وكالة الطاقة الدولية: إفريقيا لن تحقق هدف الطهي النظيف قبل 2040
مليار أفريقي بلا طهي نظيف.. والنساء يدفعن الثمن.. وفاة 815 ألف سنويًا
حذّرت وكالة الطاقة الدولية من أن الهدف العالمي المتمثل في توفير وسائل طهي نظيفة للجميع بحلول عام 2030 يبدو بعيد المنال في أفريقيا، لا سيما في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، حيث من المرجح أن يتم تأجيل تحقيق هذا الهدف إلى عام 2040، بسبب الفجوات الكبيرة في التمويل والبنية التحتية، فضلًا عن النمو السكاني السريع.
وذكرت الوكالة، في تقرير جديد، أن عدد الأفارقة المحرومين من الوصول إلى وسائل الطهي النظيف يواصل الارتفاع، ليصل إلى نحو مليار شخص، أي ما يعادل أربعة من كل خمسة أسر في القارة.

الطهي النظيف في أفريقيا “قضية قابلة للحل”
ووصف فاتح بيرول، المدير التنفيذي للوكالة، حرمان مئات الملايين من الطهي النظيف بأنه “واحد من أعظم أوجه الظلم في العالم”، مؤكدًا أن توفير الطهي النظيف في أفريقيا “قضية قابلة للحل بالتقنيات الحالية، وتكلف أقل من 0.1٪ من إجمالي الاستثمار العالمي في قطاع الطاقة”.
وفي ظل السياسات والاتجاهات الراهنة، قدّر دانيال ويتزل، رئيس وحدة تتبّع التحولات المستدامة بالوكالة، أن “مئات الملايين سيظلون محرومين من الوصول إلى وسائل الطهي النظيف بحلول عام 2030″، مشيرًا إلى أن ثلاث دول فقط في أفريقيا جنوب الصحراء تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذا الهدف بحلول عام 2050، أي بعد عقدين من الموعد المحدد في أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة.
“فشلًا سياسيًا عميقًا”
من جانبه، قال محمد أدو، مؤسس مركز أبحاث “باور شيفت أفريقيا” ومقره كينيا، إن التقرير يُظهر “فشلًا سياسيًا عميقًا”، وأضاف: “لقد قُطعت وعود، ولكن نادرًا ما تم الوفاء بها”.
وأشار بيرول إلى ضرورة بذل جهود منسّقة بين الحكومات والصناعة وشركاء التنمية، مؤكدًا أن “المشكلة قابلة للحل، إذا توافر التركيز والإرادة السياسية”.
في قمة باريس بشأن الطهي النظيف في أفريقيا، التي عُقدت في مايو 2024، تعهدت الحكومات والشركات بتقديم 2.2 مليار دولار بحلول عام 2030 لمساعدة القارة على التحول من استخدام وقود الطهي الملوث، مثل الفحم والحطب، إلى خيارات أنظف وأكثر كفاءة.
لكن وكالة الطاقة الدولية أفادت بأن ما تم الوفاء به حتى الآن لم يتجاوز 470 مليون دولار فقط.

استثمارًا تراكميًا 37 مليار دولار حتى 2040
وأشار التقرير إلى أن هذه التعهدات لا تزال تمثل جزءًا ضئيلًا مما هو مطلوب فعليًا.
فالوصول الشامل للطهي النظيف في أفريقيا يتطلب استثمارًا تراكميًا يصل إلى 37 مليار دولار حتى عام 2040، أي ما يعادل قرابة ملياري دولار سنويًا.
مسار جديد نحو عام 2040
وفقًا للتقرير، فإن نسبة السكان الذين يمكنهم الوصول إلى الطهي النظيف في أفريقيا جنوب الصحراء سترتفع من 23% حاليًا إلى نحو 62% بحلول منتصف القرن، إذا استمر المسار الحالي.
ورغم ذلك، فإن المنطقة لا تزال بعيدة عن تحقيق التغطية الشاملة حتى عام 2050.
وأوصت وكالة الطاقة الدولية باعتماد مسار جديد لتحقيق الهدف بحلول عام 2040، مستندة إلى تجارب ناجحة في بلدان مثل الهند وإندونيسيا والصين، التي تمكنت من بلوغ نسب تغطية بلغت 80-90% بفضل سياسات وطنية مصممة بعناية، وتوظيف البنية التحتية، والمواءمة مع الظروف الجغرافية المحلية.
ولتحقيق هدف التنمية المستدامة بحلول 2030، يتطلب الأمر تزويد 160 مليون شخص في أفريقيا كل عام بوسائل الطهي النظيف حتى نهاية العقد.
لكن بتمديد الموعد إلى 2040، ينخفض هذا العدد إلى 80 مليون شخص سنويًا، وهو معدل تعتبره الوكالة أكثر واقعية، وقابلًا للتحقيق بناء على تجارب دول آسيوية.

غاز البترول المسال وائتمانات الكربون
وجد التقرير أن ثلاثة أرباع الأشخاص الذين حصلوا على وسائل طهي نظيفة منذ عام 2018 استخدموا مواقد تعمل بغاز البترول المسال، ما جعله المصدر الرئيسي للتقدم في هذا المجال.
وتشير الوكالة إلى أن الغاز سيواصل لعب دور رئيسي حتى عام 2040، بتوفيره الوصول لأكثر من 60% من الأسر الجديدة، بينما ستُستخدم الكهرباء، والإيثانول الحيوي، والغاز الحيوي، والمواقد المتقدمة المعتمدة على الكتلة الحيوية لتغطية البقية.
في عام 2023، بلغت الاستثمارات المباشرة في غاز البترول المسال نحو 590 مليون دولار، في حين لم تتجاوز الاستثمارات في حلول الطاقة النظيفة الأخرى 83 مليون دولار، منخفضة عن مستوى 192 مليون دولار المسجل في 2020.
كما ساهمت اعتمادات الكربون في دفع عجلة الوصول إلى الطهي النظيف خلال العقد الماضي، مما حوّل سوق المواقد في أفريقيا من سوق معتمد على تمويل التنمية، إلى آخر مدعوم بشكل متزايد من أسواق الكربون.
لكن نشطاء بيئيين حذّروا من أن هذه الحلول “زائفة”، لأنها قد تُطيل اعتماد أفريقيا على وقود ملوث، وتُكرس استدامة التلوث الناجم عن الانبعاثات التاريخية.
وقال محمد أدو: “من المشين أن يظل ملايين الأفارقة معرضين للأبخرة السامة، بينما تُوجَّه التمويلات نحو بنية الغاز التحتية وأسواق الكربون”.
وأضاف: “هذه ليست قيادة مناخية، بل هي تهرّب من المسؤولية”.
وأكد أن التقاعس المستمر يُهدد بتفاقم الفقر، وتعميق الفجوة بين الجنسين، وإبطاء التقدم المناخي، قائلًا: “أفريقيا تحتاج إلى تضامن حقيقي واستثمار جاد، لا إلى الدخان والمرايا”.
من جهته، أقر دانيال ويتزل بوجود “مخاوف مشروعة” حول مصداقية بعض اعتمادات الكربون، لكنه أشار إلى تطور “منهجيات محسّنة ورقابة أكثر صرامة” لضمان أن تعكس الأرصدة انخفاضات فعلية في الانبعاثات.
وشدد على أهمية الشفافية وتحسين البيانات والمراقبة المستمرة لضمان مصداقية هذا السوق في المستقبل.

عبء إنساني ثقيل
أوضحت وكالة الطاقة الدولية، أن استخدام الوقود المُدخن للطهي يتسبب في نحو 815 ألف وفاة مبكرة سنويًا في أفريقيا، بسبب التلوث الهوائي داخل المنازل.
ويتحمّل النساء والفتيات العبء الأكبر، حيث يقضين نحو أربع ساعات يوميًا في جمع الحطب أو الفحم، ما يؤثر سلبًا على صحتهن، ويحرمهن من التعليم والعمل.
وقالت جريس بيلا، أرملة من قرية بودو الريفية في دلتا النيجر بنيجيريا، إنها لم تعد قادرة على القراءة بسبب ضعف بصرها الناتج عن الطهي باستخدام الحطب.
وأضافت: “أعرف أن هناك غازًا وطاقة شمسية، لكن لا يمكنني تحمّل تكلفتها… أحتاج إلى مساعدة الحكومة لأتوقف عن استخدام الحطب”.
وفي ختام التقرير، قال بيرول إن عام 2025 قد يكون “نقطة تحول” لأفريقيا، إذا تم البناء على التعهدات التي تم إطلاقها في القمة التاريخية للطهي النظيف.
وأشارت ليراتو ماتابوجي، مفوضة البنية التحتية والطاقة بالاتحاد الأفريقي، إلى أن الجهود الحالية لا تزال “غير فعالة وغير كافية”، محذّرة من أن التقاعس يُكلف القارة أكثر من 791 مليار دولار سنويًا بسبب التأثيرات المتشابكة لانعدام المساواة وسوء الصحة وتغير المناخ.
وأكدت أن القارة بحاجة إلى تنويع مصادر التمويل، بما يشمل تمويل المناخ، وتطوير سلاسل قيمة محلية للطاقة، قائلة: “علينا بناء سلال وطنية من الوقود تعتمد على الموارد المحلية، لضمان انتقال عادل وشامل نحو الطهي النظيف”.





