أخبارالاقتصاد الأخضر

نهاية الحياد الاقتصادي.. كيف أعادت التكتلات السياسية تشكيل التجارة العالمية

تحولات كبرى في الاقتصاد العالمي بعد سياسات الرسوم الجمركية لواشنطن

لم يعد النقاش يدور حول ما إذا كانت العولمة مستمرة، بل حول من يملك القدرة على إعادة هندستها. على مدى ثلاثة عقود بعد الحرب الباردة، حكمت الكفاءة الاقتصادية -وهي قدرة الاقتصاد على إنتاج أكبر قدر ممكن من السلع والخدمات بأقل تكلفة ودون إهدار للموارد- قرارات الإنتاج والتجارة والاستثمار، واعتمدت الشركات على سلاسل إمداد تعمل وفق منطق “في الوقت المناسب”، بينما عمّقت الدول اندماجها في النظام التجاري متعدد الأطراف.

غير أن هذا النموذج دخل مرحلة إعادة تشكيل متسارعة، خصوصًا مع عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض وتبنيه سياسة تجارية أكثر صدامية. فقد فرضت إدارته تعريفات جمركية إضافية على واردات صينية وعالمية استراتيجية، ووسّعت نطاق القيود التجارية في قطاعات صناعية حساسة.

كما أعاد ترمب طرح تعريفات شاملة على بعض الواردات، وفتح جبهات ضغط متزامنة على شركاء تقليديين، من انتقاده العلني للفوائض التجارية الأوروبية، إلى ضغوط مباشرة على كندا في ملفات صناعية، ومطالبته كوريا الجنوبية والهند بإعادة موازنة ترتيبات تجارية ودفاعية قائمة.

وآخر فصول سياسة ترمب التجارية فرضه -الجمعة الماضي- رسوما جمركية مؤقتة بنسبة 10% بعد أن ألغت المحكمة العليا الأمريكية جزءًا كبيرًا من رسومه الجمركية المستندة إلى قانون الطوارئ الاقتصادية، ثم رفع ترمب -السبت الماضي- هذه النسبة إلى 15%، وهي النسبة القصوى المسموح بها قانونيًا.

وفي السياق الأمني، أثار إحياء ملف غرينلاند بوصفها أولوية استراتيجية أمريكية، وربط استمرار الدعم لأوكرانيا بشروط تفاوضية أكثر تشددًا، تساؤلات في أوروبا بشأن استقرار المظلة الأمريكية طويلة الأجل.

دفعت هذه التطورات عددًا من الدول إلى تسريع مراجعة تموضعها الاقتصادي، والبحث عن أطر تكتلية أكثر استقرارًا، وأقل تعرضًا لتقلبات القرار السياسي الأمريكي.

وهكذا لم تعد الكفاءة وحدها تحكم حركة التجارة والاستثمار، بل صعد مفهوم “الأمن الاقتصادي” ليصبح محددًا مركزيًا في قرارات التمركز الصناعي وتخصيص رأس المال، فيما تتقدم “اقتصادات التكتلات” كنمط تنظيمي يعيد توزيع المخاطر والمكاسب على أسس سياسية أكثر وضوحًا.

العالم مقسم إلى تكتلات اقتصادية رئيسية مع روابط تجارية واستثمارية بين الكتل

نهاية أولوية الكفاءة الخالصة


حذّر صندوق النقد الدولي في تقريره عن التفتت الجيو-اقتصادي لعام 2023 من أن انقسام الاقتصاد العالمي إلى كتل متنافسة قد يخفض الناتج العالمي بنسبة تراوح بين 2% و7% على المدى الطويل، تبعًا لدرجة الانقسام وعمقه القطاعي.

وأظهرت دراسة نشرها الباحثان سيرا أير وسونيل أونزورغ من جامعة ميونخ عام 2024 أن التجارة العالمية تميل إلى التركز داخل دوائر سياسية متقاربة أيديولوجيًا، وأن الشركات تعيد توجيه سلاسل الإمداد نحو شركاء يُنظر إليهم باعتبارهم موثوقين سياسيًا.

وأكدت الدراسة أن الاعتبارات الجيوسياسية أصبحت متغيرًا مهمًا في نماذج تدفقات التجارة الثنائية إلى جانب العوامل التقليدية مثل المسافة وحجم السوق.

صعود “اقتصادات التكتلات”


تتبلور اليوم ثلاث دوائر رئيسية ضمن ما يُعرف بـ”اقتصادات التكتلات”، في ظل تصاعد الشكوك في استقرار التحالفات الغربية التقليدية.

  • الكتلة الغربية: تضم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا واليابان وأستراليا. أقرّ الكونغرس الأمريكي قانون الرقائق والعلوم عام 2022، وبدأ تطبيقه العملي خلال 2023 و2024 عبر ضخ مليارات الدولارات لدعم تصنيع أشباه الموصلات محليًا، مع تشديد القيود على تصدير الرقائق المتقدمة للصين لحماية الأمن القومي.

  • الكتلة الآسيوية بقيادة الصين: تدعم اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، وتوسع مبادرة “الحزام والطريق”، وتعمل على تنويع آليات التسوية التجارية بالعملات الوطنية لتقليل المخاطر المالية المرتبطة بالنظام القائم.

  • مجموعة بريكس: تسعى لتعزيز التجارة بالعملات المحلية، مع الحفاظ على اعتماد جزئي على الدولار، في خطوة تدريجية لإعادة هيكلة البنية النقدية الدولية.

إعادة هيكلة سلاسل الإمداد


امتد التحول إلى فلسفة إدارة المخاطر نفسها، حيث تقوم الشركات بتقييم المخاطر السياسية واللوجستية والتمويلية بصورة منهجية، مفضلة تنويع الموردين حتى لو ارتفعت التكاليف، في تحول من تعظيم الكفاءة إلى تعظيم المرونة.

الدول ذات المواقف السياسية المتقاربة تزيد تجارتها البينية، بينما الدول المتباعدة أيديولوجيًا تشهد تدفقات أقل، ما يعكس تحولًا في مقياس المخاطر والاصطفاف السياسي في تخصيص الموارد عالميًا.

كيف يتغير الواقع؟


المكسيك أصبحت أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة عام 2023، متقدمة على الصين، فيما تسعى أوروبا لتأمين سلاسل الإمداد عبر شراكات مع دول أفريقية وأميركية لاتينية. بعض دول الخليج توازن بين الاستثمار الصيني والشراكات الأمنية مع الغرب، وفقًا لمفهوم “الدولة الوسيطة”.

الآثار الاقتصادية الكلية


تشير التقديرات إلى أن ازدواجية سلاسل الإمداد وتكرار الاستثمارات الصناعية قد تؤدي إلى ضغوط تضخمية وارتفاع تكاليف الإنتاج. وتظل التجارة بين الدول المتباعدة أبطأ من التجارة داخل الدوائر السياسية المتقاربة.

وقال الاقتصادي داني رودريك إن “العولمة تدخل مرحلة جديدة حيث تتقدم السياسة على الاقتصاد”، فيما أكّد لاري فينك أن التحول أصبح واقعًا ينعكس في قرارات الاستثمار طويلة الأجل.

هل نشهد نهاية العولمة؟


لا تشير البيانات إلى انهيار شامل، فالتجارة العالمية تواصل النمو، لكن تحت نظام “التحالفات” ومعايير أمنيّة وسياسية أكثر وضوحًا. ينتقل العالم من عولمة تحكمها الكفاءة إلى عولمة تُدار عبر الاصطفافات، حيث يبقى الترابط قائمًا، لكن بشروط سياسية واضحة، في ما وصفه الباحثون بـ”الترابط الاستراتيجي”.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading