أخبارصحة الكوكب

فيروسات عملاقة تختبئ في طين السواحل وتؤثر في كيمياء الأرض بصمت

اكتشاف مذهل: طين الشواطئ يضم سلالة جديدة من الفيروسات العملاقة

كشفت دراسة علمية جديدة، أن الرواسب الطينية في المناطق الساحلية الواقعة بين المد والجزر تخفي عالمًا واسعًا من الفيروسات العملاقة التي لم تكن معروفة من قبل، بما في ذلك سلالة جديدة قد تمثل عائلة فيروسية كاملة لم يسبق للعلماء وصفها.

 

وتشير النتائج إلى أن هذه الفيروسات لا تقتصر أهميتها على إصابة الكائنات الدقيقة فحسب، بل قد تؤدي دورًا مؤثرًا في العمليات البيئية الكبرى المسؤولة عن تدوير الكربون والنيتروجين، وهما عنصران أساسيان في توازن النظم البيئية على كوكب الأرض.

 

عالم مجهول تحت الأقدام

لطالما افترض العلماء أن الفيروسات الموجودة في الرواسب الساحلية تتبع الأنماط نفسها المعروفة في مياه المحيطات المفتوحة، سواء من حيث الأنواع أو السلوك أو الأدوار البيئية.

 

غير أن المناطق الطينية الواقعة بين المد والجزر ظلت أقل دراسة مقارنة بالبيئات البحرية الأخرى، ما جعل الكثير من تفاصيل الحياة الميكروبية فيها مجهولة حتى الآن.

 

ولكشف أسرار هذه البيئات، أجرى فريق بحثي بقيادة تشيتشاو تو، عالم البيئة الميكروبية في Shandong University، دراسة موسعة على الرواسب الساحلية الممتدة على طول السواحل الصينية.

 نظرة عامة على فيروسات الحمض النووي الكبيرة
نظرة عامة على فيروسات الحمض النووي الكبيرة

تحليل أكثر من خمسة تيرابايت من البيانات

جمع الباحثون نحو 200 عينة من الطين الساحلي من مناطق مختلفة بين المد والجزر، ثم أجروا تحليلات جينية متقدمة لأكثر من خمسة تيرابايت من البيانات الوراثية.

 

وأسفرت الدراسة عن اكتشاف 237 جينومًا كاملًا أو شبه كامل لفيروسات عملاقة، وهو عدد يفوق بكثير ما تمكن الباحثون من رصده في الدراسات السابقة.

 

وتختلف هذه الفيروسات جذريًا عن الفيروسات التقليدية المعروفة بإصابة الإنسان، إذ تمتلك جينومات ضخمة تحتوي على مئات الآلاف من الوحدات الوراثية، بينما تصل جينومات بعض أقاربها إلى ملايين الأزواج القاعدية، وهو حجم يقترب من بعض الكائنات الحية الدقيقة.

العلاقات التطورية لـ 64 فيروسًا عملاقًا بين المد والجزر تم استعادتها في هذه الدراسة و 251 جينومًا مرجعيًا
العلاقات التطورية لـ 64 فيروسًا عملاقًا بين المد والجزر تم استعادتها في هذه الدراسة و 251 جينومًا مرجعيًا

نوعان من الفيروسات العملاقة

أظهرت النتائج أن نحو ثلثي الفيروسات المكتشفة تنتمي إلى فئة الفيروسات العملاقة التي تصيب الكائنات وحيدة الخلية مثل الطحالب والأميبا والكائنات المجهرية الأخرى.

 

أما الثلث المتبقي فكان من نوع يعرف باسم “العاثيات العملاقة” أو Jumbo Phages، وهي فيروسات ضخمة تصيب البكتيريا وتمتلك ترسانة جينية أكبر بكثير من العاثيات التقليدية.

 

وتؤدي هذه الفيروسات دورًا مهمًا في تنظيم أعداد الكائنات الدقيقة داخل الشبكات الغذائية الساحلية، حيث يمكن أن تؤثر إصابتها للطحالب والكائنات المجهرية في توازن المجتمعات البيولوجية بأكملها.

العلاقات التطورية لـ 64 فيروسًا عملاقًا بين المد والجزر تم استعادتها في هذه الدراسة و 251 جينومًا مرجعيًا
العلاقات التطورية لـ 64 فيروسًا عملاقًا بين المد والجزر تم استعادتها في هذه الدراسة و 251 جينومًا مرجعيًا

اكتشاف سلالة جديدة للعلم

أحد أبرز نتائج الدراسة تمثل في اكتشاف مجموعة مكونة من ثمانية فيروسات عملاقة لم تتطابق مع أي عائلة فيروسية معروفة سابقًا.

 

وأظهرت التحليلات الوراثية أن هذه الفيروسات تشكل فرعًا مستقلًا داخل مجموعة فيروسات تعرف باسم Imitervirales، وهي مجموعة تضم عادة فيروسات تصيب الطحالب والكائنات المجهرية البحرية.

 

ويرى الباحثون أن هذه المجموعة قد تمثل عائلة جديدة بالكامل من الفيروسات العملاقة لم يسبق وصفها علميًا.

 

والأكثر إثارة أن سبعة من هذه الفيروسات أظهرت ارتباطًا إحصائيًا مع مفصليات الأرجل، وهي مجموعة حيوانية تشمل الحشرات والسرطانات والروبيان، ما يفتح الباب أمام احتمال وجود عوائل جديدة لم تكن متوقعة سابقًا لهذه الفيروسات.

التنوع على مستوى المجتمع والجينات للفيروسات العملاقة في منطقة المد والجزر (GVs) والفيروسات الكبيرة
التنوع على مستوى المجتمع والجينات للفيروسات العملاقة في منطقة المد والجزر (GVs) والفيروسات الكبيرة

فيروس استثنائي صمد عبر الزمن

رغم التغيرات المستمرة التي تشهدها المناطق الطينية نتيجة تعاقب المد والجزر مرتين يوميًا، رصد العلماء فيروسًا عملاقًا حافظ على استقراره بصورة لافتة.

 

فقد ظهر الفيروس نفسه في جميع العينات المأخوذة من مدينة تشينغداو الصينية، عبر مواسم مختلفة وأعماق متعددة من الرواسب.

 

كما أظهرت نسخه الوراثية تشابهًا تجاوز 99.9%، وهو مستوى استقرار نادر بالنسبة للفيروسات التي عادة ما تتغير بسرعة كبيرة.

 

العلاقة بين الفيروسات والكائنات المضيفة

عند مقارنة الفيروسات بالكائنات الحية الموجودة في البيئة نفسها، وجد الباحثون أن أقوى العلاقات كانت مع الفطريات والكائنات الدقيقة وحيدة الخلية، تليها الطحالب.

 

وأثار الارتباط بالفطريات اهتمام العلماء بشكل خاص، لأن العديد من هذه الأنواع لم تكن تُعرف سابقًا كعوائل محتملة للفيروسات العملاقة.

 

كما أظهرت النتائج أن وفرة الكائنات المضيفة تؤثر بقوة في توزيع الفيروسات وانتشارها داخل الرواسب الساحلية.

 

دور محتمل في كيمياء الأرض

كشفت الدراسة أيضًا أن العديد من الفيروسات العملاقة تحمل جينات مرتبطة بعمليات حيوية مهمة تشمل تصنيع الأحماض الأمينية والسكريات ومكونات الحمض النووي.

 

والأهم من ذلك أن عددًا كبيرًا منها يحتوي على جينات مرتبطة بعمليات تدوير الكربون والنيتروجين داخل البيئة.

 

ويعتقد الباحثون أن هذه الجينات قد تساعد الفيروسات على إعادة توجيه النشاط الأيضي للكائنات التي تصيبها، بما يؤثر في كيفية معالجة العناصر الغذائية داخل الرواسب الساحلية.

 

ورغم أن العلماء لم يثبتوا بعد كيفية عمل هذه الجينات أثناء العدوى الفيروسية، فإن وجودها يشير إلى أن الفيروسات قد تؤدي دورًا أكبر بكثير مما كان يُعتقد في تنظيم الدورات البيوجيوكيميائية على السواحل.

 

إعادة تقييم النظم الساحلية

تسلط الدراسة الضوء على أن المناطق الطينية الساحلية، التي تبدو للوهلة الأولى بيئات فقيرة أو خاملة، تخفي في الواقع تنوعًا هائلًا من الكائنات الدقيقة والفيروسات التي تسهم في تشكيل العمليات البيئية الأساسية.

 

كما تشير النتائج إلى أن النماذج العلمية المستخدمة لفهم حركة الكربون والنيتروجين في البيئات الساحلية قد تحتاج إلى تحديث يأخذ في الاعتبار الدور المحتمل لهذه الفيروسات العملاقة.

 

ويأمل العلماء أن تساعد مئات الجينومات الجديدة التي جرى اكتشافها في الإجابة عن أسئلة أكثر تعقيدًا خلال السنوات المقبلة، مثل تحديد العوائل الحقيقية لهذه الفيروسات وقياس تأثيرها الفعلي في النظم البيئية الساحلية.

ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Nature Communications، إحدى أبرز الدوريات العلمية الدولية المتخصصة في الأبحاث متعددة التخصصات.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة