هل ينجو العمل المناخي من انهيار النظام الدولي القائم على القواعد؟
تغير المناخ في عالم بلا نظام دولي.. أزمة جديدة أم فرصة مختلفة؟
انهيار النظام الدولي لا يعني نهاية العمل المناخي.. قراءة في الفرص والمخاطر
في المنتدى الاقتصادي العالمي الأخير بسويسرا، أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني حدوث «تصدع» في النظام العالمي القائم على القواعد، وتحوّل النظام الدولي نحو تنافس القوى الكبرى.
ورغم أن نهاية هذا النظام ليست مؤكدة بعد، فإن الاضطراب الحالي في النظام العالمي، إلى حد كبير نتيجة سياسات إدارة دونالد ترامب في الولايات المتحدة، ينذر بتداعيات عميقة على الاستجابة العالمية لتغير المناخ.
فالعالم مهدد بخسارة حتى التقدم المحدود الذي تحقق خلال العقد الماضي، لكن طبيعة هذا التأثير لا تزال غير واضحة.
وهذا الغموض يمثل في آن واحد مصدر قلق ومصدر أمل، فأزمة المناخ لا تتباطأ، وعلى البشرية أن تجد سبلًا للتعامل مع هذا الاضطراب العالمي.
للأسف، اعتمد فهمنا لكيفية عمل السياسات المناخية طوال السنوات الماضية على وجود نظام دولي مستقر نسبيًا قائم على القواعد، هذا النظام، على الرغم من عيوبه، أتاح مؤسسات مثل اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، واتفاق باريس.
كما أرسي قواعد للتجارة في تكنولوجيات الطاقة، واتفاقيات للتعاون في تمويل المناخ العام والخاص، وحدد أطر العلاقة بين المجتمع المدني والدول، بما شكّل فرص العمل المناخي ومعوقاته.
اليوم، بات على كل المهتمين بالعمل المناخي أن يتعاملوا مع سؤال جوهري: كيف يمكن للسياسات المناخية أن تعمل في عالم يتسم بعدم اليقين؟ الإجابة ليست سهلة، ومع ذلك، لا أعتقد أن مواجهة تحدي المناخ أصبحت أصعب، بل أصبحت مختلفة.
فمن المهم الاعتراف بأن النظام القائم على القواعد لم ينجح أصلًا في تحقيق تعاون عالمي فعال بشأن تغير المناخ.
نجاحات محدودة للنظام القديم
لطالما شكّلت الولايات المتحدة عائقًا رئيسيًا أمام العمل المناخي العالمي. وكما أشار كارني، فإن «الأقوى كانوا يعفون أنفسهم من الالتزامات حينما يناسبهم ذلك».
فقد قررت واشنطن مبكرًا أن استقرار المناخ ليس منفعة عامة تستحق دعمًا جادًا، ورغم ذلك، لا يمكن إنكار بعض أوجه التقدم التي تحققت، ومن أبرزها:
– تحالف الدول الطموحة، خاصة في أوروبا، الذي واصل الالتزام ببروتوكول كيوتو واتخذ خطوات داخلية لخفض الانبعاثات ودعم الابتكار التكنولوجي.
– الانخفاض الحاد في تكاليف طاقة الرياح والطاقة الشمسية نتيجة تطور الاقتصاد السياسي للطاقة المتجددة.
– توسع المبادرات المحلية ودون الوطنية والعابرة للحدود، ما حافظ على زخم العمل المناخي حتى في الدول المترددة.
– تنامي الدعم الشعبي للعمل المناخي مع تزايد تأثيرات التغير المناخي ووضوحها.
– ظهور بنية جديدة لحوكمة المناخ مع اتفاق باريس، تقوم على تجميع الجهود الوطنية بدلًا من العمل الجماعي العالمي الصارم، ما جعلها أقل هشاشة أمام انسحاب الولايات المتحدة في 2016.
آفاق جديدة في عالم مضطرب
هذه العوامل قد تظل قادرة على الصمود رغم الاضطراب الحالي، لكن الأسئلة تفوق الإجابات.
فهل يمكن لتحالف جديد من الدول متوسطة القوة أن يقود العمل المناخي؟ وهل ترى الصين في قيادة ملف المناخ فرصة لتعزيز مكانتها العالمية؟
كما أن مستقبل الطاقة المتجددة سيعتمد على تطورات قواعد التجارة العالمية، والتنافس على المعادن الحيوية، واتجاهات سياسات الطاقة في الولايات المتحدة.
التمسك بوهم النظام العالمي القائم على القواعد لم يعد مجديًا
أما داخل الولايات المتحدة نفسها، فقد تلعب المبادرات المحلية دورًا مقاومًا للتراجع الفيدرالي، كما فعلت سابقًا.
في المقابل، قد يؤدي الغضب الشعبي من الأوضاع الاقتصادية إلى تصاعد الشعبوية اليمينية، أو إلى دعم أوسع لانتقال عادل يراعي العدالة الاجتماعية.
ويبقى مصير اتفاق باريس مفتوحًا، فقد يتحول إلى مظلة أساسية لتحالف الدول الراغبة في التحرك، حتى لو جرى تهميش الحكومات غير المتعاونة.
ما يبدو واضحًا اليوم هو أن التمسك بوهم النظام العالمي القائم على القواعد لم يعد مجديًا، وربما يتيح انهياره فرصة لإرساء أسس جديدة أكثر عدالة وفاعلية للاستجابة العالمية لأزمة المناخ.





