ملفات خاصةأهم الموضوعاتأخبارالاقتصاد الأخضر

مدير سابق بمنظمة التجارة العالمية: أزمة مصر في الإنتاجية والارتباك الاقتصادي وعدم وجود سياسة تجارية واضحة

عبد الحميد ممدوح: ندير الاقتصاد بمؤسسات الاقتصاد الموجه وصندوق النقد لا يتدخل في سياسات تنموية أو تعديلات مؤسسية

حوار – مصطفى شعبان 

  • لم يتم توجيه ما يكفي من القروض المتراكمة لزيادة الإنتاج أو مشروعات منتجة
  • إزالة العوائق والمنافسة العادلة ونظام للحوافز ثلاثة أسياسات لزيادة فاعلية القطاع الخاص في الاقتصاد وزيادة الإنتاج
  • السياسية التجارية أحد أعمدة الاقتصاديات الناجحة خاصة في قطاع الخدمات
  • الولايات المتحدة تنظر للصين كتهديد اقتصادي وسياسي والعلاقة بينهما غير مسبوقة في التاريخ
  •  الدول العربية لديها فرصة قوية للاستفادة من الطرفين ( الصين – أمريكا).. وقلق الغرب من الصين بسبب المنافسة في التكنولوجيا
  • التجارة الدولية مساهم وليس معالج لقضايا البيئة ونحتاج منهجية دولية لحساب قواعد ضرائب الكربون لضمان منافسة عادلة

يمر العالم الفترة الأخيرة بحالة من الارتباك في سلاسل التجارة والتوريدات العالمية، سواء بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، أو بسبب الصراع الاقتصادي بين أكبر اقتصاديين في العالم الولايات المتحدة والصين، خلافا لتوجه الاتحاد الأوروبي لفرض ضرائب على الصناعات الملوثة، واتجاه الولايات المتحدة لفرض قيودا على الواردات الصينية سواء فيما يتعلق بصناعة الصلب أو الألواح الشمسية.
كل هذه التفاصيل أدت لمزيد من الركود العالمي وارتباك في أسواق أغلب الدول، إلا أن الدول النامية، ومن بينها مصر الأكثر تأثرا، وهو أنعكس على اللجوء إلى القروض الخارجية، والتي يرى البعض أنها لم ولن تحل الأزمة الاقتصادية في مصر.
لمزيد من فهم ما يحدث عالميا وانعكاساته على الوضع الاقتصادي المحلي، كان لـ “المستقبل الأخضر” حوارا خاصا مع مرشح مصر السابق في منظمة التجارة العالمية، وأحد الخبراء الدوليين الذين لهم باع كبير في تقييم نظام التجارة العالمي، وهو عبد الحميد ممدوح – مدير سابق بمنظمة التجارة العالمية، وحاليا كبير المستشارين لشركة spalding king and الدولية للمحاماة، وأستاذ زائر في جامعه كوين ماري في لندن.

فيرى عبد الحميد ممدوح، أن مشكلة مصر الأساسية في عدم القدرة على تنمية الإنتاج المحلي، وزيادة الصادرات، وهذا في رأيه يرجع إلى عدم وجود سياسة تجارية واضحة، والخلط بين السياسيات والأهداف، وعدم الاتساق بين الدستور والواقع والإجراءات والقرارت المتخذة، ففي حين ينص الدستور على أن اقتصادنا هو اقتصاد سوق تنافسي، إلا أن التصرفات والإجراءات والواقع يخالف ذلك، ومازالت الدولة أسيرة لمؤسسات الاقتصاد الموجه، خلافا لغياب التنافسية والشفافية ووجود عوائق تمنع من تدفق الاستثمار الأجنبي.

أما عالميا فالموقف أكثر تعقيدا، خاصة أن عبد الحميد ممدوح الذي بجانب كونه مديرا سابقا في منظمة التجارة العالمية فهو أيضا أستاذ زائر في جامعة كوين ماري، ويقدم الكثير من الاستشارات للمفاوضين من الدول والشركات الكبرى حول الإجراءات والنظم التجارية الدولية، لذا يرى الصورة العالمية أكثر وضوحا، ويلخصها في أن الوضع الاقتصادي العالمي والعلاقة بين الولايات المتحدة والصين، سابقة لم تحدث في التاريخ، سواء من حيث الارتباك الجيوسياسي وما سببه من ارتباك اقتصادي أو في اعتماد كلا الجانبين على بعضهما البعض اقتصاديا، وما تترتب عليه من تفكك قواعد النظام السياسي الدولي وتداخل النفوذ.
والكثير من التفاصيل التي نتابعها في هذا الحوار :

