غابات المانجروف تتحول إلى مصائد دائمة للبلاستيك والنفايات الساحلية
جذور تحمي السواحل… وتحتجز النفايات: كيف أصبحت المانغروف مخزنًا للبلاستيك؟
تنمو غابات المانجروف على السواحل الاستوائية وشبه الاستوائية، في المناطق التي تلتقي فيها الأنهار بالبحار، وتتميز هذه الغابات بجذورها القوية التي ترتفع فوق التربة الطينية والمياه الراكدة، ما يجعلها خط دفاع طبيعي يحمي السواحل من التآكل والعواصف.
وتعتمد الأسماك والسرطانات والطيور، إضافة إلى المجتمعات الساحلية، على غابات المانجروف كمصدر للغذاء والحماية والدخل. غير أن دورًا جديدًا وخطيرًا لهذه الغابات بدأ يتكشف خلال السنوات الأخيرة.
مصائد طويلة الأمد للنفايات البشرية

أظهرت دراسات حديثة، أن غابات المانغروف أصبحت تحتجز كميات كبيرة من النفايات البشرية، وعلى رأسها المخلفات البلاستيكية، إذ تتراكم الزجاجات والأكياس وأوعية الطعام والمواد المكسورة بين الجذور، وتبقى مدفونة في التربة لفترات طويلة.
دراسة جديدة أُجريت في كولومبيا توضح كيف تتحول غابات المانجروف إلى مصائد دائمة للنفايات، وتكشف في الوقت نفسه عن المخاطر المتزايدة التي تواجهها المجتمعات الساحلية القريبة.
دراسة ميدانية في كولومبيا

نشر باحثون من جامعة برشلونة في إسبانيا، بقيادة أوستين غارسيس أوردونييث وميكيل كانالس، دراسة ميدانية شاملة شملت مسح 29 موقعًا من غابات المانغروف في كولومبيا.
واعتمد فريق البحث على الجمع بين مسوحات مباشرة للنفايات داخل الغابات، وإجراء 671 مقابلة مع سكان المناطق الساحلية، بهدف فهم العلاقة بين الأنشطة البشرية وتراكم الملوثات.
تفاوت في تراكم النفايات
تتخذ غابات المانغروف ثلاثة أشكال رئيسية:
– المانجروف النهرية التي تنمو على ضفاف الأنهار والمناطق الفيضية،
– المانجروف الهامشية التي تنتشر على السواحل المفتوحة والخلجان،
– المانجروف الحوضية التي تقع في مناطق داخلية ذات تدفق مدٍّ محدود.
وأظهرت النتائج أن المانغروف الهامشية هي الأكثر احتجازًا للنفايات، حيث تدفع حركة المد والجزر المخلفات العائمة نحو أطراف الغابات، لتعلق بين الجذور، ويصل متوسط النفايات في هذه المناطق إلى نحو 2.5 قطعة لكل متر مربع.
في المقابل، تسجل المانغروف النهرية والحوضية مستويات أقل بكثير، غالبًا دون 0.4 قطعة لكل متر مربع، كما تبيّن أن قرب الغابات من المدن يزيد بشكل واضح من حجم التلوث، في حين لم يظهر لعمر الأشجار أو كثافة الغابة تأثير يُذكر.

البلاستيك الملوّث الأكبر
تشكل المواد البلاستيكية نحو 90% من إجمالي النفايات التي جُمعت في جميع أنواع المانجروف، وتتصدر الزجاجات والأغطية وأوعية الطعام وقطع الفوم قائمة المخلفات الأكثر شيوعًا.
ومع مرور الوقت، تؤدي أشعة الشمس وحركة المياه والكائنات الحية إلى تفتيت البلاستيك إلى أجزاء أصغر، وتسحب السرطانات هذه الشظايا إلى جحورها، بينما تغطيها الرواسب الطينية تدريجيًا، ما يسمح ببقائها في التربة لعقود.
ويصف الباحث أوستين جارسيس أوردونييث هذه الظاهرة بمصطلح “الكربون البلاستيكي في التربة”، في إشارة إلى استدامة بقاء البلاستيك المدفون داخل النظام البيئي.

جذور تحجز التلوث
تلعب جذور المانغروف دورًا رئيسيًا في احتجاز النفايات، إذ تستخدم أشجار المانجروف الحمراء جذورًا دعامية قوية تعيق حركة المخلفات العائمة، بينما تعتمد أشجار المانجروف السوداء والبيضاء على جذور هوائية عمودية تُبطئ تدفق المياه وتلتقط النفايات أثناء فترات المد الهادئة.
ورغم أن العواصف والمد القوي قد يعيدان بعض المخلفات إلى البحر، فإن الجزيئات الصغيرة، خصوصًا الميكروبلاستيك، تدخل السلاسل الغذائية البحرية، ما يشكل تهديدًا للحياة الفطرية والتوازن البيئي.
مخاطر على المجتمعات الساحلية
يؤثر تراكم النفايات في غابات المانغروف سلبًا على الحيوانات والإنسان، فالطيور والأسماك تبتلع البلاستيك، وتتعرض السلاحف والسرطانات للاختناق والتشابك، كما تنتقل المواد الكيميائية السامة عبر السلاسل الغذائية.
وتؤدي هذه الملوثات إلى تراجع جودة الصيد، وإضعاف قدرة الغابات على حماية السواحل من الفيضانات والعواصف، مع تضرر الجذور بمرور الوقت.
وأظهرت المقابلات أن غالبية السكان المحليين يدركون أهمية غابات المانجروف وخطورة التلوث، لكنهم يعزون المشكلة إلى ضعف خدمات جمع النفايات، وانتشار ممارسات الحرق والدفن العشوائي قرب الأنهار والسواحل.

حلول مطلوبة لحماية المانغروف
يوصي الباحثون بالحد من استخدام البلاستيك أحادي الاستعمال باعتباره أحد أسرع الحلول، كما أن تعزيز أنظمة إعادة الاستخدام وتحسين خدمات الصرف الصحي وإدارة النفايات، إلى جانب برامج التوعية المجتمعية، يمثل عناصر أساسية لحماية هذه النظم البيئية.
وأكدت الدراسة أن الوصول إلى خدمات الصرف الصحي وإدارة النفايات يُعد حقًا أساسيًا لحياة كريمة، وشرطًا جوهريًا لحماية النظم الساحلية للأجيال الحالية والمستقبلية في كولومبيا ومختلف دول العالم.
وتبقى غابات المانجروف درعًا طبيعيًا يحمي السواحل ويخزن الكربون ويدعم التنوع البيولوجي، لكن حمايتها اليوم تبدأ بمنع النفايات من الوصول إليها قبل أن تحتجزها الجذور إلى الأبد.





