض صعودًا أو هبوطًا.
وتؤكد الدراسة أن هذه العوامل الطبيعية قد تتداخل مع التأثيرات البشرية، ما يجعل تحديد السبب الدقيق في كل منطقة أمرًا معقدًا.

مصر ضمن الدول التي تشهد أعلى معدلات الارتفاع النسبي لمستوى البحر
تكشف الدراسة أن تأثير هبوط اليابسة لا يتوزع بالتساوي بين دول العالم، بل يتركز بصورة أكبر في الدول التي تضم دلتاوات نهرية ومدنًا ساحلية مكتظة بالسكان وتعتمد بشكل كبير على المياه الجوفية.
ووفقًا للنتائج، جاءت مصر ضمن مجموعة الدول التي تسجل أعلى معدلات الارتفاع النسبي لمستوى سطح البحر، إلى جانب:
وفي هذه الدول، يصل متوسط الارتفاع النسبي إلى ما بين 7 و10 ملليمترات سنويًا، وهو معدل يزيد بصورة كبيرة على المتوسط العالمي.
ويرى الباحثون أن هذا المعدل المرتفع يعكس التأثير المتزامن لارتفاع مستوى البحر وهبوط اليابسة، وهو ما يجعل السواحل أكثر عرضة للغمر والفيضانات مقارنة بمناطق أخرى.

الإسكندرية ضمن المدن التي تواصل الهبوط
خصصت الدراسة جزءًا لتحليل أوضاع عدد من المدن الساحلية الكبرى التي تعاني من معدلات ملحوظة لهبوط الأرض.
وكانت الإسكندرية ضمن هذه المدن، إذ بلغ متوسط هبوط سطح الأرض فيها نحو 4 ملليمترات سنويًا.
ورغم أن هذا الرقم أقل من المعدلات المسجلة في بعض المدن الآسيوية، فإن الباحثين يشيرون إلى أن استمرار الهبوط بالتزامن مع ارتفاع مستوى البحر قد يزيد تدريجيًا من مخاطر:
- الفيضانات الساحلية.
- تآكل الشواطئ.
- تسرب مياه البحر إلى الأراضي الزراعية.
- تملح المياه الجوفية.
- تعرض البنية التحتية الساحلية لمزيد من الضغوط.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة لأن الإسكندرية تُعد من أكبر المدن الساحلية في البحر المتوسط، وتضم كثافة سكانية مرتفعة، إلى جانب موانئ ومناطق صناعية وسياحية تمثل ركيزة أساسية للاقتصاد المصري.

المدن الأكثر هبوطًا في العالم
حددت الدراسة عددًا من المدن التي تُعد بؤرًا رئيسية لهبوط اليابسة، وجاء ترتيبها وفق متوسط معدلات الهبوط السنوية كالتالي:
| المدينة | متوسط الهبوط السنوي |
| جاكرتا (إندونيسيا) | 13.7 ملليمترًا |
| تيانجين (الصين) | 13.5 ملليمترًا |
| بانكوك (تايلاند) | 8.5 ملليمترات |
| لاجوس (نيجيريا) | 6.7 ملليمترات |
| الإسكندرية (مصر) | 4 ملليمترات |
لكن الباحثين يؤكدون أن المتوسطات قد تخفي اختلافات كبيرة داخل المدينة الواحدة.
جاكرتا.. مثال على الخطر المتسارع
تُعد العاصمة الإندونيسية جاكرتا من أكثر المدن تعرضًا لهبوط الأرض عالميًا، فبينما يبلغ المتوسط العام نحو 13.7 ملليمترًا سنويًا، سجلت بعض الأحياء معدلات وصلت إلى 42 ملليمترًا سنويًا.
وفي المقابل، توجد مناطق أخرى داخل المدينة نفسها تشهد ارتفاعًا طفيفًا في اليابسة، ويعكس هذا التباين تأثير اختلاف طبيعة التربة وكميات استخراج المياه الجوفية والأنشطة العمرانية داخل كل منطقة.
ليست كل السواحل تهبط
رغم الصورة القاتمة، تؤكد الدراسة أن بعض المناطق الساحلية تشهد ظاهرة معاكسة تمامًا، ففي أجزاء من السويد وفنلندا ترتفع اليابسة تدريجيًا بوتيرة تفوق ارتفاع مستوى البحر، ويرجع ذلك إلى ظاهرة تُعرف باسم الارتداد ما بعد الجليدي، إذ ما تزال القشرة الأرضية ترتفع ببطء بعد زوال الأغطية الجليدية الضخمة التي كانت تضغط عليها خلال العصر الجليدي الأخير قبل آلاف السنين.
وفي هذه المناطق، ينخفض مستوى البحر نسبيًا بالنسبة لليابسة، رغم استمرار ارتفاع المحيطات عالميًا.

المياه الجوفية… العامل الذي يمكن التحكم فيه
يرى الباحثون أن بعض أسباب هبوط اليابسة، مثل الحركات الجيولوجية الطبيعية، لا يمكن منعها.
لكن في المقابل، فإن الاستخراج المفرط للمياه الجوفية يمثل عاملًا يمكن للحكومات السيطرة عليه.
ويشير الفريق البحثي إلى أن الإدارة الرشيدة للمياه الجوفية قادرة على:
- إبطاء معدلات هبوط الأرض.
- الحد من فقدان استقرار الطبقات الجوفية.
- تقليل مخاطر الفيضانات مستقبلًا.
- إطالة العمر الافتراضي للبنية التحتية الساحلية.
كما أوصت الدراسة بفرض قيود أكثر صرامة على ضخ المياه، مع تعزيز برامج إعادة تغذية الخزانات الجوفية باستخدام المياه المعالجة أو مياه الأمطار حيثما أمكن.
طوكيو.. تجربة ناجحة في وقف هبوط الأرض
استشهد الباحثون بمدينة طوكيو باعتبارها أحد أبرز النماذج العالمية التي نجحت في الحد من الظاهرة.
ففي منتصف القرن الماضي، كانت العاصمة اليابانية تعاني من معدلات هبوط تجاوزت 10 سنتيمترات سنويًا، ووصلت في بعض المواقع إلى نحو 24 سنتيمترًا كل عام.
لكن السلطات اليابانية اتخذت سلسلة من الإجراءات شملت:
- تنظيم استخراج المياه الجوفية.
- تقليل الاعتماد عليها.
- توفير مصادر بديلة للمياه.
- تشديد الرقابة على الاستخدام الصناعي.
وبمرور الوقت، تراجعت معدلات الهبوط بصورة كبيرة، وأصبحت المدينة أكثر قدرة على مواجهة أخطار الفيضانات.
تجربة أمريكية مماثلة
كما تشير الدراسة إلى نجاح منطقة هاريس–جالفستون بولاية تكساس الأمريكية.
فبعد أن تسبب الضخ المفرط للمياه الجوفية في هبوط ملحوظ للأرض، أنشأت السلطات عام 1975 هيئة متخصصة لتنظيم استخدام المياه الجوفية، وتشجيع مصادر المياه البديلة، وتعزيز برامج ترشيد الاستهلاك.
وأثبتت التجربة أن السياسات المحلية يمكن أن تُحدث فرقًا كبيرًا في الحد من هبوط اليابسة حتى مع استمرار تأثير تغير المناخ.

هبوط الأرض ليس قدرًا محتومًا
تشدد الدراسة على أن مواجهة مخاطر ارتفاع مستوى البحر يجب ألا تقتصر على بناء الحواجز البحرية أو مراقبة المحيطات، بل ينبغي أن تشمل أيضًا متابعة حركة اليابسة بصورة مستمرة باستخدام تقنيات الأقمار الصناعية والرصد الجيوديسي.
ويؤكد الباحثون أن إدراج معدلات هبوط الأرض ضمن خطط التكيف مع تغير المناخ سيمنح الحكومات صورة أكثر دقة للمخاطر المستقبلية، ويساعدها على توجيه الاستثمارات نحو المناطق الأكثر عرضة للفيضانات.
كما خلصت الدراسة إلى أن إدارة المياه الجوفية بصورة مستدامة، والحد من الاستغلال المفرط للموارد الطبيعية، يمكن أن يقللا بشكل ملموس من سرعة هبوط الأرض، ويمنحا المدن الساحلية وقتًا أطول للتكيف مع الارتفاع المستمر في مستوى البحار.

وبحسب الباحثين، فإن حماية المدن الساحلية في العقود المقبلة لن تعتمد فقط على كبح تغير المناخ، بل أيضًا على كيفية إدارة الإنسان للأرض التي يقف عليها، لأن اليابسة قد تتحول، بصمت، إلى عامل يضاعف آثار ارتفاع البحار إذا لم تُتخذ الإجراءات المناسبة في الوقت المناسب.