التجارة العالمية وحماية البيئة

• ما دور التجارة العالمية في مواجهة تغير المناخ أو حماية البيئة؟
– عند النظر للتجارة الدولية وحماية البيئة لابد من إيضاح أن التجارة الدولية مساهم وليس معالج لقضايا البيئة، يجب لا يتم الخلط بين المساهمة وحل مشاكل البيئة، فلن تقوم التجارة الدولية بحل مشاكل البيئة، وهذا الخلط نراه عادة في مفاوضات أطراف منظمة التجارة العالمية، فالبعض يرى أن دور المنظمة أنها تحمي البيئة، وهذا خطأ، لأن دور المنظمة والمفاوضات حتى في الاتفاقيات الإقليمية، هو المساهمة في تسهيل التجارة وانتقال السلع، وليس حل المشكلة البيئية، وهذه المساهمة لها شقين، الأول العمل على تحرير وتيسير التجارة في السلع والخدمات التي تساهم في خفض الانبعاثات الكربونية، كتخفيض الجمارك على السيارات الكهربائية، وكافة السلع ذات التكنولوجيا الحديثة المستخدمة لحماية البيئة، فلا يجب أن تكون هناك عوائق لدخول وحركة مثل هذه المنتجات خاصة في النطاق المحلي، والشق الثاني أن يتم الاتفاق على قواعد وسياسات لحماية البيئة لا تخل بمبادئ المنافسة العادلة، وعلى سبيل المثال، الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يتجهان لفرض رسوم جمركية إضافية على السلع المستوردة التي يتسبب إنتاجها في انبعاثات كربونية عالية، كالحديد والألمونيوم والأسمدة، ولكن كيف سيتم حساب الرسوم؟! لابد من التوصل إلى منهجية عادلة لحساب مثل هذه الضريبة بما لا يخل بمبدأ المنافسة العادلة، وعدم التفرقة بين الدول في التجارة، وهذه الرسوم الإضافية التي سيتم فرضها بحجة خفض الانبعاثات، يجب التأكد أنها لا تستخدم لأسباب حمائية خفية، لأن المنتج يتم إنتاجه في أكثر من نظام أو دولة وتختلف ظروف الإنتاج من سوق إلى أخر، فلابد من وجود منهجية عادلة لحساب قيمة الرسوم الإضافية التي ستفرض على منتج ما، ونأخذ في الاعتبار أن يكون هناك رسوم إضافية على بعض الخدمات التي تتسبب في انبعاثات كربونية عالية، وفي المقدمة خدمات النقل والمواصلات، سواء نقل بضائع أو أفراد، ولابد النظر إليه على المستوى الدولي بما يحمي المنافسة العادلة، خاصة فيما يتعلق بنقل الأفراد في القطاع السياحي، وهذا سوق ذو أهمية كبيرى خاصة للدول النامية، ومنها مصر، وهذه الرسوم رغم مشروعيتها لحماية البيئة، إلا أنه يجب أن التأكد من أنها لا تحمل في طياتها أغراضا حمائية خفية.

الاتحاد الأوروبي يسعى لفرض ضريبة الكربون

نقلة نوعية غير مسبوقة

• ما تقييمك للأوضاع الجيوسياسية عالميا وتأثيره على حركة التجارة والاقتصاد العالمي؟
– ما يحدث حاليا على المستوي الجيوسياسي عالميا نقلة نوعية غير مسبوقة في التاريخ، فلم تحدث منذ الحرب العالمية الثانية، فمنذ الحرب العالمية الثانية شهدنا سلسلة من المنظمات والهيئات الدولية متعددة الأطراف بدءا بالأمم المتحدة وما تلاها من مؤسسات، ومؤخرا في 1995 منظمة التجارة العالمية، ونظام الحوكمة العالمية كانت تقوده فكريا وسياسيا وعسكريا الولايات المتحدة الأمريكية، حتى بدأت الولايات المتحدة تنسحب من ساحة التعاون الاقتصادي العالمي، ودور الريادة في مجالات التعاون الاقتصادي، ومنها النظام التجاري الدولي، وذلك بدءا من الأزمة المالية 2008، ومن وقتها بدأت أمريكا النظر داخليا وعلاقاتها التنافسية مع الدول الأخرى، تزامن ذلك مع صعود الصين كقوى بازغة، والملفت أن صعود الصين لم يكن نموا اقتصاديا من الناحية الكمية وفقط، ولكن صحبه تطور كيفي من حيث التكنولوجيا والتوسع في ساحة التجارة الدولية، وهذا وضع الصين في موقف تنافسي مباشر وفريد من نوعه مع الولايات المتحدة، خاصة أن الطرفين يعتمدون كل منهما على الآخر فالاعتماد المتبادل هذا غير مسبوق، فالصين تعتمد على أمريكا كأول سوق تصديري لها، وأمريكا تعتمد على الصين كسوق استثماري، وكذلك تعتمد الصين على الولايات المتحدة كمصدر أساسي لنقل التكنولوجيا،وهذا سبب الغضب الأساسي للولايات المتحدة من الحالة الصينية، وتتهم الصين بسرقة التكنولوجيا.

الحرب الروسية تنقلب لأزمة طاقة بين أمريكا والصين
الرئيسان الأمريكي والصيني في لقاء نوفمبر الماضي

• هل هذا الاعتماد والتداخل وفق الهوى والإرادة الأمريكية أم فٌرض عليها بسبب قوة التنين الصيني؟
– أمريكا قائمة على اقتصاد السوق، ومن يأخذ القرار الشركات، فالشركات تبحث عن المكسب آيا كان، والصين كانت رافضة لنصيبها من القيمة المضافة أو المكسب الذي تحصل عليه مقابل مكاسب شركات التكنولوجيا الأمريكية التي تحققها نتيجة الاستثمار على أرض الصين، ومن هنا بدأت تضع شرط بنقل التكنولوجيا كأساس في قبول شركات أمريكية على أرضها، لذلك ترى الولايات المتحدة هذا شرط تعسفي.

امريكا والصين
المواجهة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين

توازنات لم تكن موجودة من قبل

• هل هذه عودة للحرب الباردة؟
– لا، لأن الحرب الباردة تعيدنا للاتحاد السوفيتي، وأمريكا ولم يكن هناك ارتباط اقتصادي مباشر بينهما، وكانت مواجهة مباشرة واختفاء أي من القطبين لم يكن يمثل أزمة للأخر، أما الآن فاختفاء أي من الطرفين (أمريكا – الصين) له تداعيات على الطرف الآخر ، لأن هناك علاقة خفية بين الطرفين، فالصين أكبر مشتر لدين الحكومة الأمريكية بحوالي 1.1 تريليون دولار تقريبا”سندات الخزانة الأمريكية”، أي ما يعادل 4.6% من الدين الأمريكي، فإذا باعت الصين هذا الدين(سندات الخزانة الأمريكية)، فعندئذ ستحدث أزمة للطرفين والسوق المالية، وهذه توازنات لم تكن موجودة من قبل، فالعلاقة غير مسبوقة في تاريخ البشرية، خاصة أنه ترتب على ذلك أزمة جيوسياسية كبرى، فالولايات المتحدة لديها قلق ليس لأن الصين تتجه لتكون قوة اقتصادية عظمى- أمامها الكثير لتكون الاقتصاد الأول عالميا- ولا لأن الدولار مهدد كعملة الاقتصاد العالمي وعملة الاحتياطي الدولي- لأن هذا أيضا أمامه وقت طويل– بدليل أنه مع بدء الحرب الروسية الأوكرانية البعض تحدث أنها بداية النهاية للدولار، ولكن الدولار قيمته ارتفعت وأيضا القيود التي تم وضعها على روسيا استفادت منها روسيا، فارتفاع قيمة الدولار أدى لارتفاع ناتج الصادرات الروسينة القائم على تصدير الموارد الطبيعية.

محادثات لأول مرة مباشرة بين الرئيسان تشي وبايدن

– الأزمة الحالية جعلت الولايات المتحدة قلقة من أن المسافة بينها كرقم واحد عالميا، وبين رقم اثنين في العالم تقلصت كثيرا بوتيرة سريعة لم تحدث من قبل، والولات المتحدة تريد أن تبطئ هذا الاندفاع الصيني نحو المقدمة، وبالتالي بدأت تنظر للصين كتهديد ليس على المستوى الاقتصادي والصناعي فقط، بل وعلى المستوى الجيوسياسي، فأمريكا ترى أن الصين تنظر لنتائج الحرب الروسية الأوكرانية للتطبيقه في تايوان، والولايات المتحدة تعتبر  تايون رمزا للنفوذ السياسي في المحيط الأسيوي، إذن “لوحة الشطرنج بدأت تتغير”، وهذا يسبب قلق للولايات المتحدة، وبدأت تنظر أمريكا إلى أن الوضع الاقتصادي وتأثيراته تابع للوضع الجيوسياسي، وهذا تغير هام وسلبي في إطار النظام الدولي، لأن التوجه منذ الحرب العالمية الثانية أن الساحة السياسية عالميا مستقرة وكلما تم رفع من مستوى التعاون الاقتصادي كلما تم رفع مستوى الرخاء لشعوب العالم، ومن السهل على شعوب العالم التعايش، وكانت الولايات المتحدة تكرس مجهودات دبلوماسية وتستثمر الكثير في ترويج المبادئ الاقتصادية والتعاون الاستثماري بما يعود بالرخاء على الجميع، ويدعم الاستقرار السياسي، وهذا كان قائما على المصالح الاقتصادية والسياسية الأمريكية، ولكن الصين تسببت في إضطراب للإدارة الأمريكية ومخططاتها للتعامل مع الكثير من القضايا العالمية، بالإضافة إلى الأزمة المالية العالمية التي انطلقت بالأساس من الولايات المتحدة، فالهيكل العالمي القديم تعرض لاهتزاز، وهنا تستغل الصين الوضع أفضل استغلال للترويج لصالحها في مناطق النفوذ السياسي والاقتصادي، مثل مشروع الحزام والطريق، وغيره من المشروعات التي هي ظاهرها اقتصادي ولكنها تخدم المصالح السياسية الصينية، ويربطها مع الدول المشاركة كنفوذ سياسي واقتصادي، لذلك تبحث الولايات المتحدة عن فرص تعويض كالاتجاه لإفريقيا وهذا يبرر توقيت القمة الأمريكية الإفريقية.

مستقبل افريقيا
لقاءات الرئيس الأمريكي وقادة إفريقيا

وضع مثالي للدول العربية

• كيف للدول العربية والإفريقية الاستفادة “استغلال” هذا الوضع المرتبك عالميا في تحقيق مصالحها؟

– هذا وضع مثالي للدول العربية والإفريقية ، في أن تحافظ على توازنات، ولا تعتمد على أي من الطرفين اعتماد مطلق، وتعمل على تحديد مصالحها بالتعامل مع الجميع دون الخضوع الكامل أو ترك مصيرها في يد طرف من الأطراف، ويكون مبدأ التنافسية والبحث عن زيادة الإنتاج المحلي، والتعاون مع الجميع للاستفادة من أي مبادرات أو مشروعات بما يحقق مصالح دولها.
• هل الدول العربية والإفريقية مستعدة لاستثمار الفرصة؟
– الاستعداد شيئ حتمي لمصلحتنا الذاتية أولا، فلن نستطيع أن نخدم مصالحنا ما لم نعرفها ونحددها أولا، ونعرف أهدافنا حتى نعمل على تحقيقها، فإذا لم تكن لدينا الرؤية والبوصلة لتحديد مصالحنا وأفضل مسار يحقق لنا هذا، فلن يكون لدينا المقومات المنطقية لاستثمار الوضع، والمشلكة تبدأ في الداخل لنسطيع أن نتعامل مع الخارج.

مشكلة مصر في عدم اتساق السياسيات

• ماذا ينقصنا نحن “مصر” للاستفادة من المناخ العالمي والتغيرات التي تحدث على المسارين الاقتصادي والسياسي؟
– أهم مشكلة تواجهنا عدم اتساق السياسات، فلابد أن نكون متسقين مع مبادئنا، فالدستور ينص على أننا اقتصاد سوق قائم على التنافسية، وهنا الرؤية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية تكون مبنية على هذه الهوية الاقتصادية، وكل ما هو متعلق بتوظيف الموارد المتاحة وكل ما تتبعه من سياسات( مالية – نقدية – زراعية – تجارية )، لا يصلح أن نريد جذب استثمارات بدون أن يكون لدينا سياسة للاستثمار وسياسة تجارية وكيف نطبقها، ونرفض في السياسة التجارية تحرير الخدمات هنا لا يتسق مع الهوية.

رئيس الوزراء د.مصطفى مدبولي- ومديرا صندوق النقد والبنك الدوليين

• ماذا نعني بالسياسة التجارية وهل تختلف عن السياسة الاقتصادية العامة؟
– العالم يتسم بالعولمة وتأخذ العولمة مستويات مختلفة، فالاقتصاد عالمي يعمل من خلال سلاسل التوريد والإنتاج، يعني أن فيه قدر متزايد من الاتداخل والتبادل، والمعاملات عبر الحدود أصبحت أمور أساسية ويجب تسهيلها لتنمو وتزدهر الصناعات المحلية، فلا يأتي مستثمر أجنبي ويبني مصانع، إلا وهو يعلم كيف يستورد مستلزمات إنتاجه وكيف يصدر إنتاجه، معني هذا أن السياسة التجارية لها أولوية ولابد أن تكون واضحة بآليات محددة، والسياسة التجارية هنا تتعاظم، فمفهوم التجارة هنا لم يعد تجارة سلعية فقط، بل تجارة سلع وخدمات، وتشمل الخدمات كالبورصات والبنوك والنقل البحري والجوي والبري، والسياحة تعد من أهم قطاعات تجارة الخدمات عالميا، وتتعاظم في دولة كمصر التي لديها موارد وثروات طبيعية وأثار لا يوجد لها مثيل في العالم، وأصبحت تجارة الخدمات تمثل 70% من الناتج القومي الإجمالي العالمي تقريبا، ولابد أن تتسق السياسة التجارية مع سياسة الاستثمار، فلا يصح جذب استثمار أجنبي، وفي مجال تجارة الخدمات نرفض تحرير بعض الخدمات، خاصة وأن الخدمات قائمة على الاسثتمار، على سبيل المثال منذ سنوات أسأل في مصر ما هي سياستنا التجارية فيكون الرد، “أن نحد من الواردات ونزيد من الصادرات”، هذه ليست سياسة لكنها أهداف، فمفهوم السياسة التجارية هي كيف نحقق هذه الأهداف وبأي طريق، وللوصول للهدف يجب أن ننظر للاقتصاد نظره أعمق، وخاصة في ظروفنا الاقتصادية الحالية، فالأساس هو كيف نزيد الإنتاج، لنصل لزيادة الموارد وزيادة الصادرات لتبدأ الأمور في الاتجاه الإيجابي.

القطاع الخاص وزيادة الإنتاج

• تقييمك للاقتصاد أوالإجراءات المصرية الحالية وما هو دور القطاع الخاص في الاقتصاد؟
– نقول مرة أخرى، نعود للدستور الذي ينص على إننا اقتصاد قائم على التنافسية، هذا معناه أن الدور الأساسي في الإنتاج يتحمله القطاع الخاص، فكيف نروج أو يعود القطاع الخاص ليقوم بدوره لزيادة الإنتاجية؟ يتحقق هذا على ثلاث مبادئ أساسية، أولا، إزالة العوائق، وثانيا وضع إطار للحوافز الإيجابية، وثالثا ضمان المنافسة العادلة.

– فإزالة العوائق تتمثل أن المستثمر لا يريد مواجهة عوائق في أي مرحلة من مراحل عمله لأنها العوائق تزيد التكلفة والأعباء ولها تأثير سلبي جدا على مردود الاستثمار، ويترتب عليها أيضا عدم التوقعية، فأكثر شيئ يخاف منه الدولار هو “عدم التوقعية- يقولون في الاقتصاد (مفيش حاجة تجري أسرع من الدولار الخائف”!)، وهذه أكثر ما يطرد أو يخيف المستثمر، وتجعله يهرب بسرعة طالما لا يوجد توقع للإجراءات أو القرارات، ومن أهم النقاط لإزالة العوائق هو زيادة الشفافية، ليس في القوانين واللوائح فقط أن تكون معلنه، بل تكون الحُجة والمنطق من أي قرار واضحة ومعلنة، فالشفافية يعني أن يكون هناك حوار مع الجهات المعنية والقطاع الخاص وللمستثمر دور أحيانا في وضع هذه القواعد، وشفافية الطريق الذي يوصل لها.
– وثانيا نظام الحوافز، ويكون النظام الضريبي يحفز على الإنتاج ويُطبق بأسلوب فيه عدالة وطبقا لاستراتيجية الحكومة يكون هناك أنشطة معينة تريد الدولة أو الحكومة الترويج لها أو زيادتها في فترة معينة فيتم وضع حوافز لها، وبعض الأنشطة ترى أنها ليس أولويات، وهنا يوزع  العبء الضريبي بطريقة تخدم الأولويات والاستراتيجية والأهداف.
– وثالثا ضمان المنافسة العادلة، ويكون لدينا قانون منافسة يتم تطبقه فعليا لضمان منافسة عادلة للجميع، ما بين يملكه القطاع الخاصة وما تملكه مؤسسات الحكومة، والتعامل مع الكل سواسية، والمنٌتج النهائي هو نتاج علاقات تنافسية عادلة، وهنا نصل للمٌنتج الأفضل، والتكلفة الأقل، والاختيارات الأوسع للمستهلك، ويؤخذ في الاعتبار كل هذه القواعد التي تطبقها الأنظمة التي تريد أن تنافس أو تنهض اقتصاديا، لذا لابد أن يكون لدينا وضوح الرؤية وسياسيات تجارية وتنافسية عادلة، فالسياسية التجارية أحد الأعمدة في الاقتصاديات الناجحة، خاصة أن مصر لديها أكثر من 60 % خدمات وقد تتفاوت وتزيد لكن التقدير الموضوعي يصل أكثر من 60% مع الأخذ في الاعتبار أن أغلب الاقتصاد المصري غير رسمي وغير معلن.

عبد الحميد ممدوح
عبد الحميد ممدوح

اقتصاد مرتبك غير مستقر

• بوصفك أستاذ زائر في جامعات أجنبية وتعيش خارج مصر لفترات طويلة وتحتك بالهيئات والقطاعات الاقتصادية والتجارية العالمية فكيف ينظر العالم لمصر اقتصاديا؟
– العالم ينظر لمصر على أنها مرتبكة اقتصاديا وبتعاطف أحيانا، فرغم الاستقرار السياسي الذي تنعم به السنوات الأخيرة، إلا أنه لم ينتج عنه استقرار اقتصادي بعد، وهناك آراء متعددة لطريقة استغلال الموارد، فالبعض يرى أن مصر كان يجب عليها أن تسثتمر أكثر في الأصول المنتجة، مع الاهتمام بالاستثمار في البنية الأساسية كمهمة أساسية للدولة، فلا يمكن جذب اسثتمارات والبنية التحتية متداعية، ولكن إلى أي مدى يكون هذا الاستثمار لأن هناك أولويات أخرى استراتيجية يجب مراعتها.
• بشكل محدد، ما هي مشكلة الاقتصاد المصري؟ وهل ما نحن فيه بسبب توجيهات وتدخلات الجهات الدولية المقرضة كصندوق النقد الدولي؟
– مشكلة الاقتصاد المصري الأساسية هي الإنتاج، وأزمة الدين المتراكم ناتجه عن أن هذه القروض لم يتم توجيه ما يكفي منها لزيادة الإنتاج أو مشروعات منتجة.
– فصندوق النقد الدولي، عندما يعطي الأموال يتحرك لإنقاذ الدول، ويريد أن يرى مدى قدرة الدولة عرى سداد هذا الدين، فهذه الجهة لا تقول لنا كيف نعيش حياتنا، ولا تتدخل في تفاصيل الدولة، ولا كيف نكون منتجين، والصندوق يتعامل مع السياسيات النقدية والمالية ولا يتعامل مع السياسيات التنموية، وهذا الخطأ هو ما جعلنا نلوم صندوق النقد على سياسيات أو توجهات ليس من اختصاصه، فليس دوره أن يحل كافة مشاكلنا الاقتصادية، هو فقط يعطي بعض التوجيهات لضمان كيفيه تحقيق استدامه سداد الدين، متعلقة بالسياسيات المالية لتحسين الوضع،كتعويم سعر الصرف على سبيل المثال ليوفر فرصة لزيادة الصادرات ويجعل منتجاتك أكثر تنافسية وتقليل الواردات.
• لكن أزمتنا في التعويم، فلماذا يصر الصندوق والجهات المانحة على تعويم الجنيه الذي يتسبب في كل مرة في مشاكل اقتصادية وزيادة الأسعار وارتباك في الدولة؟
– التعويم هنا يضر بكل ما هو مستورد فقط، ويرتبط فقط بالسلع الخارجية، وزيادة الصادرات يعتمد على سعر عمله محلي أقل، والمستورد فقط الذي يتم رفع أسعاره، لكن ارتفاع جميع السلع كما حادث حاليا يعني أن المشكلة في عدم وجود إنتاج، لأن الصندوق هنا لا يتدخل في الإنتاجية فهذه مسئولية الحكومة والجهات المعنية، فعندما يوجه بإلغاء الدعم لانه بريد تقليل العجز، ولا يتدخل إطلاقا في أي تعديلات مؤسسية، خاصة أننا حتى الآن ندير الاقتصاد بمؤسسات الاقتصاد الموجه.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading