أخبارالتنمية المستدامةتغير المناخ

الأرض تفقد 324 مليار متر مكعب من المياه العذبة سنويًا.. الزراعة والبشر وراء أكبر استنزاف لمخزون المياه

خريطة جديدة تكشف أخطر مناطق الجفاف ونزيف المياه حول العالم

 الزراعة والتجارة العالمية تدفعان الكوكب نحو العطش الكبير.. يهدد 280 مليون شخص سنويًا

يكشف تقرير جديد من البنك الدولي أن العالم يستخدم ويفقد كميات متزايدة من المياه العذبة سنويًا، في ظل تزايد الطلب من البشر والزراعة والمدن.

واستنادًا إلى قياسات الأقمار الصناعية وبيانات اقتصادية عالمية، يوضح التقرير أن الأرض تفقد نحو 324 مليار متر مكعب من المياه العذبة سنويًا.

ويمكن لهذا الحجم أن يلبي الاحتياجات المائية السنوية لنحو 280 مليون شخص، ما يجعل كل عام إضافي من الفقد مصدرًا لمزيد من المخاطر للمجتمعات التي تعيش أصلًا على حافة الندرة.

يركز التحليل على ظاهرة “الجفاف القاري“، أي الانخفاض طويل الأمد في مخزون المياه العذبة على اليابسة، مع إظهار المناطق الأكثر استنزافًا وتعرضًا للخطر.

ولتحقيق ذلك، تعاون باحثون من جامعة تفينتي الهولندية في دمج بيانات الأقمار الصناعية الخاصة بالمياه السطحية ورطوبة التربة والمياه الجوفية مع معلومات تفصيلية عن استخدامات الأراضي والمحاصيل والمناخ.

ثم حُسِب الاستهلاك المائي على شبكة عالمية بدقة عشرة كيلومترات، ما كشف أنماطًا محلية غالبًا ما تخفيها المتوسطات الوطنية.

المنطقة الحمراء

قاد الدراسة ريك هوخيبوم، أستاذ إدارة المياه متعددة التخصصات ومدير شبكة البصمة المائية، مؤكدًا أن استمرار سحب المياه بما يفوق معدلات تجددها سيؤدي في النهاية إلى نضوبها.

وتُظهر الخريطة العالمية الجديدة، أن العديد من المناطق باتت في «المنطقة الحمراء»، وخصوصًا تلك التي تعتمد على أنهار متراجعة أو خزانات جوفية منهكة.

وتتمركز بقع الجفاف السريع تحت تجمعات سكانية كثيفة ومناطق زراعية مكثفة، حيث تؤدي التغيرات الطفيفة في التخزين المائي إلى اضطرابات تطال أسعار الغذاء وفرص العمل والهجرة.

الزراعة المحرك الأكبر لفقدان المياه العذبة

 

وتُعد الزراعة المحرك الأكبر لفقدان المياه العذبة، إذ تمثل نحو 70% من السحب العالمي لمياه الأنهار والبحيرات والخزانات الجوفية، بينما تستهلك الصناعة والمنازل النسبة المتبقية وفق تقديرات الأمم المتحدة.

ويُعاد معظم ما تستهلكه المحاصيل إلى الغلاف الجوي عبر التبخر والنقل النباتي، ما يعني فقدانه من دورة الاستخدام المحلي بعد مرة واحدة من الري.

وفي المناطق القاحلة، يؤدي الاعتماد على الضخ المفرط إلى استنزاف المياه الجوفية بشكل يتجاوز قدرتها على التجدد، ما يرفع تكلفة الضخ ويضعف قدرة المزارعين الفقراء على الوصول إلى المياه.

وتتزايد كذلك الطلبات المائية الحضرية في ظل توسع المدن، ما يضع الحكومات أمام معضلات توزيع المياه بين الزراعة والسكان والطاقة، خاصة خلال سنوات الجفاف.

“المياه الافتراضية”

 

ويبرز التقرير أيضًا دور “المياه الافتراضية”، أي المياه المخفية في السلع المتداولة عالميًا. فعند شراء الغذاء أو الملابس أو الإلكترونيات، فإن المستهلكين يشترون بشكل غير مباشر المياه التي استُخدمت لإنتاجها.

وتُظهر النماذج الاقتصادية أن ربع المياه المستخدمة في الزراعة عالميًا يرتبط بسلع تُصدّر أو تُستورد عبر الحدود، ما يعني أن قرارات المستهلكين في دولة ما قد تزيد الضغط على موارد مائية منهكة في دولة أخرى.

وتكشف الخريطة أن مناطق واسعة من شمال الهند وأمريكا الوسطى وشرق أوروبا والشرق الأوسط تعاني بالفعل من إجهاد مائي عالٍ، بينما يشير التقرير إلى أن الجفاف في إفريقيا جنوب الصحراء يتسبب بخسارة مئات الآلاف من الوظائف سنويًا.

كما يؤدي الجفاف القاري إلى زيادة خطر الحرائق، إذ قد يرفع فقدان المياه المحتمل معدل الحرائق بنسبة تتجاوز الربع، وبنحو النصف في مناطق التنوع الحيوي.

ومع انخفاض منسوب المياه الجوفية وانكماش الأنهار، تتعرض النظم البيئية لاضطرابات واسعة، فتتحول الأراضي الرطبة إلى سهول جافة، وتنهار مجتمعات الأسماك، وتتفكك التربة، ما يصعّب تعافيها حتى مع عودة الأمطار.

أوروبا تفقد الأراضي الزراعية والمناظر الطبيعية
الأراضي الزراعية والمناظر الطبيعية

تعديل مواقع إنتاج المحاصيل

 

ويعرض التقرير جانبًا أكثر تفاؤلًا، إذ يشير إلى أن تعديل مواقع إنتاج المحاصيل عالميًا يمكن أن يوفر نحو 137 مليار متر مكعب من المياه سنويًا، عبر نقل زراعة بعض المحاصيل إلى مناطق ذات كفاءة أعلى في استخدام المياه.

كما يمكن لتحسين نظم الري، مثل التقطير والرش وجدولة الري الذكية، أن يقلل الهدر ويضمن وصول المياه إلى جذور النباتات بفاعلية أكبر.

وتلعب السياسات الحكومية دورًا كبيرًا، عبر تبني تسعير عادل يعكس ندرة المياه، ودعم الزراعة الفعّالة مائيًا، والاستثمار في شبكات حضرية تقلل الفاقد.

ويمكن للشركات والمزارعين استخدام معلومات البصمة المائية لاختيار محاصيل أقل استهلاكًا للمياه، أو الانتقال إلى مناطق أقل إجهادًا مائيًا.

وتوفر أدوات المراقبة العالمية الجديدة وسيلة دقيقة لتتبع المياه كما تُتبع الانبعاثات الكربونية، ما يمنح صُنّاع القرار القدرة على التدخل المبكر قبل تحول الضغوط إلى أزمات.

ويؤكد هوخيبوم أن الوضع مقلق لكنه ليس ميؤوسًا منه، وأن معرفة بؤر الاستنزاف المائي بدقة تساعد على اتخاذ قرارات أكثر تأثيرًا لضمان مستقبل مائي آمن للإنسان والطبيعة.

الأراضي الزراعية وهدر المياه العذبة

 

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading