ممر الفيلة تحت النار.. اتهامات بالصيد الجائر وتهجير الماساي شمال تنزانيا
بين الصيد والحفاظ على الطبيعة.. الماساي يدفعون ثمن “نموذج” الحماية في تنزانيا
تصاعد الضغوط على الماساي وممرات الحياة البرية في شمال تنزانيا
تواجه مجتمعات الماساي في شمال تنزانيا ضغوطًا متزايدة على أراضيها، في وقت تتعرض فيه ممرات الحياة البرية لتهديدات متنامية، وسط اتهامات لمصالح صيد الجوائز بتقويض جهود الحماية البيئية، ومخاوف من تورط برامج الحفاظ على الطبيعة الممولة دوليًا في انتهاكات لحقوق السكان الأصليين.
على بُعد مسافة قصيرة من مدينة أروشا، عاصمة رحلات السفاري في شمال تنزانيا، يتجه الطريق نحو الحدود الكينية. وقبل الوصول إلى منطقة لونغيدو، يتفرع مسار ترابي داخل السافانا، حيث يظهر جبل كليمنجارو بقمته المغطاة بالثلوج في الأفق، معلنًا مدخل منطقة إدارة الحياة البرية في إندويميت.

أُنشئت منطقة إندويميت لإدارة الحياة البرية عام 2007، وتقع بمحاذاة متنزه كليمنجارو الوطني والحدود مع كينيا. وتضم 11 قرية من قرى الماساي ضمن نظام يُقدَّم منذ سنوات كنموذج للحفاظ على الطبيعة القائم على المجتمع المحلي.
وبموجب هذا النظام، يُخصص ما بين 25% و33% من عائدات السياحة والصيد لصالح القرى عبر هيئة تمثيلية منتخبة، مقارنة بنسبة لا تتجاوز 3% في محميات الصيد التقليدية.

فيلة عملاقة تُقتل
غير أن هذا النموذج بدأ يُظهر تصدعات واضحة. ففي الفترة بين عامي 2023 و2024، عُثر على بقايا محترقة لخمس فيلة من فئة “السوبر توسكرز”، وهي من أندر الفيلة في العالم، إذ لا يتجاوز عددها 30 فيلًا. وبحسب مصدر طلب عدم الكشف عن هويته، قُتلت هذه الفيلة خلال رحلات صيد جوائز مُصرّح بها من قبل هيئة إدارة الحياة البرية التنزانية.
وأوضح المصدر أن إحدى هذه الفيلة لم يتجاوز عمرها 30 عامًا وكانت في سن تكاثر نشطة، مشيرًا إلى أن حرق الجثث جرى لمنع التعرف عليها وتجنب إثارة قضية إعلامية. ولم ترد الهيئة التنزانية على طلبات التعليق بشأن هذه الاتهامات.
ويمثل هذا الحادث خرقًا لاتفاق غير رسمي استمر قرابة ثلاثة عقود، كان يضمن مرور الفيلة بأمان بين كينيا وتنزانيا.

شركات صيد مثيرة للجدل
تُعد شركة “كيلومبيرو نورث سفاريز” من بين الشركات التي حصلت على تصاريح صيد في المنطقة، وتضم قائمة عملائها شخصيات بارزة في لوبيات صيد الجوائز بالولايات المتحدة. وتشير معلومات إلى أن الشركة نظمت رحلات صيد أودت بحياة اثنين على الأقل من الفيلة الخمسة.
ويملك الشركة رجل أعمال سبق أن واجه عشرات التهم في تنزانيا، من بينها غسل أموال وحيازة غير قانونية للعاج والأسلحة، قبل أن تُسوّى القضايا بدفع غرامة مالية. ورغم تأكيد الشركة التزامها بـ”الصيد الأخلاقي”، فإن وقائع إندويميت أثارت شكوكًا واسعة حول أولويات نظام إدارة مناطق الحياة البرية في البلاد.
ضغوط متزايدة على مجتمعات الماساي
في الوقت ذاته، تشهد مجتمعات الماساي نزاعات متكررة مع السلطات في مناطق بحيرة ناترون، ونغورونغورو، وعلى أطراف متنزه سيرينغيتي. وفي يوليو 2024، أصدرت إدارة منطقة إندويميت ثمانية أوامر إخلاء، ما أدى إلى احتجاجات عنيفة انتهت بتدمير مكتب الإدارة المحلي.
وتقول السلطات إن هذه الإجراءات جاءت بسبب “توسع زراعي غير قانوني”، إلا أن منظمات مجتمع مدني تؤكد أن سكان الماساي عارضوا منذ البداية إنشاء منطقة إدارة الحياة البرية، معتبرين أنها قيّدت حقوقهم التقليدية في الأرض.

تمويل غربي وانتقادات حقوقية
أُدخل نظام مناطق إدارة الحياة البرية في تنزانيا خلال تسعينيات القرن الماضي بدعم من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، التي موّلت مراحل تجريبية عدة. ولا تزال منطقة إندويميت ضمن برامج تمويل دولية بملايين الدولارات، رغم تعليق المفوضية الأوروبية دعمها للحفاظ على الطبيعة في تنزانيا عام 2024 بسبب انتهاكات حقوق الإنسان.
وتواصل منظمات دولية، من بينها الصندوق العالمي للطبيعة، العمل في هذه المناطق عبر برامج عابرة للحدود، بدعم من الحكومة الألمانية وشركات خاصة، بهدف حماية ممرات الحياة البرية وتعزيز بدائل اقتصادية مثل السياحة البيئية.
لكن محامين ونشطاء حقوقيين يرون أن هذه المبادرات تُهمل جوهر المشكلة، المتمثل في ملكية الأرض وحقوق السكان الأصليين، محذرين من أن تحويل الطبيعة إلى “أرصدة بيئية” يرسخ تبعية المجتمعات المحلية لتدفقات التمويل والسياحة دون معالجة الضغوط البنيوية التي تهدد وجودها.
وفي ظل استمرار عمليات الإخلاء وتقييد الحركة، يشعر الماساي بأنهم يُستبعدون من أراضٍ عاشوا فيها لقرون، بينما تُمنح الأولوية للفيلة والزرافات ضمن مشهد طبيعي جرى تحويله إلى أصل اقتصادي قابل للتسويق.





