أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

«الأرض الدفيئة».. سيناريو مناخي كارثي قد تقترب منه البشرية مع تراجع العمل المناخي

«مخاطر الانحراف».. كيف تقوض تداعيات تغير المناخ السياسات اللازمة لمواجهته؟

قد يُنظر إلى عام 2026 باعتباره نقطة تحول في أزمة المناخ، بعدما أقرت الأمم المتحدة بأن الاحترار العالمي سيتجاوز مستوى 1.5 درجة مئوية، في الوقت الذي خلص فيه علماء المناخ إلى أن معدل الاحترار تضاعف فعليًا خلال العقد الماضي.

وتزداد المخاوف مع احتمال اقتراب العالم من نقاط تحول مناخية قد تطلق موجات إضافية من الاحترار وتغيرات بيئية واسعة النطاق، يصعب عكس مسارها.

وفي عام 2018، حذر فريق دولي من الباحثين بقيادة عالم نظام الأرض ويل ستيفن من أن استمرار انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وتدمير التنوع البيولوجي قد يؤديان إلى سلسلة متتابعة من عمليات الاحترار، تنتهي بتجاوز الأنظمة المناخية للأرض عتبة تُعرف باسم «الأرض الدفيئة» (Hothouse Earth).

وتتمثل آلية هذا السيناريو في مجموعة من نقاط التحول المنفصلة، التي يمكن أن يؤدي تجاوز إحداها إلى إطلاق تغيرات تؤثر في أنظمة أخرى، فعلى سبيل المثال، قد لا يقتصر تأثير توقف بعض التيارات المحيطية في المحيط الأطلسي على التسبب في شتاء شديد البرودة في أوروبا، بل قد يؤدي أيضًا إلى انخفاض كبير في بخار الماء الذي يصل إلى غابات الأمازون المطيرة.

وقد يسهم الجفاف الناتج عن ذلك في تحول أجزاء من الأمازون من غابات مطيرة إلى أراضٍ شبيهة بالسافانا، وهو تطور ستكون له تداعيات كبيرة على دورة الكربون العالمية والنظام المناخي.

كما يمكن أن يؤدي استمرار الاحترار إلى تسريع فقدان الصفائح الجليدية وارتفاع درجات الحرارة بصورة أكبر.

ومع تجاوز مزيد من نقاط التحول، قد يصل نظام الأرض إلى عتبة تؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة بمقدار يفوق أي زيادة شهدها الكوكب خلال 1.2 مليون سنة الماضية، بما يترتب على ذلك من آثار مدمرة للنظم البيئية والمجتمعات البشرية.

ويرى الباحثون أنه يصعب تصور قدرة الحضارة الصناعية المعقدة على الاستمرار في عالم ترتفع حرارته بسرعة إلى مستويات تتجاوز 4 درجات مئوية.

سيناريو مناخي كارثي قد تقترب منه البشرية مع تراجع العمل المناخي

هل نستجيب للمخاطر المناخية؟

لا يزال مدى قدرة نظام الأرض على إطلاق هذا النوع من الاحترار المتسلسل موضع أبحاث علمية مكثفة.

وقد تكون بعض التقديرات متشائمة، إذ ربما تتطلب نقاط تحول منفردة، مثل انهيار التيارات المحيطية في الأطلسي، مستويات أعلى بكثير من الاحترار حتى تتحقق، أو قد يكون مناخ الأرض الحالي أكثر قدرة على الصمود مما نعتقد.

لكن الاحتمال المعاكس يظل قائمًا أيضًا، إذ قد تكون هناك عتبة كوكبية يمكن بلوغها عند مستويات أقل من الاحترار مقارنة بالتقديرات التي طرحها ستيفن وزملاؤه.

وقد يبدو منطقيًا افتراض أن تفاقم أزمة المناخ سيدفع الحكومات والمجتمعات إلى زيادة الاهتمام بالمشكلة وتسريع التحرك لمواجهتها، غير أن بحثًا جديدًا أجراه جيمس دايك وزملاؤه يشير إلى احتمال حدوث العكس تمامًا؛ فكلما ازدادت حدة تغير المناخ، قد يصبح إيقافه أكثر صعوبة، بما يفتح الباب أمام تسارع خطير في وتيرة الاحترار.

ولا يقتصر هذا التصور على تمرين نظري، إذ يرى الباحثون أن هناك مؤشرات على بداية تراجع العمل المناخي في الواقع. ومن أمثلتها ما تتعرض له الدول الأكثر عرضة لتداعيات تغير المناخ من حلقة مفرغة مرتبطة بالديون السيادية.

فالأضرار التي تسببها الظواهر الجوية المتطرفة قد تقلص قدرة هذه الدول على سداد قروضها، وتجعل حصولها على التمويل الذي تحتاج إليه بشدة أكثر صعوبة، سواء لخفض الانبعاثات أو للتكيف مع آثار تغير المناخ.

وقد تؤدي هذه الحلقة إلى تعطيل السياسات المناخية بمرور الوقت؛ إذ تستحوذ خدمة الديون على حصة متزايدة من الإيرادات الحكومية، فتتراجع الاستثمارات المخصصة لمواجهة تغير المناخ، بينما تصبح الدولة أكثر تعرضًا لمخاطره.

كما يمكن أن يؤدي ارتفاع درجات الحرارة وتفاقم آثار تغير المناخ إلى زيادة احتمالات الصراعات، بما يقوض التعاون الدولي الضروري لخفض الانبعاثات، وتتأثر هذه العلاقة بمجموعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية، من بينها عدم المساواة والاستقطاب السياسي.

ويشير الباحثون إلى صعود شعبية حزب «فوكس» اليميني المتطرف، المعروف بمواقفه المشككة في تغير المناخ، في إسبانيا عقب الفيضانات المدمرة التي ضربت منطقة فالنسيا عام 2024.

ورغم أن تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية جعل وقوع هذه الفيضانات أكثر احتمالًا، فإن حزب «فوكس» ألقى باللوم على السياسات البيئية التي وصفها بأنها «أيديولوجية» وتتبعها قوى اليسار، معتبرًا أنها جعلت السكان أكثر عرضة للأمطار الغزيرة.

ويطلق الباحثون على هذه الديناميكيات مصطلح «مخاطر الانحراف» (Derailment Risk)، ويقصدون به الحالة التي تؤدي فيها عواقب تغير المناخ إلى جعل معالجة أسبابه أكثر صعوبة، بما ينتهي إلى تعطيل جهود الاستدامة والعمل المناخي.

الإشراف على كوكب الأرض

في ظل التداعيات المحتملة والمدمرة لسيناريو «الأرض الدفيئة»، يرى الباحثون أن تقليل احتمالات الوصول إلى هذه الحالة إلى أدنى مستوى ممكن أمر ضروري.

ولهذا دعا علماء المناخ ونظام الأرض إلى إدارة هذه المخاطر بصورة نشطة.

ولا يقتصر مفهوم «الإشراف على كوكب الأرض» (Planetary Stewardship) على التخلص التدريجي من حرق الوقود الأحفوري، بل يشمل أيضًا تعزيز قدرة الغابات والأراضي الخثية وغيرها من المخازن الطبيعية على الاحتفاظ بالكربون، إلى جانب إحداث تغييرات في السلوك البشري، وتطوير الابتكارات التكنولوجية، واستحداث أساليب جديدة للحكم والإدارة، وتحويل القيم الاجتماعية.

لكن مخاطر الانحراف قد تقوض الظروف السياسية والاجتماعية اللازمة لتأسيس هذا النوع من الإدارة الفاعلة لكوكب الأرض.

ويبرز هنا مفهوم «القدرة على إحداث التغيير» (Agency)، أي قدرة البشر والمجتمعات على التأثير في مسار الأحداث وإحداث تحول فعلي.

ففي التصور الأصلي لسيناريو «الأرض الدفيئة»، يظهر تأثير البشر في اتجاه واحد أساسًا، من خلال زعزعة استقرار نظام الأرض.

لكن الإنسان ليس قوة خارجية تؤثر في النظام الطبيعي فحسب، بل هو جزء منه، كما أن القوى الاجتماعية والسياسية يمكن أن تؤثر في استقرار الكوكب، وفي احتمالات انزلاقه نحو حالة «الأرض الدفيئة».

ويرى الباحثون أن حلقات التغذية الراجعة التي تدفع نحو تعطيل العمل المناخي قد تكون أقوى من تلك اللازمة لبناء منظومة فاعلة للإشراف على كوكب الأرض، لأن تدمير العمل الجماعي قد يكون أسهل من تأسيسه.

وعلى المستوى النفسي، تؤثر الأحداث السلبية في البشر بدرجة أكبر من تأثير الأحداث الإيجابية، وهو ما يفسر جزئيًا سهولة تقويض الثقة داخل المجتمعات مقارنة ببنائها.

وبالتالي، قد يؤدي تزايد آثار تغير المناخ إلى إضعاف المؤسسات الاجتماعية اللازمة لاستمرار جهود خفض الانبعاثات والتكيف مع التغيرات المناخية، في الوقت الذي تصبح فيه هذه الجهود أكثر أهمية من أي وقت مضى.

ولمواجهة هذه المخاطر، يقترح الباحثون إطارًا من ثلاث مراحل لتقييم تهديدات الانحراف وإدارتها:

  1. تحديد حلقات التغذية الراجعة ورسم خرائطها: رصد العلاقات المتبادلة بين العالم البشري والعالم الطبيعي، وفهم كيفية تأثير التغيرات في أحدهما على الآخر.

  2. استباق الاضطرابات وتعزيز القدرة على الصمود: الاستعداد للتداعيات المحتملة وبناء قدرة المجتمعات والمؤسسات على التعامل معها.

  3. تطوير استراتيجيات حوكمة واستجابة نشطة: وضع آليات مرنة لاتخاذ القرارات والتحرك خلال فترات تصاعد الاضطرابات وعدم الاستقرار.

ويخلص الباحثون إلى أن البشر يتحملون المسؤولية الكاملة عن أزمة المناخ والتدهور البيئي، لكنهم يمتلكون الحلول أيضًا، مؤكدين أن الحفاظ على القدرة الجماعية على تنفيذ هذه الحلول قد يمثل الركيزة الأساسية لنجاح السياسات المناخية.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى