ماذا يحدد شكل الشبكات الغذائية؟ الإجابة في الغطاء النباتي
من أفريقيا إلى العالم.. إنتاجية النباتات ترسم خريطة الحياة
عادة ما تبدو دراسة علم البيئة محلية للغاية؛ إذ يمكن للباحث أن يقضي سنوات في دراسة بركة واحدة أو غابة صغيرة أو وادٍ محدود، ومع ذلك يشعر أنه لم يكتشف سوى جزء بسيط من الصورة الكاملة.
لكن هذا النهج البطيء، القائم على دراسة كل موقع على حدة، لا يكشف دائمًا عن الأنماط العامة، خاصة في ظل التغيرات المتسارعة التي تفرضها التغيرات المناخية والضغوط البشرية على النظم البيئية.
في هذا السياق، اتبعت دراسة جديدة نهجًا مختلفًا، حيث وسّع الباحثون نطاق التحليل بدلًا من التركيز على موقع واحد، فقاموا بدراسة الشبكات الغذائية للثدييات عبر مناطق واسعة من أفريقيا جنوب الصحراء.
وأظهرت النتائج، أن المناطق التي تتشابه في ظروفها البيئية تميل إلى امتلاك شبكات غذائية متشابهة، حتى وإن كانت تفصل بينها مسافات شاسعة.
واعتمد الباحثون على بيانات من 127 موقعًا، مستخدمين صور الأقمار الصناعية لتقدير عاملين رئيسيين: كثافة الغطاء النباتي (كمؤشر على الإنتاجية الأولية)، ودرجة تجزؤ الموائل الناتجة عن الأنشطة البشرية.
تشابه في بنية الشبكات الغذائية

ثم دمجوا هذه البيانات مع معلومات عن أنواع الثدييات والعلاقات الغذائية بينها، باستخدام تقنيات تحليل الشبكات لفهم العوامل التي تشكل هذه الأنظمة على نطاق واسع.
وأبرزت النتائج عاملًا حاسمًا عبر مختلف البيئات، من الصحارى إلى السافانا والغابات المطيرة، وهو الإنتاجية الأولية، أي مقدار نمو النباتات الذي يمد النظام البيئي بالطاقة.
وأظهرت الدراسة، أن التشابه في الغطاء النباتي يؤدي إلى تشابه في بنية الشبكات الغذائية، بغض النظر عن الموقع الجغرافي أو نوع النظام البيئي.
وتكمن أهمية هذا الاكتشاف في أن النباتات تمثل الأساس الطاقي لمعظم الشبكات الغذائية البرية؛ وبالتالي، فإن أي تغير في هذا الأساس، نتيجة الجفاف أو تغيّر استخدام الأراضي أو التحولات المناخية، ينعكس مباشرة على الكائنات الحية الأخرى.
ولا يقتصر التأثير على النباتات فقط، بل يمتد ليحدد أنواع الحيوانات القادرة على العيش في البيئة، وعدد المفترسات التي يمكن للنظام دعمها، ومدى استقراره.
كما كشفت الدراسة عن دور مهم لتجزؤ الغابات في حوض الكونغو، أحد أكبر الغابات الاستوائية في العالم، حيث تبين أن الغابات التي تعاني مستويات متقاربة من التجزؤ تمتلك شبكات غذائية متشابهة.
ويحدث ذلك لأن التجزؤ لا يؤثر على الأنواع بشكل عشوائي، بل يؤدي غالبًا إلى اختفاء أنواع معينة أولًا، خاصة تلك التي تحتاج إلى مساحات واسعة أو بيئات متصلة، ما يغيّر العلاقات بين المفترسات والفرائس.
التنبؤ بكيفية تغير النظم البيئية مستقبلًا
ورغم أن مواقع الدراسة تقع داخل مناطق محمية، فإن تفاوت مستويات الحماية والأنشطة البشرية المحيطة بها يسهم في استمرار هذه التغيرات.
وتبرز أهمية هذا النهج البحثي في قدرته على الربط بين الدراسات المحلية والصورة الكبرى، ما يساعد على التنبؤ بكيفية تغير النظم البيئية مستقبلًا.
فمن خلال معرفة خصائص الغطاء النباتي ودرجة تجزؤ الموائل عبر الأقمار الصناعية، يمكن للعلماء توقع شكل الشبكات الغذائية، وفهم التأثيرات المحتملة لأي تغييرات بيئية.
ولا يُعد هذا النهج بديلًا عن الدراسات الميدانية، لكنه أداة قوية لتوسيع نطاق الفهم، خاصة في وقت تتغير فيه النظم البيئية بوتيرة أسرع من أي وقت مضى.





