ملفات خاصةأخبارالاقتصاد الأخضر

ما هو تمويل المناخ؟ من يدفعه ومن يستفيد؟ تحقيق يكشف حقائق وأرقام صادمة

بعد 16 عامًا من الوعد.. أين تذهب مليارات تمويل المناخ وكيف تُحتسب؟

منذ أكثر من عقد ونصف، لا يزال تمويل المناخ أحد أكثر الملفات تعقيدًا وإثارة للجدل في مفاوضات المناخ العالمية.

فبعد أن تعهّدت الدول الصناعية الكبرى في قمة كوبنهاجن عام 2009 بدفع 100 مليار دولار سنويًا لصالح الدول الفقيرة بحلول عام 2020، بهدف مساعدتها على خفض الانبعاثات والتكيف مع آثار الاحترار العالمي، ظل السؤال مستمرًا: من يدفع؟ من يستفيد؟ وإلى أين تذهب هذه الأموال فعلًا؟

ورغم أن الهدف كان واضحًا، فإن التنفيذ كان بعيدًا عن الشفافية. ووفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لم تفِ الدول الغنية بوعدها في الوقت المحدد، لكنها تجاوزت الهدف المتفق عليه — متأخرة — في عام 2022 عندما وصلت تعهداتها إلى 116 مليار دولار.

إلا أنّ هذه الأرقام لا تعكس الصورة كاملة؛ إذ تشير منظمة أوكسفام إلى أنّ ما يُقدَّم فعليًا أقل من ذلك بكثير، وأن قيمة ما يصل إلى الدول الفقيرة كمنح صافية لا تتجاوز 35 مليار دولار، وذلك بعد خصم القروض والفوائد وتضخيم الأرقام عبر احتساب تمويلات لا ترتبط فعليًا بالتغير المناخي.

فوضى التعريفات: لماذا يُسمّى “التمويل المناخي” غربًا متوحشًا؟

أحد أكبر الإشكالات لا يكمن في حجم التمويل فقط، بل في تعريف ما يُحتسب أصلًا كتمويل مناخي. فبعض الدول تدرج مشاريع لا تمت بصلة لخفض الانبعاثات أو التكيف، بينما تشمل أخرى قروضًا تجارية بفوائد مرتفعة، أو برامج تتعلق بالبنية التحتية التقليدية، وحتى شحنات طاقة لا تحمل أي أثر مناخي مباشر.

ووسط هذا الضباب، تستفيد بعض الدول الغنية أو متوسطة الدخل، مثل الصين والسعودية والإمارات، من مليارات الدولارات التي تُسجل باعتبارها دعمًا لمشاريع مناخية، في حين لا تصل سوى نسبة ضئيلة للغاية للدول الأشد فقرًا، والتي تُواجه بالفعل أسوأ آثار الأزمة المناخية.

مشاريع البنية التحتية المقاومة للفيضانات تُحتسب ضمن تمويل المناخ

من يحصل على الأموال فعليًا؟

تكشف البيانات المتاحة — رغم محدوديتها — عن واقع لا يتناسب مع الخطاب السياسي. ففي عام 2022، لم يحصل 44 من أفقر دول العالم سوى على خُمس التمويل العام. وتشمل هذه المجموعة دولًا تقف على خط المواجهة الأول مع التغير المناخي، مثل:

في المقابل، استحوذت دول نامية كبرى — مثل الهند والصين — على نسب أكبر بكثير، كما تلقت دول خليجية غنية بمليارات الدولارات لتمويل مشروعات مرتبطة بالطاقة، رغم امتلاكها فوائض مالية هائلة وقدرات تمويل ذاتية.

من يدفع؟

تتحمل أربع دول وحدها — اليابان وألمانيا والولايات المتحدة وفرنسا — نحو ثلثي التمويل العام. وقد ساعدت زيادة التمويل الأمريكي خلال 2021 في تحقيق هدف 2022، قبل أن يتراجع هذا الزخم لاحقًا مع إغلاق إدارة ترامب الثانية لوكالة “يوسايد” وتجميد التزامات واشنطن تجاه تمويل المناخ.

كما خفّضت عدة دول أوروبية ميزانيات المساعدات الخارجية، ما ألقى بظلال من الشك حول قدرة المجتمع الدولي على تحقيق أي أهداف مستقبلية.

نشطاء يطالبون بالعدالة في تمويل المناخ

القروض: تمويل مناخي أم فخ ديون؟

بعيدًا عن الصورة الوردية، تكشف البيانات أن ثلثي تمويل المناخ عبارة عن قروض وليست منحًا. والأسوأ أن معظم هذه القروض تُقدَّم بشروط غير ميسرة، ما يعني:

  • زيادة عبء الديون على الدول الفقيرة،

  • ارتفاع الفوائد،

  • توجيه جزء من الميزانيات الهشة نحو سداد ديون بدلًا من التكيف مع الكوارث المناخية.

وفي حالات كثيرة، تُجبر الدول المستفيدة على تنفيذ المشاريع عبر شركات من الدولة المانحة، ما يحوّل التمويل إلى دورة مغلقة تصب في مصلحة المانح أكثر من المستفيد.

تمويل المناخ بالأرقام
البنوك الدولية الكبرى أكبر وأسرع مقدمي التمويل المناخي

الهدف الجديد: 300 مليار دولار… و1.3 تريليون عبر القطاع الخاص

مع اقتراب نهاية الهدف القديم، وضعت الدول الغنية هدفًا جديدًا:
300 مليار دولار سنويًا بحلول 2035، ضمن خطة أوسع لتعبئة 1.3 تريليون دولار من القطاع الخاص.

ورغم أن الرقم يبدو ضخمًا، فإنه يثير تساؤلات كبيرة:

  • كيف يمكن مراقبة التمويل الخاص؟

  • ما هي المعايير؟

  • وهل ستصل الأموال فعلًا إلى الدول التي تحتاجها؟

يشير خبراء إلى أن الاعتماد على التمويل الخاص قد يزيد الأزمة تعقيدًا، وقد يفتح الباب لمزيد من عدم الشفافية، في وقت تحتاج فيه الدول الفقيرة لتمويل مؤكد ومستمر وليس لتدفقات مالية متقلبة.

ناشطون يشاركون في مظاهرة للمطالبة بتمويل المناخ في مؤتمر المناخ-

بحث عن حلول جديدة

في إطار التحضير لقمة المناخ المقبلة، طرحت رئاستا “كوب” في أذربيجان والبرازيل مقترحات جديدة لجمع التمويل، منها:

  • ضرائب على الملوثين الكبار،

  • ضرائب على الثروات الضخمة،

  • ضرائب على المعاملات المالية،

  • برامج مبادلة الديون بمشروعات مناخية،

  • وإصلاحات في المؤسسات المالية الدولية.

تمويل المناخ
تمويل المناخ

ويأمل خبراء أن يقود الهدف الجديد إلى استعادة الثقة المفقودة، ووضع نظام تمويل مناخي يتسم بالعدالة والشفافية، بدلًا من الفوضى الحالية التي دفعت كثيرين لوصفه بـ”الغرب المتوحش”.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading