أخبارالتنمية المستدامة

من ميونخ إلى سوس ماسة.. حلول ذكية لمواجهة أزمة المياه في زمن الجفاف

المغرب يراهن على الرقمنة والذكاء الاصطناعي لإنقاذ موارده المائية

المغرب- سارة امغار 

في ظل التغيرات المناخية التي يشهدها المغرب، وخاصة جهة سوس ماسة، من توالي سنوات الجفاف وندرة المياه وتراجع التساقطات المطرية، أصبح البحث عن حلول مبتكرة لتأمين الموارد المائية وضمان استدامتها تحديًا يوميًا يفرض نفسه على مختلف الفاعلين في قطاع الماء والبيئة.

وفي هذا السياق، جاء حضور الشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس ماسة في معرض “IFAT 2026” بمدينة ميونخ الألمانية، خلال الفترة من 4 إلى 7 مايو، باعتباره أحد أكبر الملتقيات العالمية المتخصصة في تكنولوجيات البيئة والمياه والطاقة، بهدف مواكبة أحدث التحولات العالمية في مجال التدبير الذكي للموارد الطبيعية.

معرض “IFAT 2026” بمدينة ميونخ الألمانية

وشهد المعرض، الذي احتفى هذا العام بنسخته الستين وجمع أكثر من 142 ألف زائر من خبراء ومؤسسات دولية، بروز قضايا الإجهاد المائي والتغيرات المناخية والاقتصاد الدائري كعناوين رئيسية للنقاش، في وقت أصبحت فيه المدن مطالبة بتطوير نماذج أكثر قدرة على الصمود أمام ندرة الموارد وتقلبات المناخ.

وفي هذا الإطار، أكد المدير العام للشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس ماسة، محمد أمرزاك، أن العالم يشهد انتقالًا واضحًا من منطق “استهلاك الموارد” إلى منطق “ضمان استدامتها”، مشيرًا إلى أن جهة سوس ماسة تعيش منذ سنوات تحت ضغط مائي متزايد نتيجة الجفاف وتراجع التساقطات وارتفاع الطلب على المياه.

وأوضح أن النقاشات التي شهدها معرض ميونخ أبرزت أن الأمن المائي لم يعد مرتبطًا فقط بالبنية التحتية، بل أصبح يعتمد على الابتكار والرقمنة والقدرة على التنبؤ، مؤكدًا أن التحدي اليوم لا يقتصر على توفير الماء، بل يمتد إلى كيفية تدبير كل قطرة بكفاءة عالية، وإعادة استخدام الموارد غير التقليدية، وتثمين الطاقات المتجددة داخل منظومة التدبير.

المدير العام للشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس ماسة، محمد أمرزاك
المدير العام للشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس ماسة، محمد أمرزاك

وخلال المعرض، حظيت تقنيات “المياه الرقمية 4.0” باهتمام واسع، حيث تم عرض أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والحساسات الذكية والأقمار الاصطناعية لتحليل تدفقات المياه ورصد التسربات الخفية بدقة عالية، وهي حلول تكتسي أهمية خاصة بالنسبة لجهة تعاني من مستويات مرتفعة من الإجهاد المائي.

وفي هذا السياق، أشار أمرزاك إلى أن جزءًا مهمًا من تحدي الماء لا يرتبط بندرة الموارد فقط، بل أيضًا بفقدان المياه داخل الشبكات، مؤكدًا أن الشركة تعمل على تطوير مقاربة تعتمد على الرقمنة التدريجية للبنية التحتية، بما يسمح بتحسين مردودية الشبكات وتقليص الفاقد وتوجيه الموارد بشكل أكثر عدالة وكفاءة، خصوصًا خلال فترات الذروة الصيفية.

وأضاف أن هذه الحلول الرقمية تمنح المؤسسات قدرة أكبر على التفاعل السريع مع الأعطاب والاختلالات، وتساعد على خفض تكاليف التدخلات التقنية، وتعزيز استدامة الخدمات العمومية في مواجهة التقلبات المناخية.

كما شكّلت إعادة استخدام المياه العادمة إحدى أبرز القضايا المطروحة خلال الحدث العالمي، في ظل توجه دولي متسارع نحو تحويل المياه المعالجة إلى مورد استراتيجي قابل لإعادة الاستخدام بدل اعتبارها نفايات سائلة.

ويرى أمرزاك أن هذا التوجه يكتسي أهمية خاصة في جهة سوس ماسة، بالنظر إلى الدور الاقتصادي البارز للقطاع الفلاحي، موضحًا أن إعادة استخدام المياه المعالجة يمثل خيارًا استراتيجيًا لتخفيف الضغط على الموارد التقليدية، خاصة في سقي المساحات الخضراء وبعض الأنشطة الاقتصادية.

وأشار إلى أن العالم يتجه بقوة نحو الاقتصاد الدائري البيئي، القائم على تحويل النفايات والمخلفات إلى موارد ذات قيمة مضافة، موضحًا أن محطات التطهير الحديثة لم تعد مجرد منشآت لمعالجة المياه، بل أصبحت منصات لإنتاج المياه المعالجة والطاقة والمواد القابلة للتثمين.

وفي هذا السياق، أكد أن تثمين الحمأة لإنتاج الغاز الحيوي والطاقة الكهربائية يمثل توجهًا واعدًا لتقليص البصمة الكربونية وتحسين النجاعة الطاقية للمرافق العمومية، مضيفًا أن هذا النموذج لا يحقق مكاسب بيئية فقط، بل يفتح أيضًا فرصًا اقتصادية مهمة، في إطار منظومة مترابطة بين الماء والطاقة والنفايات ضمن نموذج تنموي قائم على الاستدامة.

كما استقطبت تكنولوجيات تحلية مياه البحر اهتمامًا كبيرًا خلال المعرض، خاصة الحلول المعتمدة على أغشية متطورة منخفضة الاستهلاك الطاقي، بما ينسجم مع تجربة سوس ماسة التي أصبحت نموذجًا وطنيًا في تعزيز التزود بالماء الصالح للشرب ودعم النشاط الفلاحي.

وسلط المعرض الضوء أيضًا على حلول التكيف مع الظواهر المناخية القصوى، مثل الفيضانات والجفاف، من خلال أنظمة متقدمة لمحاكاة الأزمات البيئية والتدبير الاستباقي للمخاطر.

وأكد المدير العام أن المستقبل يفرض بناء مدن أكثر مرونة وقدرة على التكيف، عبر دمج التكنولوجيا في التخطيط الحضري والتدبير البيئي، موضحًا أن الأمر لم يعد يقتصر على إنشاء الشبكات، بل على بناء منظومات ذكية قادرة على التوقع والاستجابة السريعة والتنسيق بين مختلف المتدخلين.

وشدد على أن التحول الرقمي ليس هدفًا في حد ذاته، بل وسيلة لتحسين جودة الخدمة وتعزيز الشفافية والثقة، عبر أنظمة العدادات الذكية والتطبيقات الرقمية التي تمكّن المواطنين من مراقبة استهلاكهم اليومي والكشف المبكر عن التسربات وترشيد الاستخدام.

واختتم بأن حماية الموارد الطبيعية لم تعد مسؤولية تقنية فقط، بل أصبحت رهانًا جماعيًا يتطلب تعزيز الثقافة البيئية وترسيخ الوعي بأهمية الاقتصاد في الماء باعتباره موردًا استراتيجيًا للأجيال القادمة.

وبين أكادير وميونخ، تتبلور ملامح مرحلة جديدة تراهن فيها جهة سوس ماسة على التكنولوجيا والابتكار والاقتصاد الدائري لبناء نموذج تنموي أكثر مرونة واستدامة، قادر على مواجهة تحديات المناخ وضمان الأمن المائي في عالم تتزايد فيه هشاشة الموارد.

المغرب- سارة امغار 
سارة امغار

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading