كائنات برية تزدهر في «المناخات الخفية» بلندن.. صنعت المدينة أكبر فسيفساء للتنوع البيولوجي
الطبيعة في قلب الإسفلت.. أسرار ازدهار الكائنات البرية داخل لندن الكبرى
من العقارب إلى الطواويس: الأنواع التي تزدهر في المناخات الدقيقة الخفية في لندن
فسيفساء استثنائية من الحياة البرية جعلت من الغابة الحضرية البريطانية موطنًا لها
لندن هي المكان الوحيد في المملكة المتحدة الذي يمكن أن تجد فيه العقارب، والثعابين، والسلاحف، والفقمات، والطواويس، والصقور جميعها داخل مدينة واحدة – وليس داخل حديقة حيوان لندن. يكفي أن تخطو خارج المنزل لتكتشف شبكة متداخلة من المناخات الحضرية الدقيقة، تعجّ بالحركة والطنين والحياة.
يؤكد سام دافنبورت، مدير استعادة الطبيعة في «صندوق لندن للحياة البرية»، أن التنوع الكبير في الموائل داخل المدن البريطانية يخلق «فسيفساء» مذهلة من الحياة البرية.
ويقول: «إذا ذهبت إلى الريف ستجد مساحات زراعية متشابهة إلى حد كبير، لكن إذا سرت ميلًا واحدًا في كل اتجاه داخل مدينة، ستواجه حدائق، ومزارع صغيرة، وخطوط سكك حديدية، وبقايا غابات قديمة».

تزدهر الحيوانات في المدن أيضًا لأن شتاءها أكثر اعتدالًا مقارنة بالمناطق الريفية. ويضيف دافنبورت: «ليس من الغريب رؤية ملكات النحل الطنّان تبحث عن الغذاء خلال أعياد الميلاد. عندما يكون الطقس باردًا، تظل المدينة أكثر دفئًا، وهو ما تتيحه المناخات الدقيقة للحشرات».
ولا يقتصر الأمر على النحل، إذ تستفيد أنواع مثل ثعالب الماء وطيور البلشون من المجاري المائية الحضرية التي نادرًا ما تتجمد، ما يحافظ على استقرار مصادر الغذاء خلال فصل الشتاء.
كما أن العديد من الأنواع عدّلت سلوكها للتكيّف مع الحياة الحضرية، سواء في أساليب الصيد، أو استخدام الموائل، أو طرق الحركة عبر المشهد العمراني. ويقول دافنبورت: «المدن تُظهر مدى قدرة الطبيعة على التكيّف والعثور على مكان مناسب لها».

الحياة البرية على اليابسة
أحد الأمثلة اللافتة هو ما يُعرف بـ«بعوض مترو لندن» (Culex pipiens f. molestus)، الذي اشتهر خلال الحرب العالمية الثانية عندما كان يلدغ سكان لندن الذين احتموا بأنفاق المترو من القصف. وعلى عكس الاعتقاد السائد، لم يتطور هذا البعوض تحت الأرض، بل تعود أصوله إلى الشرق الأوسط منذ آلاف السنين، قبل أن يتكيف لاحقًا مع المناخ المعتدل لشبكة النقل في العاصمة.
وليس البعوض وحده من وجد موطنًا في الغابة الحضرية البريطانية. إذ يُعتقد أن أكثر من 10 آلاف عقرب أصفر الذيل (Tetratrichobothrius flavicaudis) يعيشون في شقوق الجدران في ميناء شيرنيس بمقاطعة كنت، مع ظهور مستعمرة ثانية محتملة في شرق لندن. وقد وصلت هذه العقارب إلى بريطانيا في القرن التاسع عشر ضمن شحنات من الأحجار الإيطالية.
في الوقت نفسه، توفر حديقة ريجنتس ظروفًا غابية مثالية لأكبر تجمع بريطاني من ثعابين أسكليبيوس (Zamenis longissimus)، وهي من أكبر أنواع الثعابين في أوروبا. ويُعتقد أنها هربت من منشأة بحثية سابقة، وتعيش اليوم على افتراس القوارض والطيور.

المجاري المائية
في عام 1957، أعلن متحف التاريخ الطبيعي أن نهر التايمز «ميت بيولوجيًا». لكن تحسين أنظمة الصرف الصحي والتخلص من النفايات الصناعية حوّل النهر تدريجيًا إلى نظام بيئي قابل للحياة، في واحدة من أبرز قصص النجاح البيئي في بريطانيا.
اليوم، يمكن رصد ثعالب الماء وهي تلهو قرب حديقة الملكة إليزابيث الأولمبية، بينما تتوغل مئات من فقمات المرافئ أحيانًا داخل مصب التايمز بحثًا عن الأسماك التي عادت إلى الأنهار الحضرية النظيفة.
كما جذبت المجاري المائية أنواعًا غير متوقعة، مثل «الروبيان الشيطاني» (Dikerogammarus haemobaphes)، وهو نوع دخيل عدواني قادم من البحر الأسود، إضافة إلى فرس البحر قصير الأنف (Hippocampus hippocampus)، الذي يُعتقد أنه وصل عبر تيار الخليج، في إشارة أكثر تفاؤلًا لتعافي التايمز البيولوجي.
ومن أغرب القصص أيضًا السلاحف ذات الأذن الحمراء (Trachemys scripta elegans)، التي استوردت خلال موجة شعبية سلاحف «نينجا» في ثمانينيات القرن الماضي، ثم أُطلقت لاحقًا في البرك والقنوات. ويُرجح أن بعض السلاحف الموجودة اليوم هي نفسها حيوانات أليفة من تلك الحقبة، لكنها أصبحت أكبر سنًا.
ولا تقل غرابة دورة حياة ثعبان البحر الأوروبي (Anguilla anguilla)، الذي يفقس في بحر سارغاسو قرب جزر البهاما، ثم ينجرف إلى أنهار مثل التايمز، حيث يعيش لعقود قبل أن يعود إلى موطنه الأصلي للتكاثر والموت.

السماء فوق لندن
تُعد صقور الشاهين (Falco peregrinus) أسرع الحيوانات في العالم، وقد وجدت في لندن بيئة مثالية. ويُقدر عدد الأزواج المتكاثرة بنحو 40 زوجًا، يعشش بعضها فوق أبراج حي باربيكان، حيث يشاهد السكان الصغار وهم يتعلمون الطيران.
وقد تكيفت هذه الصقور مع أضواء المدينة، فباتت تصطاد ليلًا الطيور المهاجرة التي تنجذب إلى إنارة الشوارع، رغم أن الصيد الليلي ليس من سلوكها الطبيعي.
كذلك تعيش الخفافيش بانسجام مع البشر، على طول القنوات، وفي المباني الصناعية المهجورة، وحتى داخل المنازل. ويعتقد الخبراء أنها تستخدم خطوط السكك الحديدية كمسارات ملاحة، تمامًا كما يفعل البشر.
أما الطواويس التي تتجول في حديقة كيوتو بهولاند بارك، فهي بقايا طيور كانت تملكها الطبقة الأرستقراطية. في حين تعود أصول البجع في حديقة سانت جيمس إلى هدية قدمها السفير الروسي للملك تشارلز الثاني عام 1664.





