من برشلونة إلى قطاع غزة.. انطلاق “أسطول الصمود” لكسر الحصار بمشاركة 70 دولة
ألف متطوع و70 قاربًا.. رحلة بحرية جديدة تتحدى حصار غزة.. "غزة ليست وحدها"
في مشهد يعكس تصاعد الحراك الشعبي الدولي الداعم للقضية الفلسطينية، انطلقت من سواحل برشلونة، اليوم الأحد، رحلة بحرية جديدة ضمن “أسطول الصمود العالمي” في محاولة لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة، وسط مشاركة واسعة من نشطاء ومتطوعين من مختلف أنحاء العالم، في خطوة تحمل أبعادًا إنسانية وسياسية وبيئية متداخلة.
وجاء الإعلان عن انطلاق الأسطول خلال مؤتمر صحفي عقده المنظمون، أكدوا خلاله أن نحو ألف متطوع من أكثر من 70 دولة سيشاركون في هذه المهمة، على متن 70 قاربًا، في واحدة من أكبر المبادرات البحرية التضامنية خلال السنوات الأخيرة، مع توقعات بوصولها إلى سواحل غزة خلال أسبوعين، عبر مسار محدد في البحر المتوسط.
تحرك شعبي يتجاوز الدبلوماسية التقليدية
يعكس هذا التحرك تحولًا لافتًا في طبيعة الدعم الدولي للقضية الفلسطينية، حيث باتت المبادرات الشعبية العابرة للحدود تلعب دورًا متزايدًا في ظل ما يصفه المشاركون بـ”عجز الدبلوماسية الرسمية” عن وقف الحرب أو إنهاء الحصار.
وأكد المنظمون أن هذه المبادرة جاءت نتيجة سنوات من التعاون بين نشطاء ومؤسسات مدنية، من بينها جامعات في إقليم كتالونيا، مشيرين إلى أن الشارع الإسباني، خاصة في كتالونيا، يشهد حالة تضامن متنامية مع الفلسطينيين، تُترجم إلى تحركات فعلية على الأرض.

شهادات إنسانية من قلب المعاناة
وفي كلمات مؤثرة، قالت الناشطة الفلسطينية سوزان عبد الله، المنحدرة من غزة والمقيمة في النرويج، إن مشاركتها في الأسطول تمثل امتدادًا لمعاناة شخصية وعائلية تعود جذورها إلى النكبة، مرورًا بـالنكسة، وصولًا إلى الحروب المتكررة على القطاع.
وأضافت أنها عاشت تجارب النزوح والقصف وفقدان الأمان، مؤكدة أن ما يجري اليوم في غزة “ليس حدثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المعاناة”، مشددة على أن الهدف من هذه الرحلة هو إيصال رسالة مفادها أن “غزة ليست وحدها”.
وفي السياق ذاته، قالت الناشطة سمية، وهي معلمة من أصول تركية ألمانية، إنها رفضت أن تكون “شاهدة صامتة” على حرمان الأطفال من التعليم والدواء، معتبرة أن ما يحدث في غزة يتجاوز كونه أزمة إنسانية إلى مستوى “الإبادة الجماعية”، على حد وصفها.

اتهامات بتواطؤ دولي وتصاعد الغضب الشعبي
ووجهت المتحدثة انتقادات حادة لعدد من الدول الغربية، من بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، متهمة إياها بالمساهمة في دعم العمليات العسكرية عبر إمدادات السلاح، وداعية إلى وقف هذا الدعم ومحاسبة المسؤولين عنه.
كما شدد المشاركون على أن “الصمت الدولي لم يعد مقبولًا”، معتبرين أن التحرك الشعبي، سواء عبر البحر أو الشارع، أصبح ضرورة في ظل استمرار الأزمة دون حلول سياسية حقيقية.
البعد البيئي للأزمة في غزة
من جانبها، أكدت ممثلة جرينبيس في إسبانيا والبرتغال، أن المشاركة في الأسطول تنطلق من “مسؤولية أخلاقية وبيئية”، مشيرة إلى أن ما يجري في غزة لا يقتصر على كارثة إنسانية، بل يشمل أيضًا دمارًا واسعًا للبيئة.
وأوضحت أن تدمير الأراضي الزراعية، وشبكات المياه، والبنية التحتية، يهدد مستقبل الاستدامة في القطاع، مؤكدة أن “حماية البيئة لا يمكن فصلها عن حماية الإنسان”، وأن استمرار الحصار يعمّق من الأزمات البيئية والمعيشية.
محاولة جديدة بعد تجربة سابقة
تمثل هذه الرحلة المحاولة الثانية لأسطول الصمود خلال أقل من عام، بعد تجربة سابقة انطلقت في سبتمبر 2025 من برشلونة أيضًا، بمشاركة 42 قاربًا و462 ناشطًا، قبل أن تعترضها القوات الإسرائيلية وتعتقل المشاركين على متنها، ثم ترحّلهم لاحقًا.
ورغم تلك التجربة، يؤكد المنظمون أن الإصرار على تكرار المحاولة يعكس تنامي القناعة بضرورة استمرار الضغط الدولي لكسر الحصار، وإيصال المساعدات الإنسانية إلى سكان غزة.

رهانات مفتوحة ومخاطر محتملة
تأتي هذه المبادرة في توقيت بالغ الحساسية، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، ما يطرح تساؤلات حول مصير الأسطول وإمكانية وصوله إلى وجهته، خاصة في ظل سوابق اعتراض مماثلة.
ومع ذلك، يرى المشاركون أن مجرد انطلاق الرحلة يمثل بحد ذاته رسالة سياسية قوية، تعكس حجم التضامن الدولي، وتعيد تسليط الضوء على الأوضاع الإنسانية المتدهورة في غزة.
خلاصة المشهد
بين الأمل في كسر الحصار، والمخاطر المرتبطة بالتصعيد العسكري، تمضي سفن “أسطول الصمود العالمي” في رحلتها عبر المتوسط، حاملة معها أكثر من مجرد مساعدات إنسانية؛ إنها تحمل رسالة عالمية مفادها أن التضامن الشعبي لا يزال قادرًا على التحرك، حتى في أكثر اللحظات تعقيدًا.





